“صاحب الفخامة الديناصور “: كوميديا الشعوب في وجوه المستبدين


قد تكون تساءلت مرةً قبل اليوم: لماذا تعيش بعض الكتب والروايات أكثر من غيرها، ولماذا تظلّ تحسّ بجدّتها وطرافتها وتستشعر ولعاً خفياً بالعودة إليها وقراءتها، حتى بعد أن يمرّ على كتابتها وصدورها للمرة الأولى عشرات وربما مئات السنين؟ لماذا يظلّ تفاعلك مع أحداثها حارّا،ً وكأنها قد وقعت في بلدك، وتعاطفك مع بطلها ندياً، وكأنك أنت هو. ومع الأمكنة ومسارح الحدث ومواقعه حميمياً، وكأنك قد ولدت هناك … ؟
روايات كثيرة عاشت، وماتت روايات أكثر. فما سرّ بقاء عمل أدبيّ أو موته؟ ما الذي يبقيه داخل أو خارج دائرة النسيان أو الإهمال، رغم تبدل الأمكنة وانقلاب الأزمنة ما بين الكاتب والقراء الافتراضيين من أزمنة مختلفة وأمكنة مغايرة؟

لا شكّ أنّ الأسئلة مشروعة لدخولها في صميم نقد العملية الأدبية خاصةً والإبداعية عامةً. وتكمن الإجابة عادةً وغالباً في ثنايا النصّ المدروس، المقدّم كنموذج خالد باقٍ بعد فناء واضعه، والذي لا بد أن يجمع في داخله جميع أو أغلب مواصفات العمل الناجح – أو المتفق على نجاحه – كالحكاية المثيرة، والمعالجة الذكية والأسلوب الرشيق، واللغة السليمة، والغاية الواضحة، وسائر ذلك مما يتيح للقارئ السير بين تعرجاتها ومنعطفاتها وذرواتها وقيعانها، بكل هدوء وحذر، مع تجنب الوعظ أمراً ونهياً أو استغبائه أو اللعب بعواطفه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
وحتى لو اختلفت الآراء – وكثيراً ما تختلف – حول قيمة عمل ما في عصره، فإنّ الرأي النهائي والفاصل لا بدّ أن يعود لغربال الزمن الذي لا يملك إلا أن يمسك القمح ويطرح الزيوان.. وانظر معي هنا كيف أنّ قروناً من عمر الزمان حفظت ذكر شاعر واحد أو أديب واحد أو كتاب واحد رغم وجود الآلاف من مجايليه.

وبما أن الكتابة عن رواية خالدة، هي الكتابة عن رواية جديدة تطويراً لمفهوم القدم والجدة وخروجاً به عن المألوف الزمني السطحي الذي يخضع لخطيةٍ متهافتة، لا يجب الركون إليها، فسنجعل من محاولة الإجابة مدخلاً للحديث من خلال نص تطبيقي سنلقي به على مائدة البحث، غير واجدين غضاضةً في تناول رواية مر عليها أكثر من ثلاثة عقود زمنية، هي أقل من ثلاثة أيام بالنسبة إلى بذرة الخلود وجوهر الإبداع الكامنين فيها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كون هذه الرواية لم تحصل في الواقع على ما تستحقه من البحث والدراسة من لدن نقاد العربية وباحثيها وإلا لربما كنا أملنا في مساهمة هذه الرواية وأمثالها في منع أو تخفيف أفاعيل الديكتاتورية والاستبداد في بلداننا طيلة العقود الماضية من خلال لعب دورٍ إيجابي في توعية عامة شعوبنا وتحييدها، على الأقل، في عملية مقاومة الطغيان.

رغم أن نخبة ثقافية عربية، من روائيين وقصاصين وممثلين ورسامين عرب، قد سلكوا هذه الطريق الوعرة، فعبّر كلٌ بأدواته وأسلوبه عن موقفه من هذه الظاهرة المقيتة ” الديكتاتورية ” في العالم العربي، حتى لقد واجه البعض منهم عاقبة إبداعه فأخضع للتعذيب أو النفي أو أودع السجن أو القبر، ولا ننس هنا أعمال سعد الله ونوس المسرحية، وزكريا تامر القصصية، ومحمد الماغوط الشعرية، ونتاجات عبد الرحمن الكواكبي وثروت أباظة وإمام عبد الفتاح إمام وسواهم.. ولا ننس هنا العمل المسرحي المصري البديع ” الزعيم ” المقتبس من مسرحية ” مدرسة الديكتاتور ” للألماني ” ايريش كستنر ” وسوى ذلك كثير مما قدمه مطربو الالتزام ورسامو الكاريكاتور والصحفيون الأحرار والمناضلون السياسيون في كتبهم ومقالاتهم ومذكراتهم.

بالعودة إلى الرواية موضع الدراسة ” صاحب الفخامة الديناصور ” للروائي البرتغالي المبدع ” خوزيه كاردوسوبيريس ” كتبها عام 1971 أي منذ حوالي 37 عاماً وتحدث فيها، مستخدماً تقنية التهكم اللاذع، عن ديكتاتور هو ” أنتونيو دي أوليفيرا سالازار ” الذي حكم البرتغال لمدة 36 عاماً و35 يوماً، وكان نموذجاً للحاكم المستبد الذي يختزل الدولة في شخصه أو يحاول اختزالها من خلال الدعوة إلى / أو على الأقل السكوت على تعظيم شخصه بشكل مبالغ فيه، الأمر الذي أدّى بالتدريج إلى بناء دولة من الوهم تفشّى فيها الفساد والنفاق والانتهازية السياسية، وشاع فيها مرض ” عبادة الفرد ” لدى جميع أبناء الشعب على مختلف طبقاتهم.

في صفحتها الأولى، تبدأ الرواية على شكل حكاية من حكايات العجائز، وهو أسلوب أثبت نجاحه لسبب بسيط هو أنه يوحي بأنك أمام حكاية، مجرد حكاية لن تتطلب منك أكثر من الاسترخاء والاستماع والاستمتاع:
( قال راوي الحكايات لابنته ريتا: في هذه الأيام يمكن للمرء أن يحرم من كل شيء، حتى من الموت. ينتزع منه الموت بنفس السهولة التي تنتزع منه الحياة، المحيا أو الكلمة، طبقاً لأمور تمتلك أعلى قيمة. ).
ثم يتجول كاردو سوبيريس بقارئه على جناحي لغةٍ شعريةٍ عذبة ومكثفة في ربوع ” بلاد الدكاترة ” التي نجح في الوصول إلى حكمها، في غفلة من الزمن، رجل ولد في كوخ لأبوين معدمين ( في منطقة ما تخلى عنها الله ) بحسب تعبيره، بادئاً بطفولته الصعبة / النبوية في الوقت نفسه وكيف أنه في البداية كان يسمى ” فرانشيسكو ” وربما ” أدولفو هيرتو ” أو ” بينيتو مارسولينو ” ملمحاً، من طرف خفي، وبواسطة عبث لغوي ظريف، إلى فرانكو وهتلر وموسوليني على التوالي كنماذج لثلاثة من أشهر الطغاة، تشابهت في الولادات الإعجازية والحيوات الصاخبة وكذلك في النهايات الدراماتيكية.

تخلو الرواية من التفاصيل السردية الصغيرة التي توضح عادةً تصاعد الأحداث وتفاعل الشخصيات حذراً من فقدان الخيط الناظم فيما بينها، بل على العكس من ذلك ثمّة فجوات حكائية كثيرة على القارئ أن يملأها بين الفينة والأخرى لئلا يضيع داخل النص، فسيرة البطل ( الديناصور ) تتطوّر من طفل يختلف أهله على المهنة التي يجب أن يتخذها في المستقبل، إلى هاربٍ مع والديه إلى حيث لا يعلم، وفجأةً بعد ذلك إلى شاب ريفي صغير مقبل على الدرس بجدّ، لينتهي به الأمر في نهاية الفصل الأول المعنون ( الرجل الذي جاء من العدم ) على الشكل التالي، وبجملة قدرية تعقب قرار قس: ( كل المظاهر تدل على أن الأمر يتعلق هنا بعبقري من الطراز الأول. ولذلك نصّب حاكماً. ) ص28

شاءت عناية الحاكم الديناصور بعد ذلك أن يتابع رسالته النبوية في تشكيل الأمة بالشكل الذي يراه مناسباً لها، تحت شعار ديماغوجي زائف ومضلل ” المعرفة هي سلطة الحاكم ” ص48، فعمل على تنقية اللغة من الشوائب والكلمات العامية المبتذلة، وأحيى بدلاً عنها مفردات مغرقة في القدم كانت قد ماتت أو نسيت فارضاً على الشعب – كما فعل في عشرينات القرن الفائت كمال أتاتورك على أرض الواقع التركي- أبجدية جديدة تتناسب مع التغييرات التي أحدثها.
( باختصار لأن المملكة كانت فقيرة الآن، أراد الحاكم إغناءها بالكلمات ذات المنبت الأصيل وخلق لغة عامة.) ص39

يحلل كاردوسوبيريس الأحوال السياسية في بلد ما، ناقلاً ببصيرته النفاذة بعض النقاط التي تشترك فيها عشرات البلدان الخاضعة لأنظمة شمولية، ومن ذلك ظاهرة عبادة الفرد وتأليه الحاكم الذي يسمي كل شيء في المملكة تقريباً باسمه الشخصي، فهناك ( شارع الديناصور المشجر / كازينو الديناصور / مصرف الديناصور / عملات الديناصور الذهبية / مطار الحاكم / أكاديمية الديناصور / نادي الديناصور لكرة القدم / قصر الديناصور / سمك شمال الأطلسي على طريقة المعلم / بريد مملكة الديناصور الأول / طوابع تذكارية لوالد الوطن / النشيد الوطني للحاكم – ملزم للجميع – / ” لا شيء يصير بدون الديناصور – مثل شعبي – ) ص12، وظاهرة أبناء الفلاحين الذين تحوّلوا إلى أغنياء وظلّوا رغم ذلك يحملون في داخلهم سماتهم الفلاحية، من خلال تحبيذهم لكل الفعاليات الوظيفية التي تتطلب الجلوس، أي في ذلك النوع من المكاتب البيروقراطية التي ( تتدحرج فيه الحياة طبقاً لقانون الطبيعة، حيث ينهمر مطر الضرائب دورياً. ) ص 50. بل إنه يوجه في واحدة من نزواته الخرافية خطبه السياسية إلى الكواكب الأخرى بحثاً عن أتباع محتملين هناك أيضاً: ( انتباه، أيتها العوالم! طاب يومك، أيتها الكواكب. ) ص69

فالمعلم الأوحد قد أصابه اليأس والإحباط أخيراً ممن حوله من القواقع الدنيا والدا-ليين وحملة البكالوريوس، ورأى نفسه وهو يلقي فيهم خطبه العصماء المترعة بالحكمة كمن يلقي باللآلئ تحت أقدام حفنة من الأميين الذين لا يصلحون لشيء ولا يقدرونها حقّ قدرها فقرر أن يتوجه إلى سكان الكواكب الأخرى.
وللديكتاتور بالطبع صورة واحدة – بغض النظر عن آلاف النسخ الموزعة في كل مكان – هي التي يجب أن تنطبع في أذهان العامة، والتي يبدو فيها كنصف إله لا يظهر عليه أي أثر بشري يشي بالضعف، كحال باقي المواطنين:

( اتفق المستشارون ذات يوم، سواء بسبب الخوف أو الطاعة، بأنه لا يجوز لصورة الحاكم في المستقبل أن تخرج على الصورة الفوتوغرافية الرسمية التي كانت تتطابق مع التمثال ) ص 79
هؤلاء المواطنون الذين سيكونون وحدهم من يدفع ثمن أية تغييرات جذرية تحدث في مجتمعهم أو في المجتمعات المجاورة ( عندما تشنّ في الممالك الأخرى الحروب أو تعلن أسعار جديدة، تهب ريح قارسة، حيث تدفع القواقع الدنيا وحدها الثمن ) ص33
والقواقع الدنيا التي يقصدها المؤلف بالطبع هي طبقة قاع المجتمع ( السوقة في الخطاب السلطاني، والرعية في الخطاب الإسلامي التقليدي، والبروليتاريا وحثالتها بالتعبير الماركسي ).
هذه القواقع التي ينص القانون الديكتاتوري بشأنها ( إن كل قوقعة دنيا، بغض النظر عن جنسها وقناعاتها، يمكن أن تصعد إلى طبقة الأغنياء، إذا ما لعبت اليانصيب. ) ص36
وإذاً، فلا أمل في بلد محكوم بالاستبداد، وفي ظل غياب جميع الأسس والمعايير الموضوعية، أن يرتقي المرء خارج طبقته سوى عبر بطاقة يانصيب رابحة الأمر الذي يمسخ الإنسان، من حيث هو إرادة فاعلة داخل مجتمع حيّ، إلى كائن مسيّر لا حول له ولا قوة أمام قوى الحظ والنصيب والمصادفة العمياء.

دكتاتور كاردو سوبيريس متطرف في استبداده وأوهامه السلطانية إلى الدرجة التي يحاول فيها اجتراح ” لغة نقية ” لا يفهمها سوى أتباعه. ولكن هذا الديكتاتور المتقوقع حول ذاته، المتشرنق حول عظمته الزائفة لا تخلو فترة حكمه الأبدي من مطبّات ومشاكل سرعان ما يجد لها حلولاً لفظية بلاغية، يبلغه ( القائد العام الأعلى ) بنبأ هزيمة جيشه في المعركة ضد ( جيش الكفار )، فيردّ الديكتاتور بهدوء نفسي كامل أن المعارك تكون عادةً بين الجيوش المسجلة نظامياً، أي تلك التي تمتلك شهادات تخرج ونشيداً وطنياً وزياً موحداً، وبما أن جيش الكفار لا ينطبق عليه هذا الوصف إذ ما من معركة وقعت ولا هزيمةٍ كانت …!!
وحين يدخل عليه وزير المالية ويستعرض أمامه شؤون الضرائب والجبايات، يفتي الحاكم بتلطيف مسمى ” الضرائب ” إلى ” هدايا “، وحينئذٍ لن يتخلف عن الدفع سوى الأشرار وأعداء الوطن ومثل هؤلاء يجب أن تقص أجنحتهم.

( ولأنه لم يكن يوجد في المملكة سوى ” معلم ” واحد، يقدر على كل شيء، فقد حاول كل واحد من “الدا-ليين ” أن يجعل الآخرين يعتقدون، أنه الأهم بعد الحاكم، ومن هنا جاء الشعار المشهور: ” يا صاحب الفخامة، أنتم لا تعرفون مع من تتحدثون؟ ” ) ص49
إنه التخريب المنظم داخل مجتمع الاستبداد، النفاق الممزوج بالتهديد والتهديد المضادّ. أليست المجتمعات العربية على وجه الخصوص تغصّ بمثل هذه المظاهر؟ أليس كل من تجمعه بالحاكم صلة نسب ولو من الدرجة العاشرة تراه يضرب بسيف ذلك الحاكم، ويمشي في الأرض مرحاً كأنه سيخرق الأرض أو سيبلغ الجبال طولاً.

وفي مجتمعات كهذه يكون ( بعيد النظر هو من يمتلك خصلة التظاهر بالعمى ) ص60، وهو درس لا يبدو برتغالياً محضاً لأن الشعوب المحكومة بالاستبداد قاطبةً قد استوعبته بحكم تجاربها المتشابهة حين لمست النتائج الوخيمة للمشاهدة والاستماع والمبادرة والاختلاف في مجتمع يقدر أعظم تقدير التقليد والطاعة والعماء.
نهاية الديناصور: يقرر كاردوسوبيريس أن ينهي حياة بطله باستخدام واحد من أعتى أسلحته بالذات وهو سلاح الكلمات، فعلى حين غرة تخرج كلمة ” تربية ” من كمبيوتر المنشأة – الذي كان قد أمر بإنشائه في سياق انقلابه اللغوي – وتأخذ بالالتفاف حوله كأفعى جبارة وتعتصر ساقيه حتى لا يعود بإمكانه الإفلات منها أبداً.
( لم يكن في مقدوره ببساطة أن يعتقد أن كلمة مشغولة ومموسقة بكل عناية مثل ” تربية ” يمكن أن تتحول إلى خوف ) ص91

ولكن الدكتور الديناصور رغم انهياره وانقطاع أنفاسه يأبى رغم ذلك أن يموت، إنه يتشبث بالحياة ويعود إليها بفضل مهارة الجراحين وحرارة الأدعية ( وأخيراً أسلموا جميعاً أنفسهم للدعاء القوي ” ليتمجد الرب ” شاكرين الله الذي حفظ لهم دكتورهم الديناصور، ضوء الوطن ووكيل بناء القرن – طبقاً للدا-ليين، عمود النظام – طبقاً لرؤساء مختلف الطوائف-، الأب ومثال العائلة – طبقاً للأمهات الشكورات -، آمين – طبقاً للقسس -. ) ص 100
ويقع الجميع ( الدكاترة و الدا-ليين و القواقع الدنيا والمستشارون … ) في حيص بيص لأنهم في تلك الأثناء كانوا قد نصبوا حاكماً جديداً. وعلى أية حال لم يكن أمامهم سوى التصرف على أساس ” عدم موت الديناصور “، ولذلك عاد المستشارون إلى اجتماعاتهم كما في السابق، والقواقع الدنيا إلى خوفها ورهبتها من صورة الديناصور الخالدة كما لو أنه بالفعل ما يزال حياً وما يزال حاكماً.

( لسوء الحظ كان المستشارون مثقلين بالعمل، حتى إذا لم يكن ذلك يبدو كذلك منذ الوهلة الأولى. فنظراً لأنه كان ينبغي عليهم أن يلتقوا غالباً حتى يقدموا الحساب لبعضهم الآخر عن المهمات التي أوكلها المعلم إليهم، فقد استهلكوا زجاجات نظاراتهم وبطارياتهم وبقية فانتازياهم، المساكين! وكان أحدهم وهو ممن عهد إليه أن يستجلب مالاً جديداً من السوق، قد رأى نفسه مرغماً على التعامل مع مزوّري النقود، الذين كانوا يعيشون في مكان ما في الحجرات فوق السطوح، حتى يحصل على كمية من النقود الورقية والمعدنية التي تطابق تصورات الدكتور الديناصور. وكاد آخر يحترق تحت جهاز الأشعة الشمسية، لأنه أراد أن يقدم الدليل، على أنه قد اشترك طواعيةً في رحلة استكشاف استوائية على الرغم من الشمس القاتلة التي تشرق في هذه المناطق. )ص 111
أما نهايته الحقيقية – موته الفيزيائي بشكل نهائي وأكيد– فيتم تقديمه على الصورة التواترية التالية:
( يروي التاريخ أن الديناصور الأول في الساعة كذا، حسب التقويم المحلي لإقليم الدا-ليين احتضر وقضي عليه بإصابة في الدماغ. )ص113

ولكن دون أن يعني ذلك بالتأكيد موته في الذاكرة. فالشيء الوحيد الذي يكتسبه المستبدّون عادةً، ويظلون محافظين عليه رغم الموت، هو دخولهم التاريخ من باب الذاكرة الشعبية التي لن تنسى بسهولة ما فعل بها:
( ذي القناع، كما كانت القواقع الدنيا تسميه، مشيرةً إلى تماثيل لا عد لها في المتنزهات والشوارع المشجرة، حيث

كان الدكتور الديناصور يلقي من عل نظرة جليدية على العالم. كانت الأجيال تأتي وتروح – ودائماً كان الآباء والأمهات يذكرون أطفالهم بالتماثيل التي كانت تحرس المملكة. ” هذا هو ذو القناع ” كانوا يهمسون بذلك لذريتهم التي كانت توصلها هي الأخرى بدورها لذريتها التي كانت تقوم مرة أخرى بإيصالها إلى الذرية التالية وهكذا دواليك … ) ص117
مستمراً في لعب دور الأب الراوي ينهي كاردوسوبيريس روايته، التي أوهمنا في بداية الرواية أنها حكاية ما قبل النوم يرويها لابنته ” ريتا “، قائلاً:
” لنقف عند هذا الحد، يا ريتا، وإلا أصبحت الحكاية أطول مما ينبغي ومكررة. اطوي الكتاب، ضعيه بعيداً، واقذفي بالأشباح إلى الشيطان. لقد تحدثنا بما يكفي عن الأموات والعجائز والغوامض، في حين أنه لا يزال أمامنا الكثير من الحياة في آخر الأمر. أليس كذلك؟ ” ص117
إنها خاتمة تفاؤلية ربما لم تأتِ متسقة مع كمية البؤس والتشاؤم الموجودة في الداخل. ولكنها جاءت كنتيجة طبيعية لحس الفكاهة العالي الذي يحمله المؤلف، حتى في معالجة موضوعٍ هو أبعد ما يكون عن الأمل والتفاؤل. ولكن في النهاية، ماذا تملك الشعوب المستعبدة تحت نير الديكتاتورية سوى الأمل، الأمل في حياة واعدة والثقة بغدٍ خالٍ من النماريد والفراعنة ومن شاكلهم من الأفذاذ والمتألهين.


( صاحب الفخامة الديناصور ) رواية شعرية بامتياز لا يخفف من وطء أحداثها على نفس القارئ – العربي خاصةً – سوى تلك السخرية السوداء التي تأخذ بثأره من طغاته، وتلك اللغة الشعرية الرقيقة التي سكب فيها المؤلف حكايته. تمت ترجمة الرواية إلى معظم لغات العالم الحية، ونقلها إلى العربية ببراعة منقطعة النظير مترجم بارع هو الشاعر والروائي العراقي فاضل العزاوي.
صادرة عن دار المدى للثقافة والنشر
– الطبعة الأولى 1994

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق