شكري بلعيد شهيد الديمقراطية وشهيد العلمانية

سيبقى يوم الثامن من فيفري/شباط 2013 يوما من أيّام تونس، ويوما من أيّام العرب القليلة التي يحقّ لهم الفخر بها ورفع رؤوسهم..ما يقارب مليونا ونصف المليون من النساء والرجال والشيوخ والأطفال من مختلف الطبقات والانتماءات شاركوا في جنازة فقيد الغدر والإرهاب المناضل اليساري شكري بلعيد الذي سقط برصاص الغدر صبيحة يوم السادس من فيفري..
جنازة مهيبة لا يماثلها في تاريخ العرب إلا جنازة الزعيم جمال عبد الناصر، زامنتها جنائز رمزية في أغلب المدن والقرى التونسية، وصلاة الغائب هنا وهناك في تونس، وحتى في ميدان التحرير في القاهرة..جنازة ستبقى في حوليات الحياة السياسية في تونس، إذ للمرّة الأولى تعرف تونس جنازة تخرج من دار ثقافة، ولأوّل مرّة في تاريخ تونس يشارك النساء في جنازة ضاربات عرض الحائط بتقليد عتيق يبعد النساء عن مراسم التشييع والدفن، ولأوّل مرّة في تونس المستقلّة يرفع النشيد الوطني – نشيد الثورة، مرارا وتكرارا طيلة ما يزيد عن خمس ساعات هي الفترة التي قضّاها المشيّعون تحت أمطار لا تتوقف إلا لتعود بأشدّ هطولا، ولأوّل مرّة تختلط دموع المشيّعين النابعة من لوعتهم العميقة بدموع سبّبتها القنابل المسيلة للدموع، والجيش من ههنا يحمي الجنازة في موكب مهيب، ورجال الشرطة من هناك يطلقون قنابلهم المسيلة للدموع على حفنة من المرتزقة جاؤوا للسلب والنهب وإحراق السيارات والحجارة على المشيّعين، فيهرب اللصوص وتتضاعف دموع المشيّعين.
جنازة فريدة لرجل فريد تكرّست آلة دعائية حزبية متجلببة بالدين لشيطنته ورميه بالكفر والإلحاد في منابر المساجد ومنابر الاجتماعات الحزبية وعلى محطات الإذاعة والتلفزيون، ساهم فيها “سياسيون” وأئمّة وقادة ميليشيات، لم يتورّع بعضهم عن المطالبة بقتله جهارا نهارا والدولة في صمت مريب، ولم يتورّعوا جميعهم عن تكفيره رغم دفاعه المعلن عن إسلامه وعن اعتباره الإسلام مع العروبة من مقوّمات “الهوية”، لكنّه يلحّ في آنٍ على فصل الدين عن السياسة باعتبار العلمانية من أسس الديمقراطية…
شيطنوه وكفّروه وأهدروا دمه، وفّروا الظروف والمبرّرات لمن يطلق عليه الرصاص ثمّ تملّصوا من مسؤولية دمه، وكأنّما القاتل هو فقط من أطلق الرصاص، وكأنّ من أفتى ومن اتّهم ومن كفّر أبرياء..
فاتهم أنّ الإسلام الذي جاؤوا متسلّلين في حصان طروادته يحمّل دم القتيل لكلّ من شارك ولو بكلمة، فاتهم أنّ قتل نفس واحدة بغير حقّ يساوي قتل الناس أجمعين..
وفاتهم أيضا أنّ الشعب التونسيّ لا يتحمّل القتل، ولا يحبّ الغدر والغادرين، وأنّ تونس لم تعرف أرضها اغتيالا لزعيم سياسيّ منذ اغتالت عصابات المستعمر الفرنسي زعيم الوطن فرحات حشاد سنة 1952، وأنّ شكري بلعيد ظلّ إلى ما قبل ساعات من اغتياله يحذّر الحاكمين من سكوتهم على العنف وتسامحهم مع الميليشيات التي روّعت الأحياء في اجتماعات المعارضين، والميليشيات الأخرى التي لم تحترم حرمة الأموات فدنّست مقابر اليهود والنصارى ثمّ امتدّت إلى مدافن الأولياء الصالحين وجلّهم من شيوخ الدين الذين كانوا يرابطون لحماية أرض الإسلام من حملات الصليبيين..
الشعب التونسي خرج اليوم بمئات الآلاف لتشييع شهيد ولتشييع الرعب الذي تمكّن من النفوس، بعد مخازن السلاح التي تمّ اكتشافها جنوبا وشمالا، وآلاف التونسيين الذين صاروا يصدّرون الرعب من الشام إلى مالي مرورا بالجزائر، وخطب الجمعة التي صارت خطب تحريض على القتال والقتل..الشعب التونسي الذي أطرد دكتاتورا أحكم قبضته على البلاد لكنه لم يجد من يطيعه من قادة الجيش عندما أراد الولوغ في الدم فولّى الأدبار..الشعب التونسي الذي كشف للعالم العربي أنّ الدكتاتورية ليست قدرا، وأنّ طاعة “وليّ الأمر” لا تكون على حساب الكرامة والحريّة، وأنّ الشعب إذا أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر..الشعب التونسيّ هذا خرج اليوم ليقدّم تنبيهه الأخير للحكّام الجدد: إمّا أن يحزموا أمرهم وإمّا أن يعودوا إلى حيث كانوا في منافيهم المخملية حيث كانوا ينعمون بتجارتهم وينمّون ثرواتهم على حساب إخوتهم السجناء، وعلى حساب مناضلين لم يكفّوا يوما عن مقارعة الدكتاتورية ومن ضمنهم كان الشهيد شكري بلعيد.
شعارات كثيرة رافقت الجنازة اليوم: يسقط حكم الإخوان، يا شعب يا مسكين خدعوك باسم الدين، شغل – حرية – كرامة وطنية..شعارات تبيّن أنّ حكومة الحزب الذي زكّى نفسه بادّعاء التديّن “والخوف من الله” بدأ يفقد البساط والغطاء، وأنّه مثلما قال الشهيد شكري بلعيد في أحد تصريحاته التي أثارت جنون أعدائه: انتخبهم الناس لأنهم يخافون الله فإذا كلّ الناس يخافون الله إلا هم..
لا ندّعي في هذه العبارات أنّ تنظيما دينيا خطّط أو نفّذ اغتيال شكري بلعيد، لكنّنا واعون بأنّ قاتل شكري – مهما كان- ما كان له أن يقدم على جريمته لولا ظنّه أنّ الظروف ملائمة للقتل، وأنّ الجريمة ستكون مبرّرة: أليس شكري هو الملحد، الشيوعيّ، الكافر، العلماني…حسب أقوال “ساسة” حزب النهضة و”فتاوى” شيوخ الوهابية التونسية؟؟ ولكنّهم لا يعلمون أنّ الشعب التونسيّ الراسخ في الإسلام لم يقبل يوما التطرّف، قبل المذهب الإباضي وتعايش معه منذ أن تخلّى إباضيو تونس عن تكفير المجتمع، وقبل المذهب الإسماعيلي ولفظه عندما أراد فرض تعاليمه، وبقي دوما مجتمعا ذا إسلام معتدل يتعايش مع اليهود والنصارى، ويلتقي فيه السنّي بالشيعيّ والإباضيّ، وتُطلب فيه الهداية والرحمة لمن يعتبر “عاصيا” أو “زنديقا” أو “زانيا” أو “شارب خمرة” دونما عنف ولا تعنيف ولا تكفير..إسلام معتدل وعميق في آنٍ لا يزعجه وجود لاأدريين ولادينيين.. هذا المجتمع التونسيّ هبّ اليوم ضدّ الإرهاب والتصفية الجسديّة، هبّ تصحيحا لمسار الثورة التي قامت من أجل الكرامة والعدالة فإذا البعض يوجّهها إلى فرض الحجاب وختان الإناث ومنع الاختلاط..هبّ دفاعا عن إسلامه الوسطيّ الرحيم الذي يريد البعض حصره في بوتقة التقليد المميت والتقوقع وتحويله إلى منبع للحقد والكراهية..هبّ تقويما لانحرافات ساسة لم ينجحوا إلا في بثّ الكراهية وتقسيم المجتمع على أسس دينية ويروّجون لخطاب العودة إلى الأصول وتكفير الغرب ويلهثون على موائد بنوكه وحكوماته ليزيدوا اقتصاد البلاد إنهاكا، ويرجمون النظام الساقط بتهم الفساد والمحاباة وحكم العائلات ويتبعون منهجه دونما خجل..
وداعا للشهيد شكري بلعيد، ونرجو أن تكون هذه الصدمة نافعة كي يستفيق التونسيون ومن ورائهم كلّ العرب إلى خطورة خطاب الإقصاء والتكفير، وخطورة العنف السياسي خاصّة منه المبنيّ على قراءة حاقدة للدين، وخلط للدنيويّ بالمطلق..
وداعا شكري بلعيد: كنت شجاعا في مواجهة مصيرك، كنت واضحا في تحذيرك من العنف والحقد، وكنت رائعا في موتك كاشفا به عن الحقائق، موحّدا للتونسيين كما وحّدهم منذ ستين عاما الزعيم الخالد فرحات حشاد، ومحذّرا لهم من عواقب الحقد..وستبقى كلمات رفيقك “حمّة الهمامي” وهو يؤبّنك كلمات خالدة بأنّ علينا أن ننزع الحقد والكراهية وأن نروّج خطاب المحبّة…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This