شهداء مجانين

نشرت جريدة النهار اللّبنانيّة في العدد الصادر نهار الأحد التاسع والعشرين من شهر آذار الخبر الآتي: ” أفاد بلاغ لشعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي أمس أنّه في تاريخ 28/3/2008، وقبالة صخرة الروشة عثر على جثة رجل مجهول الهوية في العقد الرابع، طول قامته حوالي 170 سنتيمتراً، ممتلئ البنية، أشيب وأسود الشعر، حليق الذقن والشارب، يرتدي قميصاً أزرق وباج وبنياً وسروال جينز أسود، ينتعل حذاء أسود، ويوجد وشم باسم “إيمان” على صدره الأيسر وآخر بعبارة “عذابي معك” على كتفه اليسرى. نقلت الجثة إلى براد مستشفى رفيق الحريري الحكومي. وبناء على إشارة النائب العام الاستئنافي في بيروت القاضي جوزف معماري، تطلب المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي من ذويه أو ممّن يعرف عنهم شيئا، إبلاغهم الحضور إلى المستشفى للتعرّف إليه والاتصال بفصيلة شرطة الروشة على الرقم: 797238/01 تمهيدا لتسلّمه.”

قد يكون هذا الخبر، خبراً عادياً يشير إلى انتحار شخص في لبنان، هذا البلد الذي تكثر فيه الدوافع للإقدام على فعل كهذا. فمن الوضع المعيشي المتأزم إلى تدهور الحالة الاقتصادية، وازدياد نسب البطالة بشكل مضطرد بين الشباب، إلى تردي الأوضاع الأمنية، وانحطاط الأفكار السياسية. كلّها أسباب وجيهة وكافية لفقدان الأمل في الحياة واليأس من أهمية الوجود والبقاء.

لكن، مهلاً. لعلّ هذا الخبر وما يحمله من توصيف دقيق لجثّة الضحية -المنتحر- يثير العقل والخيال مفبركاً صوراً مختلفة، فتصل بنا الأفكار إلى مكانٍ أخر، أراد محرر الخبر، حكماً، إيصالنا إليه. ألا وهو أنّ هذا المنتحر، سئم حياته لا بداعي تردّي أوضاعه المعيشية أو الاجتماعية، بل لأسباب عشقية بحتة.

فالنص المنشور من قبل القوى الأمنية يشير إلى وجود وشم بإسم “إيمان” على صدره الأيسر، أي من جهة القلب (الرمز الأول للحبّ). وعلى كتفه الأيسر عبارة “عذابي معك”. افتراضا -لا جزماً- أنّ هذا المواطن المنتحر بالقرب من صخرة الروشة في بيروت يعشق امرأة تدعى “إيمان” فسجّل اسمها على قلبه، بطريقة رمزية ليثبت مدى حبّه لها، وقد مرّت هذه العلاقة العاطفيّة بأزمة معقّدة محطّمةً إياها، فاضطرّ، بعد أن ضاق به حاله، إلى السير باتجاه الموت: فإمّا أن يكون معها، وإمّا لا يكون أبداً.. وهذا ما حصل فعلاً. لقد انتحر من كان يحبك يا “إيمان”.

الرجل، وكما يدلّ الخبر المنشور في الصحيفة، في الأربعين من العمر، أي في المرحلة الأخيرة الفاصلة بين الشباب والكهولة. وهذا ما يربك النصّ السردي للحكاية، حيث أنّ الأشخاص في هذا العمر، غالباً ما يكونون قد قطعوا مرحلة الحبّ ودخلوا بيوت الزوجيّة. لكنّ هذه القاعدة غير ثابتة بتاتاً، فالحبّ كما تشير التجارب الإنسانية، لا يفرّق بين كبير وصغير..بل قد تكون هذه العلاقة العاطفية قد انهارت بعد الزواج، ولم لا؟
وفي ظلّ غياب، أي دليل ملموس عن سبب انتحار هذا الإنسان، نسمح لأنفسنا أن نفترض أنّه انتحار من أجل الحبّ. ونجيز لخيالنا، من بعدها، أن يخطّ أفكاراً حول دواعي انتهاء قصّة الحبّ هذه.

تخيّل الأحداث:

كان الموعد، كما اتّفقا سابقاً، وكما جرت العادة، مساءً في المطعم المواجه تماماً لصخرة الروشة. وصل هو قبلها، وحجز تلك الطاولة على الجهة اليسرى، لأنّ الحبّ يتمركز على الجهة نفسها، ولأنّ هذه الطاولة تحديداً، جمعتهما سويّا في السنين العشقيّة السابقة. ويضاف إلى ذلك انتماؤه السياسي، فهو يساريّ أباً عن جد. كلّ من في المطعم يعرفه، ويعرفون قصّته، مع الجميلة “إيمان”. حين يطلّ، يبتسمون، ويتغامزون وتسرح أفكارهم في قصّة الحبّ. تلك التي طالت دون أن تصل، حتّى الآن، إلى خاتمتها السعيدة. دخل المطعم متوجّهاً مباشرة إلى “طاولتهما معاً”، وفي يده وردةً حمراء، تاه أريجها وسط الروائح الاصطناعية التي يستخدمها الناس. لكنّها ترمز، كما كانت وكما هي الآن وكما ستظل إلى الأبد، إلى العشق والهوى والوله الذي يعيشه.

كان مشغول الفكر، فهو اعتاد في كل لقاء منذ المرة الأولى، أن يبدأ الحديث بقصيدةٍ غزليّة، يحضرها قبل أن يأتي، كأنها فرض واجب. اليوم تحديداً، كان مشوش الذهن أو لنقل أنه كان محتاراً، بين أكثر من قصيدة، يراها مناسبة لهذا اليوم الممطر. لم ينتبه لوجود أحد، تناسى المكان، وظلّ ينظر في أفكاره وحيرته والباب في الآن معاً. حتى دخلت “إيمان” صاحبة القامة الممشوقة، والعينين الصغيرتين، والسمرة الهادئة. دخلت فدخل في قفص حضورها، أصبح كالأسير المقيد بسلاسل. وقف، وحمل وردته الحمراء، وتلفّت كل العاملين في المطعم إلى هذا المشهد. وكانت إيمان، لا تحمل ورداً، ولا قصائد، بل ابتسامة خافتة، كأنها مصطنعة. عيناها لا تلمعان. العيون كلها كانت مشدودة نحوهما، العارفون وغير العارفين، فللعشاق جاذبية لا تقاوم، تفضحهم دوماً. تقدمت نحوه ببطء على غير عادتها، وبهدوء مثير وبلادة أخذت الوردة وجلست، وتجاهلت الطقس اليومي: القبلة. وهو أيضاً، تغاضى عنها، فربما تكون حبيبته في حالة نفسية سيّئة فقد أحسّ صباحاً بذلك حين هاتفها، وعليه الآن أن يسرّها بقصيدة اختارها لها سريعاً، بعد تردد طويل، فقال لها: ” الآن يا حبيبتي، القصيدة اليومية، إنّها لمن تحبين، إنها لنزار. وكأنه يعبر عما أحسست به البارحة فور انتهاء لقائهما تحت المطر، اسمع عقدة المطر إذن: أخاف أن تمطر الدنيا ولست معي/ فمنذ رحتِ وعندي عقدة المطر/ كان الشتاء يغطيني بمعطفه / فلا أفكر في برد ولا ضجر/ كانت الريح /تعوي خلف نافذتي/ فتهمسين تمسك هاهنا شعري…”

لم تأبه إيمان، لقصيدته، لم تحرك ثغرها مبتسمةً كعادتها، خارج المكان كانت، تضع عازلاً بينها وبينه لأول مرة منذ ذلك اليوم. توقف، ومد يده يتحسس فيها جسد حبيبته، تسحب يدها بسرعة، تهرب من ملامسته، ومن بعدها ترفع رأسها، وقد بان الشحوب على وجهها، وتهمس من خلف شفتيها: “أريد أن أقو..”، ثم توقف الحديث وتصمت من جديد. هاج غضباً واستفزازا “ما بكِ يا حبيبتي، قولي لي، ماذا يزعجك؟” قال لها. كانت شاردة العنين والتفكير، تنظر فقط في الطاولة، وتهرِّب عينيها من مواجهة عينيه.. خوفاً منها. بدأ يستبيح عقله، هنالك أمراً ما يمنعها من الكلام، أمر خطير يحزنها. ومن ثم قالت له سريعاً كمن يدفع الوقت مستعجلاً:

“ما بيننا قد انتهى، إلى متى سنبقى في هذا المطعم؟ أليس من حقي أن أمتلك منزلاً، بدلاً من طاولة؟ إلى متى؟ أوضاعك لن تتحسن. البلد يسير إلى الوراء باستمرار، انخفاض الأجور وارتفاع أسعار، وأنت كما أنت.. وأنا ما عدت أستطيع التحمل أكثر من هذا.. أنا أحبّك، لكن ما الفائدة؟ دعنا ننفصل بسلام.. أرجوك”.

لم تنتظر الرد، لا يعنيها، لقد حسمت الأمر، وحملت نفسها، ومشت مسرعةً باتجاه الشارع، ولم تلفت مرةً واحدةً إلى الوراء. أما هو فلم يفهم ماذا قالت، أعتقد بدايةً أنه لم يفهم، لكنه فهم ماذا تقصد بعد أن عاد من قوة صدمة كلمة “ننفصل” التي قالتها. فكر جيداً وعرف ما قصدته بكلامها السريع المتداعي، لكنها رحلت. فوقف وخرج.
كان حزيناً بالطبع، لكن لا أحد يعرف إلى أين ذهب.. اختار لنفسه عزلة أبدية. جرب الاتصال بها، لم تجب، أقفلت الهاتف في وجهه مراراً، أرسل لها رسالة، يرجوها أن تعدل عن رأيها، ولم تعدل. عرف حينها أن كل شيء قد انتهى.

ظل مستيقظا حتى الصباح يمشي في الشوارع، وكان المطر يرافق وحشته وألمه المرير. في التاسعة صباحاً وإحدى عشرة دقيقة أرسل لها آخر رسالة عبر الهاتف قال فيها:”أنا أحبك يا إيمان، لا تفعلي هذا. أيعقل أن تتركيني بهذه السهولة؟ أعدك بالزواج الآن، عودي أرجوك”. لم يأتِ الرد ولن.

قبل ذلك، كان قد أوقف سيارة أجرة في الواحدة بعد منتصف الليل وطلب من سائقها إيصاله إلى منطقة البسطة حيث تقطن إيمان. هناك وقف كثيراً ينظر في غرفتها المعتمة. فكر كثيراً بالصعود ولكنه خاف. فكر بالصراخ ليعلن حبه للملأ. لكن صوته اختفى فجأة، الحزن والبرد قد أفقداه صوته. “لا معنى لوجودي..بلا حبيبة، بلا صوت. لا فرق على أية حال، كانت صوتي والآن، رحلت، لكن لما؟ لم أفهم، بلى فهمت، لكني لم اقتنع” كان يقترب من باب البناية ومن ثم يتراجع سريعاً. حتى شعر الحاجب بحركات هذا الرجل الغريبة، في ليل بيروت الموحش منذ أعوام. فلقد أصبحت أي حركة تثير الشك. الخوف يتلبس الجميع هنا. حتى هذا المنتحر خاف من تأملات الحاجب، فهرب عائداً إلى منطقة الروشة سيراً على رجليه.

لم يعرف أين يذهب، ظل يمشي، ولا أحد يعرف أين ذهب، سوى صديقه سمير الذي التقاه صدفةً قبالة البحر، رآه وهو في سيارته، حدثه فلم يجب، وكان وجهه أصفر اللون وشاحبا، وعيناه حمراوين. نده ليتوقف، ليسلم عليه، لكنه لم يجب. كأنه لا يسمع، لا يبصر. كان يسير وينظر إلى الأمام فقط. فتركه سمير، وأكمل طريقه باتجاه عمله. كان ذلك في العاشرة إلا خمس دقائق، صباح نهار الجمعة الواقع في 27/3/2008.

وقف العاشق المقهور، أمام صخرة الروشة لمدة خمس دقائق. حكى كثيراً،. قال في نفسه الكثير من الكلام، لكن لم يسمعه أحد، حتى هو نفسه لم يسمع. رأى نفسه وحيداً، ورأى المطر، ورأى الصخرة، ورأى البحر يموج أمامه وفي جميعهم رأى تلك المرأة التي تدعى إيمان.. كل شيء استحال إيمان وهي راحت. الطقس بارد، وقلبه وعقله باردان. فكر في نفسه، وفي إيمان، وكيف سيعيش منذ الآن من دونها؟ “لا يمكنني” قال. ثم استدار ومشى خطوة باتجاه الشارع.

كان الطريق شبه خال، لم تفلح خطته الأولى، مشى باتجاه الجهة اليمنى قبالة الصخرة، وهو ينظر فيها، يفكر بالوصول إليها. فكر بالطائرة، لكنه لا يملكها، ولا يملك أجنحةً. “أفكار طفولية سخيفة” سخر من نفسه. ظل يمشي، حتى رأى انحدارا قوياً يوصله إلى الرمل والحصى القريب من البحر، نظر فيه جيداً، عرف أنها الطريق إلى هناك، نزل منها، وقع مرتين، لم يأبه، لم يجرح، لم يخدش.. فقد الحس والشعور، مشى على الحصى، كأنه يمشي على الإسفلت، لا فرق.

في تلك الساعة، عندما تأتي الساعة، يصير كل شيء هنا، في الوجود عدماً وتتلاشى الأبعاد والصور، تهزل وتضعف ويثبت الزمن عند تلك النقطة.. مشى، مشى بقوةٍ وسرعة، لم يرَ أحداً سوى الصخرة والبحر وإيمان. ظل يمشي، كان يمشي، وهو يمشي الآن. صارت خطوته تتثاقل، يخطو مئة خطوة، كي يتقدم قليلاً إلى الأمام. ثقل جسده كله، ما عاد يشعر، بنصفه السفلي، رأسه كان يتفجر، كان يصرخ.. يتوجع يتألم؟ لا. كان يصرخ ليندفع إلى الأمام، لكنه كان يعود إلى الخلف، كأن هناك شيئا يدفعه إلى الوراء، كلما تقدم خطوة. فكر أن الله يمنعه من الوصل، ولكنه لم يلبث في التفكير في هذه النقطة حتى ارتطم بشيء، خال للوهلة الأولى، أنها الصخرة، شاهد الصخرة عكس حقيقتها ورأى البحر وقد طاف على كل الدنيا، ورأى إيمان على الصخرة وفي البحر وعلى قلبه تنقش روحها وجسدها. فقد سقط مغمياً عليه وغرق.

الحقيقة، أنه مشى في البحر، لا كالسيد المسيح، ذاك مشى على البحر، أما هو فمشى في البحر. لم يمشِ أبداً ومن ثم ارتطم بالجدار الذي يفصل الشارع عن البحر، وغرق في مائه، وتناقلته الأمواج القوية يومها حتى رأته امرأة كانت تمارس رياضة المشي السريع في صباح اليوم التالي وأبلغت رجال الشرطة بالأمر..

مات إذاً من كان يحبك يا إيمان.

كان عليه الآن فقط أن يكمل القصيدة التي بدأها مساء البارحة: ” والآن أجلس والأمطار تجلدني/على ذراعي على وجهي على ظهري/فمن يدافع عني يا مسافرة/مثل اليمامة بين العين و البصر/كيف أمحوك من أوراق ذاكرتي/ وأنت في القلب مثل النقش في الحجر/ أنا احبك يا من تسكنين دمي”..

هو الموت فقط، الذي يضمن للعاشق أن ينسى أساه ووجعه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق