شواهد عطلة صيف تونسية: عرس جنائزي و”حسينية” نحاسية

هل ثمة علاقة أو تشابه ما بين الزواج والموت، بالأحرى الدفن؟ ليس هذا بسؤال نافل ومثقفاتي، ولكنه مشتق من صميم الواقع. عرس باذخ بجوار مقبرة، وطقوس احتفالية فيها الموسيقى النحاسية وفيها قراءة الفاتحة والدعوات والابتهالات، وأكاد أقول الترحمات والصلوات، يُزفُّ على إثرها عريس لعروس. يدلفُ حينها العريس للخلوة بعروسه في غرفة نوم تُشرف نافذتها، بل تُفتح، على مقبرة القرية… كأنه عرس، كأنها جنازة.

عرس جنائزي، أو جنازة عرسية.

كأنه دفن لحياة معروفة في انتظار ما يمكن من حياة غير معروفة.

شخص ما عوض أن يدفن في التراب يدفن في مشقوق عروسه، قبر أنثوي من لحم ودم، وحين يسيل الدم، تقليديا أو تقليدا للتقاليد، تُشعل الشموع وتُضاء الوجوه وتتصاعد الموسيقى وتنتاب الراقصين الشاطحين والراقصات، والنائحين المولولين والنائحات المولولات، هستيريا الجسد المتلوي، الضاج بالحركات وبالعذابات وبالأصوات… حين تستولي الرغبة بالذوات، رغبة في التنكيل بالنفس وبالنفيس والاحتفاء بهما في آن واحد.

كثيرا ما تشبه طقوس الأعراس طقوس الجنازات في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. الذبائح نفسها والمهنئون أو المعزون يتقاطرون في حللهم الطقوسية، يأكلون ويشربون بالشراهة ذاتها، ويلوكون تعابير الفرح والحزن ويتبادلون النميمة والشماتة والبغضاء، ولا حرمة لأعراسهم ولا لجنازاتهم، لا لأفراحهم ولا لأتراحهم، وقلّما تكون لغتهم صادقة ومشاعرهم شاعرة، كلّما طُرح على اللغة أن تكون لغة وللمشاعر أن تكون مشاعر. نحن بصدد قوم لن تقوم لهم قائمة، مادامت حياتهم مرآة لموتهم بلا تمييز، والعكس صحيح بلا تمييز. سواء بسواء، فوق الأرض أو تحتها.

لا رغبة لي في الوصف وفي التوصيف، ولا في أن أنقل وقائع الواقع، ولا في تشخيص الأحداث والأشخاص. حقا، كان عرسا ليس مأتميا ولا جنائزيا، تقريبا، وجرت وقائعه الاحتفالية قرب جبّانة مليئة بالقبور وشواهد القبور، ولن أخيّب ظن أي شاهدة من شواهد القبور في شهادتي التي أباشرها طوع رغبتي وإرادتي.

المسألة أن الأعراس في تونس، وفي غير تونس من البلدان الشبيهة، مدوّْخة من فرط ما تهيّج العقول والمشاعر والغرائز، إلى درجة أنها تشيع في النفس التفكير في الدم والموت، بما يعني التفكير فيما وصلنا، أو ما توصلنا إليه، من جموح حياة عنيفة عفنة لم نعد قادرين على التحكّم فيها. صارت الأعراس عندنا غزوة أو إغارة أو مشروع عمارة بطوابق شاهقة تتفوق على ناطحات السحاب، بلا نطح معرفي ولا طعن وجودي ولا شوق عاطفي. وعمرها لم تفكر في السَّكن والسكينة. هي بالضبط مثل جنائزنا وموتنا المشغول بحساب القبر والعذاب، ولا تفكير له في النفس الراضية المطمئنة التي ترجع إلى ربّها الرحمان الرحيم، ذالك الذي اختصّ بالرحمة والرأفة والمغفرة وحسن العقاب وروعة الثواب. الذي خلق النفس الإنسانية فأحسن خلقها، مهما كان قبحها أو اعوجاجها. حينها، قياسا على ذلك، ستحاسب النفس ربّها، إذا عكسها ربّها، قبل أن يتجرأ ربّها على حسابها.

ما ذنب الموؤودة ؟

ما ذنب بلدان وأمم وشعوب توأد؟

يئدها ربّ سابق أو ربّ راهن من شريعته الرهن ورهينته أفراد وشعوب وأمم.

ما هذه الأديان حين تصبح ديونا في عنق الإنسان؟

خصوصا لإنسان لا رصيد له في أي بنك من بنوك الإيمان والكفران؟

في عرسنا الذي انطلقنا منه كانت العروس محجبة وكان العريس سافرا. كانت العروس محجبة حديثا وجميلة دائما، في غاية الجمال، تقريبا، وكان العروس شابا وسيما مكتمل الهيئة مكتمل العقل، تقريبا، وله ذهن وقاد، تقريبا، وله تفكير صائب، تقريبا، وأرجو أن يكون له حظ طيب مع عروسه ومع الدنيا. أرجو ذلك مطلقا. كان العريس شخصا رائعا متفقها في القانون، وله فيه إجازة جامعية وتجارب، ولا يرغب في تهمة الحجاب بمدلولاتها الاجتماعية والدينية والسياسية، وكان سافرا سفور الطوارق الزرق، ولا يرغب في زوجة متحجبة. شاء الوقت، وشاءت العلاقات الأهلية القروية، أن يكون هو لها وهي له. بارك الله لهما في زواجهما الذي عزفت فيه، من العزف وليس من العزوف، فرقة موسيقية حسينية نحاسية محلية. اختار العريس أن تكون الفرقة نحاسية حسينية، لا فرقة إنشادية سُلامية، أو إسلامية، لمزيد التفصيح. أن يدخل على عروسه إيقاعات ذلك النوع من الموسيقى ذات الرنين العسكري.

الحسينية فرقة موسيقية اشتق اسمها من اسم أول بايات تونس الأتراك، حسين بن علي، وكل سلالة عائلة الحسينيين البايات السنّيين، مسألة لا علاقة لها بالشيعة ولا بالتشيّع، رغم يقيننا أن كل المسلمين شيعة لآل البيت، ليس ذلك على الطريقة المذهبية ولا الإيرانية… بالمعنى المذهبي الإيديولوجي المقيت.

حسينية تونس الراهنة هي حسينية موسيقية، وليست حسينية تعبدية، ولا حوزة علمية فقهية مذهبية، على أي مذهب من المذاهب المعروفة، المغرمة بالذهب، ولا ذهب لها من أرصدة الذهب، رغم أن حسينية أعراسنا تتذكر في إيقاعاتها عسكرا تركيّا انكشاريا لا يرحم، وحين يصطخب نحاسها بالتهليل والتبريكات والصلوات، نسمع من بعيد نشيد جيوش الفاتحين لآخر عصر إسلامي، بما يجعل العريس جنديا فدائيا مقبلا على معركة حياته أو موته، وعليه أن يفتح ما بين فخذي عروسه فتحا بطوليا مبينا، بما يسيل الدم، دم البكارة تحديدا، تشجعه الموسيقى العسكرية وترفع من معنوياته وعزيمته.

والويل كل الويل للجندي المسلم الأخير من الهزيمة في ساحة الوغى. عليه أن يستبسل، إلى آخر رمق في حياته، من أجل فتح ثغر من الثغور. ثغر زوجته الأفقي أو الآخر العمودي السفلي. حتّى وإن كان في النفس شيء من حتّى، في غياب المعارك والحروب تلك التي عدّتها وعتادها خيول وسيوف ورماح ودروع. ماذا يفعل المسلم في حروب جديدة لم تعد ساحتها الأرض ولكن هي السماء، يا للمفارقة، والسماء التي يسكنها الله صارت حليفة للأعداء. كيف نستعيد الماضي ونعدم به هذا الحاضر العدوّ الذي يخوض حروبه بالذكاء والدهاء والعلم والتكنولوجيا، وليس من مهامه الفتح. تنازل عن البكارة ومفاهيم الشرف البالية وأبدع لنفسه منظومة أخلاقية تناسبه وأنساق من الكرامة والشرف سليلة تاريخه.

فرقة موسيقية حسينية ليست مختصّة في الإنشاد الديني مثل السلامية التي يكمن اختصاصها الدفوفي في التسليم على الرسول محمد بصفته سيد الخلق حسب أنغامها المتصاعدة.

حسينية الأعراس.

تلك أمور حربية تتقنّع بموسيقى صارت سلمية مدنية.

متى كانت الموسيقى بريئة حتى وهي تهلل بالدفوف “طلع البدر علينا”؟

وهل في قرع النحاس من سلم وسلام، كلما خاطب في أغوار النفس الإنسانية أشواقها الخالدة وقناعاتها المطلقة وغرائزها الصميمة.

كم في سلمنا من عدم سلام، وكم في مدنيتنا وتمدننا مِن لا معنى المدينة واكتساح للبدن المثقل بغرائزه، ولا عقل فيه يتحكم في الغرائز؟

كلنا شيعة في السواد البهيج وفي جَلد الأجساد وإدمائها وإسالة دمها الأحمر القاني. تذكروا، تذكروا جيّدا، أن أول الصور التي شاهدها العالم للعراق إثر احتلال العراق هي لحجاج الشيعة (انسوا الحجاج ابن يوسف الثقفي أيها المثقفون!)…. حجاج الشيعة الذين كانوا يمشون المسافات الطويلة للوصول إلى مراقدهم المقدسة ولروضاتهم الطاهرة كأطفال وقع التغرير بهم، وهم يسومون أجسادهم سوء العذاب بسلاسل ونوابيت وكرات من حديد يطرقون بها أبدانهم ويخربونها، ويجعلونها تنزف.

ما أذكى صورة الاستعمار العالمي، وما أغبى وأقبح صورة معتقداتنا المنحرفة!

يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدوّ بعدوّه!

لكي نكون منصفين لا بد من قراءة الحسينية بكسر الحاء والسين لا برفعهما، حسب نطق أهل تونس. وتثنية على ذلك نبدي ملاحظة مفادها أن كل ما توصلنا إليه من تخريجات في هذا الصدد هي من المتاح اللغوي الذي يستدعي التفكير، وليست من مصادر أو مصادرات مرجعية، ولنا قابلية لتعديل ما ذهبنا إليه فيما لو وقع تقديم ما يصحح القول، فنحن مع الصحة والأصحاء، لا مع العلّة وبنت العلّة والمعلولين وأبناء المعلولين، فمرحبا بكل تصحيح، حتى في شكل تكذيب وتسفيه.

أما في خصوص العلّة وبنتها، والمعلولين وأبنائهم، سيجمعنا بهم مقام آخر، ليس في الحسينية ولا في السلامية، على كل حال من الأحوال. حينئذ سنعرف كيف نوفيهم قدرهم ومقامهم، لهم أيضا في الحسبان قدر ومقام، في شاهدة أخرى من شواهد عطلة صيف.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق