شهادة كاتبة عراقية عن يوميات الهلع والدمار: ساعتان ما بعد التقويم

أنا امرأة تجازف كل برهة وتراوغ موتها… أتجول بين ظلال الوحوش البشرية التي ترفع سيوفها الصدئة، تحز بها رقاب الخارجين على الخرافة والذاهبين إلى سلطة العقل. أمضي قدما في مجازفاتي الخطرة…

أقول كلمتي لأبقى أو أموت… وأدون عبوري في الحياة بمواقف…لا أكتفي بمغامرة العيش بين القاتل والمقتول إنما، أضيء الظلمات بكتابات، وأكشف عن صورة الوحش المتربص بنا، المتربص بي، المتشهي قطف رأسي الذي أعلنه كل صباح للريح والشمس واحتمالات القتل…

وحدي أطوي المسافة بين موتي الوشيك وموتي المؤجل بمحض مصادفة. والكلاب الضالة تأتي إلى حديقتي بأشلاء القتلى فأجد على الممرات مرة ذراع رجل أو كف امرأة، ومرة قدم طفل تتنازعها عصبة من كلاب الحي…

لا شيء أشد توحشا من وحدة امرأة في بلاد القتل والمقابر والأشلاء، وفي بغداد تحديدا. في وحدتي لا أرى أحدا غير صورتي تتكرر في المرايا، وإلا ملامحي وهي تتغضن وحدها حين لا تؤكدها نظرة الآخر، ولا تنال من التأويلات والتساؤلات ما يهزّ سكونها، ويقصي عنها ركود الموت. أولادي كل وأحد في بلد، وأنا مصرّة على البقاء في بغداد لأنجز مشاريعي الثقافية في وقت تتأكد أهمية الثقافة إزاء تردي الأوضاع وشيوع المد الأصولي في البلاد…

في وحدتي أعيش بين الموت والأنا، حين لا يعود أحدنا قادرا على رؤية وجه الآخر أو سماع نبرته أو استقبال ريبته أو تساؤلاته… عندئذ، ينكفىء كل واحد مناّ على وحوشه الشخصية تلتهمه ويلتهمها، ويرسل أي آخر إلى الجحيم…

أغامر بالعيش وسط حدائق الموت المزدهرة بجثث مجهولة ورؤوس مقطوعة وصمت مطبق من المثقفين وتصاعد نبرة التجهيل والتحريم… مجازفة شاقة وعبثية بالنسبة لكاتبة تحيا وحيدة وسط المجزرة، في “بيت” محاط بحشود المتطرفين وهجمات المتعصبين الساعين لفرض ثقافة واحدة على شعب متشابك الأنواع والأعراق والثقافات. أسمع عويل الرجال الجارح في المساء، حيث أقدم المتطرفون على قطع سيقان تسعة من الشبان لانهم يرتدون السراويل القصيرة بحكم عملهم مدربين في مسبح الحي. يفككنني نحيب البنات اللواتي قتلت زميلاتهن في الحافلة الصغيرة وهن عائدات من عملهن في أحد البنوك، مكشوفات الرؤوس بلا حجاب، فأطلق الملثمون المسلحون نيرانهم عليهن ثم عمدوا إلى قطع رؤوس ثلاثة منهن وألقوا بها على الرصيف عند الظهيرة، نذيرا لسواهن من النساء العاملات…

أبقى وحيدة محاطة بمكائد وتهديدات ومكالمات من مجهولين على الهاتف الأرضي، تنذرني بقطع الرأس إن أنا واصلت الخروج إلى عملي ونشر كتاباتي…

أكدح في نهارات الموت من أجل رغيف خبز و بضعة لترات من نفط للمدفأة، في بلاد ينام جياعها على بحر من أكبر احتياطي للنفط في العالم!…

ترافقني شخوص روايتي غير المكتملة ورعب الموت قتلا على الهوية أو ذبحا من أجل نص.

في حديقتي، يحدث صدع في مسار الزمن، إذ تطلق الزهور بشائر ربيع مبكر من ألوانها القزحية وتشكل مع أصداء الموسيقى التي اسمعها خلفية الحياة السرية لوحدتي. الموسيقى والزهور تدوزن حياتي المهددة وسط حقول الخراب البشري. أفكر أحيانا أنني لو لم أكن كاتبة لأصبحت موسيقية أو مجرد عازفة كمان، لأسجل الحياة أنغاما تتشابك مع مادة الزمن وأغادر الأرض إلى ترانيم وأغنيات حب ومقامات…

أنا لست واحدة في وحدتى، ففي جلدي تتوالد نساء عديدات من أول النهار حتى الغروب، أكابد أوجاعهن وأتحمل تبعات عيشهن وأحزان قلوبهن، بينما المدينة المتهاوية تطلق عويلها مع الريح ويحتشد الرماد في أفقها المحترق…

نسائي الوحيدات يغادرن كتابي لحضور مجالس العزاء المقامة لتأبين القتلى بين بيت وبيت، وبنات قصصي يتعثرن بالموت والعبوات الناسفة وفي أحداقهن تموج وجوه عشاقهن الذين التهمتهم الحروب، يرتعشن توقا للمسة يد تطفئ ظمأ الجسد ورغباته المأسورة في التحريم والتجريم…

وبعد ثلث قرن من اشتغالي بالكتابة ونشري 22 كتابا بين رواية وقصص قصيرة ودراسات ونصوص وإصداري مجلة ثقافية أرأس تحريرها منذ 2005 وإدارتي لمركز دراسات حرية المرأة، يهددني المتطرفون بالقتل إن أنا عاودت نشر مقالات عن حرية التعبير والإبداع وحرية المرأة…

ساعتان أقطفهما الآن من تقاويم الهلاك، وأمضي متشبثة بنجاة مستحيلة… ساعتان أقول فيهما ما تبقى من حياتي عبر أربع وعشرين ساعة من الخوف وتوقع الموت…

الساعة الواحدة بعد انتصاف الليل
نوم مضطرب يفتقر إلى متعة الهجوع الآمن، هو أقرب إلى الأرق منه إلى النوم. لذا تسهل مغادرته والإفاقة من عذابه. نوم تقاطعه أصوات إطلاقات ومواجهات أمام بيتي وتتبعها ضجة طائرات وقصف من قوات الاحتلال لمنطقة قريبة. غير هذه وتلك يرعبني وقع خطى مريبة في الحديقة الخلفية لبيتي، وأسمع حركة أشخاص بين أشجار التين والأجاص. مسلحون يتقافزون بين حدائق المنازل، ويتجهون إلى الشارع الرئيس. رغم تظاهري بالتماسك، أجدني أرتعش رعبا وأخفي وجهي في شذى يهدئ مخاوفي يفوح من وسادة صغيرة محشوة بزهور الخزامى المجففة.

أفز هلعة على أصوات انفجارات، ولا أعود إلى النوم بل أترقب وصول حصة الليل: ساعة من الكهرباء تحول ليلي إلى نهار عمل متصل أتحرك فيه شبه ماكنة مبرمجة: أشغل سخان الماء وغسالة الملابس والمدافيء الزيتية في الغرف لتحتفظ ببعض دفء للصباح. أستحم وأجفف شعري وأكوي قمصاني وأنجز أعمالا وأنا أعدو في الممرات مثل مصعوقة، وما هي إلا ساعة ونصف الساعة حتى ينهمر الظلام مرة أخرى وأغرق في الصمت الوحشي.

أشعل شمعة وأخرج إلى الحديقة لأشغلّ مولد الكهرباء، وأنا ارتجف رعبا من وجود لص أو مسلحين متربصين بين كثافة الأشجار. وعندما أنجح في تشغيل المولد، تكون الساعة قد بلغت الثالثة فجرا ويكون النوم قد غادر إلى جهات أخرى وتركني ليقظة ما حان أوانها بعد…

أكتب بضع صفحات من الرواية ويعاودني النعاس. أنام على الأريكة الكبيرة في غرفة مكتبتي وأزحزح الأريكة إلى أبعد ما يمكن عن النافذة المواجهة للشارع لئلا أكون في مرمى نيران المتقاتلين خلال المواجهات المستمرة…

أضع موسيقى تعصمني من الإنصات للأصوات المرعبة وعصف الريح بين الشجر، أسمع كونشرتو الكمان لمندلسون، وأكرره مرات ومرات… أغفو على حلم بحياة أقل سوءا ووحشة وأبتسم لحلمي وتتجمد ابتسامتي على وجهي بين مسارب الدموع..

الساعة الخامسة والنصف صباحا
أفيق على صحراء الزمن، وأنا رهينة إصراري على البقاء بين احتمالات الموت الكثيرة، أرد على تساؤلات الأصدقاء ( لماذا لا تغادرين إلى بلاد أخرى؟؟) بأني أشهد على ما يجري للإنسان هنا وأدون شهادتي لزمن قادم ، فيضحك الأصدقاء من مبرراتي ويقولون :
– بقاؤك بين الأحياء هو محض مصادفة، وقد يكون موتك خبرا صغيرا في نهأية نشرة أخبار مسائية وتكونين ضحية لا يعتد بشهادتها، هذا إذا علم أحد بموتك أو اغتيالك بعد أن تتحلل جثتك .

أفتح المزاليج وأقفال الأبواب التي حصنتها بمشبكات حديدية، أتحرى المشهد الصباحي.. وأخرج إلى حديقتي قبيل الشروق، أروي الزهور وأقطف الأقحوان الأصفر وزهوراللاتينيا لمزهرياتي وأغدق رذاذ الماء على اشجار النارنج والمتسلقات وعريشة الياسمين ونخلة السايكاس.

تغويني ثمار النارنج الغضة لأصنع أشربة بنكهات شرقية مع الزنجبيل وماء الورد ورحيق اللوز… ثمار أسقطتها رياح الليل على المرج ورسمت صورة بهية لطبيعة لا تأبه بالقتلة بل تقترح الجمال وتمنحنا هباتها. أجمع أغلفة الرصاص من أحجام مختلفة كانت قد تناثرت هنا إثر مواجهات الليل. أشم رائحة الموت من أصابعي التي لامست الرصاص المتساقط في ممرات بيتي…

أطارد قطة حاولت التسلل إلى داخل البيت من إحدى النوافذ التي تحطم زجاجها مساء أمس، ونسيت أن أضع ألواح الفلين عليها. ثلاث نوافذ واسعة انهمر زجاجها بصوت مروع عند انفجار سيارة مفخخة عند التقاطع الذي يبعد نحو خمسين مترا عن بيتي. أجمع ما تبقى من حطام الزجاج والشظايا وأطعم القطة وصغارها حليبا…

الساعة السابعة
أهيئ فطوري وأحمله إلى الحديقة الخلفية لأجلس في مكاني الأثير قبالة شجرتي الليمون والعنب وأشجار الأكاسيا بعناقيد زهورها الذهبية. أفتح النافورة الصغيرة التي يتوسطها تمثال امرأة وانتشي بخرير المياه في الحوض وأشذاء العشب المستفيق والزنابق المتفتحة. مع الرشفة الثانية من قدح الشاي، تجتاح صباحي طائرات الأباتشي الهادرة، يتفرج طاقمها الساخر على حياتنا ويقظتنا وتنخفض الطائرات حتى تكاد ترتطم بقمم النخل وتفزع الحمائم والعصافير المئة التي تقيم في أشجاري، فتهب الطيور المرتعبة وتتنقل من شجرة إلى أخرى أو تدور في هلع دون أن تتوقف عن الضجيج. تدور الطائرات دورات متلاحقة وتواصل طيرانها على ارتفاع منخفض فوق البيوت ترصد كل حركة ويراقب طاقمها لحظاتنا بالمناظير المقربة.

أعود إلى مكتبتي بعد أن أفسدت الأباتشي متعتي الصغيرة في تناول فطوري، أفتح الإنترنت وأتفحص بريدي وأرد على بعض الرسائل، و اقرأ بعض الصحف على عجل. أكتب افتتاحية العدد الجديد من مجلة “هلاّ” الثقافية التي أرأس تحريرها.

أسمع أصوات انفجارات مروعة قد تكون في منطقة “البياع” أو “حي المأمون” أو “حي الجامعة” القريب. بعد قليل سيعلن عنها في التلفزيون لأعرف أي الطرق أسلك حين ذهابي إلى مقر المجلة إذ عادة ما تغلق الطرق المؤدية إلى مواقع الانفجارات، وتتعطل الحياة تماما…

الساعة الثامنة
كل منّا يهاتف الآخر لنهدئ مخاوفنا من احتمالات الخطف أو القتل, في الساعة الثامنة، موعد مكالمتي اليومية مع الصديقة الرسامة هناء مال الله، عقدنا اتفاقات على مواعيد، نتأكد فيها من بقائنا أحياء، كل صباح وكل مساء.. هي في منطقة ساخنة أخرى من بغداد وأنا في منطقة مشتعلة… ردت على المكالمة، وإذن فكلتانا كسبت يوما مضافا للحياة…

تخبرني أنها ستذهب إلى أكاديمية الفنون – وهذا أمر اعتدناه، أن نخبر بعضنا بتحركاتنا خشية التعرض للخطف والميتات العشوائية على الطرق. تقترح هناء أن نلتقي في معرض فني في غاليري “أثر”، قرب الأكاديمية، أخبرها أن لدي ارتباطات عمل في المجلة والجمعية العراقية لدعم الثقافة وعلي أن أتابع طبع كتاب “دراسات في أشكال العنف التي تتعرض لها المراة”، الذي قمت بتحريره وكتابة المقدمة له ونشرنا فيه الدراسات المختارة من مسابقة “مركز شبعاد لدراسات حرية المراة”…

أعاود الكتابة في الرواية…

الساعة العاشرة
نفد وقود مولد الكهرباء وعلي أن أطفئها. يطرق البستاني بابي وقد وصل على دراجته حاملا شتلات زهور الزينيا والبانسيه والمرجان وأبصال الشقائق، ونعمل معا في زراعة وعودِ للربيع والصيف القادمين. يبشرني بتفتح أوائل زهور الأجيراتم الزرقاء وعناقيد من الياسمين الأصفر على إحدى النوافذ… الحياة تمضي قدما والربيع يرعش قلبي بوعوده الوشيكة.

أهاتف سائق سيارة أجرة أعرفه – فنحن لا نستقل سيارات التاكسي التي نجهل أصحابها خشية الخطف – أطلب إليه أن يوصلني إلى بائع الزجاج… أسلمه مقاسات زجاج النوافذ ليهيئه ويأتي لتركيبه في الغد. يرحب الرجل بي فقد أصبحت زبونة دائمة إذ تحطم زجاج نوافذي ثلاث مرات خلال شهر وأحد جرّاء الانفجارات وانفقت على استبداله مبالغ طائلة…

أتجه إلى السيارة فيواجهني رجل بغطاء رأس مسدل ولحية كثة وثوب قصير ويزعق في وجهي رافعا ذراعه متوعدا، وكأنه يهم بصفعي.:
– تستّري يا امرأة وغطي عورة شعرك وإلا سترنا عارك بالموت…النساء لا يسترهن سوى القبر..احتشمي وغطي رأسك يا امرأة…
تخرسني المباغتة وأقف برهة بلا حراك، ثم أتماسك وأسترد أنفاسي وأقول له:
– لمإذا لا تقبل بوجودي في الحياة كما أنا بينما أقبل وجود أمثالك كما أنت؟؟
يقول: لا مكان لأمثالكم في الحياة… حرمة بلا حياء، أليس لديك وليّ أمر ؟… حرمت عليكم الحياة.
أدير مؤسسة ثقافية يعمل فيها رجال عديدو ن ويطالبني هذا الشيخ بوليّ أمر يسترني !!
يهمس السائق: ست أسرعي، أسرعي أرجوك ولنذهب من هنا، هؤلاء مثل الوحوش الضارية… يقول: لا تتورطي معهم بجدال، كان عليك أن تتركيه…
وإذن علينا أن نصمت وندع كل شيء يتخذ مساراته المرسومة من قبل هؤلاء، علي أن أصمت وأنسحب أو أختار موتي على أيدي القاتلين…

نتوقف لدى باعة البنزين في السوق السوداء، أشتري وقودا لمولد الكهرباء، ثم أقف نصف ساعة في الصف تحت المطر لأحصل على بضع لترات من النفط للمدفأة. أتبضع احتياجات يومي من خبز وخضار وأعود بحصيلة من روح تعرضت للتهديد وجسد مرتجف بردا وهلعا، وملابس مبللة وغضب وبضع لترات من الوقود وقد انفقت لشراء الوقود ما يسد رمقي طوال شهر.

الساعة الحادية عشرة والنصف
أغير ملابسي المبلولة والتي لوّثها النفط والبنزين. أتصل بسائق سيارة المجلة فيخبرني أن الطريق مغلق بين حي “الحارثية” وحي “المأمون” ومنطقة سكني في حي «العامرية” وكذلك طريق المطارالدولي الذي يوازي حي “العامرية”، وعليه أن يمضي نحوا من ساعة ونصف للوصول إليّ عن طريق بديل، أتصل بسائق آخر فيخبرني أنه على موعد مع رجل يشتغل بالوشم و ويوضح لي ان ابناء الحي من الشباب عمدوا إلى وشم أسمائهم وأرقام هواتف ذويهم على أجسادهم ليتعرفوا إلى جثثهم في حالة قتلهم، ولا يعاملون باعتبارهم جثثا مجهولة الهوية فيلقون في القمامة أو يدفنون في مقابر الغرباء…

أتذكر أنني لم أحمل معي هوياتي وجواز سفري إذ أحرص على حملها كلما خرجت ليتعرفوا على جثتي إن قتلت في انفجار، ولكن ماذا سينفعني ذلك لو احترق جسدي ومعه كل شيء… ربما سيجمع العابرون أشلائي في كيس من البلاستك ويدفنونها على جانب إحدى الطرق إن كنت محظوظة، أو تترك بقايا جثتي نهبا للغربان والكلاب الضالة…

بعد انتظار يصل السائق ويخبرني أنه تعرض لإطلاق نار مساء أمس في طريقه إلى المطبعة مع إحدى الموظفات، عندما أُوقفوا لدى مرور رتل من القوات الأميركية وأمره الشرطي بالانطلاق لكن جنديا عراقيا أطلق عليه نيران رشاشته واخترقت الرصاصة قبة قميصه خلف عنقه ونجا باعجوبة فيما أغمي على الفتاة وأخذها إلى المستشفى فرفضوا إسعافها لأن سيارته هوجمت من قبل الجنود وهذا يعني أنه مشتبه به…

أربع مرات خضعنا للتفتيش والتدقيق من قبل مفارز أميركية وحكومية في طريقي الي المجلة. مررنا بشوارع ملتهبة، فيها تبادل إطلاق نار قرب تمثال أبي جعفر المنصور، الذي حطمه المتطرفون، واجتزنا أزقة موحلة وطرقا ترزح تحت كتل كونكريت وأسلاك جارحة حتى بلغنا شارع الكندي، حيث موقع المجلة في أحد فروعه. وجدنا الزقاق موصدا، ثم سمعنا انفجارا زلزل السيارة وزلزلنا وعرفنا أنه جرى تفجير عبوة ناسفة مزروعة على الرصيف قرب مبنى المجلة وكان يمكن أن نكون ضحاياها بفارق، دقيقتين اثنتين…عبوة ناسفة أمام المجلة… الموت يقترب..

الساعة الواحدة
ألتقي الزملاء ونتداول في آخر مستجدات عملنا ونعد مخطط العدد الجديد لمجلة “هلا الثقافية”. يصل ضيوفنا من أسرتي تحرير مجلتي «جدل” و”مسارات”، حيث دعوناهم لحفل شاي ( بدأنا نقيم احتفالاتنا منتصف النهار) احتفاء بصدور العدد الأول من مجلة «جدل”. أصدقاء كتاب وأكاديميون وشعراء، نتداول في شأن التعاون بين مجلاتنا لتخطي المصاعب الفنية والطباعية والمالية ومواجهة الرقابة الدينية وتدخلات الأحزاب المهيمنة على السلطة وتهديدات الميليشيات…

أقدم باقتي زهور لرئيسي تحرير المجلتين المحتفى بهما، نطرح أسئلة واستفهامات حول المعضلات التي تواجه عملنا ونحن نصدر مجلات فكرية وثقافية في أوضاع خطيرة تتفجر كل لحظة بالمزيد من الأهوال والتهديدات التي تستهدف الثقافة والمثقفين..
أتصل بمطبعة جريدة الزمان لمعرفة مراحل طباعة كتاب “أشكال العنف التي تتعرض لها المراة”، يبلغوني أنهم سيرسلون لي البروف النهائي لأطلع عليه…

الساعة الثالثة
نغادر مع بعض الزملاء مبنى المجلة لنحضر اجتماعا لأعضاء الهيئة التأسيسية للجمعية العراقية لدعم الثقافة في المقر الواقع على نهر دجلة جوار “المندى” معبد الصابئة المندائيين…

نضع اللمسات النهائية على مشروع ندوة الثقافات العراقية التي اقترحتها لإجراء حوار مكاشفة بين ثقافات الأعراق والقوميات والأديان وتحديد الخصائص والمشتركات التي أسهمت في إغناء ثقافة العراق ونمائها وتنوعها والتي يحولها المتعصبون الآن إلى نقاط تفجر بين الطوائف والأعراق، ونقترح أسماء الباحثين والمدعوين من المفكرين والكتاب من أنحاء العراق…

الساعة الخامسة
أعود إلى مقر المجلة في حي “الحارثية” عبر طرق فرعية بسبب إغلاق طريق حي “القادسية” العام المحاذي للمنطقة الخضراء التي يسكن داخلها الوزراء وقادة الاحتلال و نواب البرلمان والمقربون من السلطة ورؤساء الأحزاب…

خدمة الإنترنت متوقفة في مبنى المجلة بسبب انقطاع الكهرباء وعطل الجنريتر، وعلي أن أغادر إلى البيت لإنجاز بعض أعمال المجلة والطريق إليه ملغوم بالمخاطر، والقوات الأميركية ترابط على مفارق الطرق ومداخل الأزقة… أصل إلى البيت عن طريق “المطار الدولي”، حيث نخضع لمساءلة الدوريات وهم يفتشون سيارتنا ويدققون في هوياتنا ونجد مداخل الأحياء مغلقة ولابد من الدوران حول أطراف حي “العامرية” غربا لنصل إلى شارعنا الذي تقف على مدخله دبابتان أميركيتان..

الساعة السادسة
أشغل مولد الكهرباء وأرى آثار أقدام على غبار الممرات وأغلفة رصاص، ومعنى ذلك أن مواجهات حصلت عند الظهيرة أمام بيتي وفي الأزقة الخلفية…

أكاد أصدم جبيني بالجدار وأنا أسير مترنحة لفرط الإرهاق والتوتر، ألقي بجسدي على الأريكة مغمضة العينين على فيض من الدموع. من يستل العبرات من صوتي؟ من يجفف دموعي بحكاية وألفة وأنا أصر على البقاء وحدي في عين الكارثة؟
من يمنحني وطنا لا يغص بالموتى والقتلة؟
متى يغادرنا الجنون لنغفو؟ متى يموت الموت لنحيا؟
متى أتحرر من الظلمات لأفيق من ليل الاحتلال؟
وإذن سأدخل إلى الليل الشقي بحروبه العمياء، وأهيئ الوجبة الوحيدة التي أتناولها يوميا وأتبلها برحيق زهور الخشخاش التي أزرعها في الحديقة وأجمع بذورها للحلوى ورحيقها تحسبا لليالي الأرق…

الساعة الثامنة
ما عدت أرهب الموت لطول ما ألفت حضوره ولفرط ما رأيت من موتى في الطرقات وأمام بيتي وفوق الجسور، ورأيتهم يطفون في مياه دجلة كزهور متحللة تلتهمها أفاعي الماء والأسماك.

الساعة العاشرة
أسمع صرخة هلع ونداءات رجال جزعين، أسمع جارتنا أم فراس تصرخ: قتلوك يا فراس…

أعدو إلى الشارع وأرى شابين يحملان جثة فراس وثقب رصاصة في جبهته ووجهه غارق في الدم… تخبرني إحدى النساء: وجدوه مع ثماني جثث في حي الجامعة القريب. إحداها جثة فتاة عارية اقتلعوا عينيها وثبتوا حدقتيها في راحتي يديها بالبراغي وشوهوا جسدها بالحروق.
أبكي، أبكي وأدخل ليلة الهلع وحيدة كلياليّ الماضيات…

أتناول حبة مهدئة واتضرع للزمن أن يتحرك ويمضي قدما. لكن الزمن يسخر مني، وأنا في بلاد ما عادت غير ظل لبلاد عتيقة اندثرت في قيامة الجنون…

ترى هل سأجتاز برزخ الهلاك ومطهر الحاضر إلى زمن آخر؟ أم علي أن أمضي قدما، وأدع كل شيء ورائي؟…

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق