صادق العظم… الأيديولوجيا والأيديولوجيا المضادة…

من أكثر المفكّرين الذين أثّروا في تكويني الفلسفيّ، وربّما تكوين جيل كامل من المثقفين والأساتذة والطلاب العرب، وغير العرب، كان المفكّر والفيلسوف صادق جلال العظم الذي اعتدنا على غيابه ليطلّ فيما بعد بالجديد الفكريّ والفلسفيّ المتماسك، والنقديّ والمبتكر، وإن كان ابتكاره بالدرجة الأولى، قام على إعادة تركيب للأفكار الفلسفية العالمية، القديمة والمعاصرة بطريقة نقدية مبدعة لا يستطيعها سوى فيلسوف لديه عقل نقديّ عميق وثقافة موسوعية وكوسموبوليتانية تصل “للعظم” كما عند العظم.

نجهل ما حلّ بالعظم في غيبته الأخيرة، وإن كنا نتقصّى بعض أخباره، ولكنّ يولسيس العقل هذا، عاد هذه المرّة من إبحاره منهكاً، فقد ضلّ طريقه في آخر العمر، أو ربّما غيّره، مثلما فعل هايدغر قبل رحلته الأخيرة عندما قال إنّ “إلاها فقط يمكنه أن يخلّصنا”1 ولكنه لم يخلّصنا.

ولكنّ هايدغر، على عكس العظم، بقي منسجماً مع لاهوتيته الفلسفية، على الأقلّ حسب تحليل العظم في كتابه الكبير “دفاعاً عن المادية والتاريخ”، مع أنّ هايدغر يُصَنّف كلاسيكياً في تاريخ الفلسفة ضمن الملاحدة الوجوديين. والسؤال هنا هل بقي العظم منسجماً مع نفسه ومع تحليلاته الفلسفية لفلاسفة ما بعد الحداثة، من أمثال ميشيل فوكو وجاك دريدا وبول فايرباند، وغيرهم ممّن اعتبرهم المتابعين للخطّ النيتشويّ العدميّ، والممثّلين للآنتي ـ علم، والآنتي ـ عقلانية وآنتي ـ حداثة؟ هل بقي منسجماً مع نفسه في مقاله المنشور على صفحات الأوان بعنوان “[إدوارد سعيد سياسياً في كتابه الإستشراق->http://www.alawan.org/%D8%A5%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%B1%D8%AF-%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF,5645.html?var_mode=calcul]”؟

أوّلا..اذا تجاوزنا القسم الأوّل من المقال والذي يبرز فيه العظم الجانب السياسيّ من كتاب سعيد الإستشراق، ويكشف “كم كان هذا الكتاب سياسياً في العمق وكم كان فلسطينياً في حقيقته.” نرى أنّ باقي المقال هو دفاع” عن كتاب الاستشراق ومقولاته، أي ضدّ الإستشراق، وهو عودة عن النقد الذي قدّمه العظم في مقاله الطويل “الاستشراق والاستشراق معكوساً”، ولكنها عودة تفارقية أو عودة تنطوي على مفارقة وتناقض غير مسبوق عند العظم، فالانتقال من النقد الجذريّ لتيّار مابعد الحداثة باستخدام أدوات حداثية، وبالضبط الطريقة الماركسية الحداثية والعقلانية لرؤية الأشياء والأحداث والأفعال، إلى الاستشهاد والتبنّي والاستخدام للطريقة التفكيكية المابعد حداثية للدفاع عن اللغة العربية، حتى ولو كان ذلك بنيّة إبراز الاستشراق بالمعنى “الأسوأ الذي يسبغه سعيد على هذا المصطلح”، إلا أنه من المعروف بأنّ الطريق إلى جهنّم كان معبّدا دائماً بالنوايا الحسنة .

في معرض ردّه على إدوارد سعيد، يدافع العظم عن رؤية المستشرقيْن “جيب” و”ماكدونالد” التي تسم العقل الإسلاميّ بالغيبيّ والدينيّ و”العرفانيّ” بالكلام التالي: ” أوليس صحيحاً- على وجه العموم ـ أنّ الغيب هو بالفعل أكثر حضوراً وقرباً بكثير بالنسبة لسكان دمشق والقاهرة مما هو بالنسبة لسكان باريس ولندن في الوقت الحاضر؟ أوليس صحيحاً أنّ الدين يعني كلّ شيء بالنسبة للفلاح المراكشي والجزائري والإيراني، بطريقة لا يمكن أن يعنيها بالنسبة للمزارع الأمريكي المعاصر أو لعضو الكولوخوز السوفياتي في يومنا هذا؟ أوليس صحيحاً أنّ فكرة النظام الطبيعيّ العامّ الذي يجري وفقاً لقوانين ثابتة، هي أكثر رسوخاً بكثير في عقول طلبة جامعتي موسكو ونيويورك مما هي في عقول طلبة جامعتي الأزهر وطهران ( أو أيّة جامعة عربية أو اسلامية أخرى نختارها )؟ 2.

والآن سنستخدم أسلوب العظم المدافع المتأخّر عن اللغة العربية لنقول له: أوليس صحيحاً – على وجه العموم- ما قاله “جوناثان رابان” في كتابه “بلاد العرب في المرآة” بأنه ” أن تحيى في اللغة العربية يعني أن تحيى في متاهةٍ من الالتواءات الزائفة والمعاني المزدوجة. فما من جملة تعني بالضبط ما تقوله. وكلّ كلمة يمكن أن تكون طِلَْسماً يستحضرُ شبحَ عائلةِ الكلمات المتحدّرة منها بأكملها… والعربية تجعل الإنكليزية تبدو ساذجةٍ، والفرنسية مجرّد رطانة يرطن بها خبراء المحاسبة وأسعار السوق. ويكفي أن تحدّق عبر شقٍّ في حائط هذه اللغة لكي ترى عمق وقتامة غابة الالتباس تلك. فلا عجب إذاً أنّ القرآن قد ذاع صيته على أنه لا يترجم.” أوليس صحيحاً ما قاله داريوش شاغان وعلى لسان جاك بيرك من أنّ “اللسان العربيّ، الذي تفضي فيه كلّ كلمة من كلماته إلى الله، قد صُمِّمَ لحجب الواقع، وليس لفهمه”، أوليس صحيحاً أنّ مرجع اللغة العربية الأساسيّ هو القرآن الكريم، هذا الكتاب”المُبين” الذي أقامه العقل البيانيّ المبنيّ بدوره على “الحسيّة واللاتاريخية” كما في تحليل الجابري للعقل العربي المكوَن.

ثانياً.. يورد العظم عدّة اعتبارات “دفاعا عن اللغة العربية”، نلخّصها على الشكل التالي: 1- وجهة نظر روسو حول اللغة المجازية والتي هي الأصل بين اللغات، أو هي اللغة التي ولدت أولاً، وهذا بالتالي ما ينطبق على العربية .

2- فكرة “إرجاء المعنى” التي طرحها جاك ديريدا وقولته الشهيرة بأن “لاشيء خارج النص” وأخيراً الفكرة التفكيكية حول “نهاية المعنى” وهذا أيضاً ما يناسب العربية .

3- تناسب اللغة العربية مع فكرة “الالتباس” أو المعنى الملتبس التي يطرحها المنظّر الأدبيّ وليم تومبسون، ومع كافّة الأفكار الأدبية المابعد حداثية مثل “التباس الالتباس” و”معنى المعنى”.

وبالتالي، فإنّ العظم يرفع رهاناته إلى مستوى أعلى عندما يطلب منّا أن ” نتخيّل التحرّر الذي يمكن للغة العربية أن توفّره ممّا دعاه ستيورات تشيس ذات مرّة بـ “طغيان (أو استبداد) الكلمات” مع أننا نتخيّل وعلى عكس ما أراد العظم أنّ العقل العربي هو عقل “يسلْطن” بالكلمات وسجع الكلمات، وهو من أكثر العقول خضوعاً لسلطة الكلمات واستبداد الكلمات، خاصّة الجوفاء منها مثل الشعارات السياسية والخطب الدينية، هذا طبعاً إذا كان العظم يقرّ بأنّ العقل يفكّر باللغة ومن خلالها .

الآن لا بدّ من طرح سؤال آخر: ما الذي يريده العظم من خلف دفاعه عن اللغة العربية؟

يبرز المقال بشكل واضح لا “لبس” فيه أنّ اللغة العربية مناسبة تماماً للعقل المابعد حداثي ومقولاته وأطروحاته، فإذا كانت اللغة هي لسان العقل، أو أنّها الطريق الأهمّ لتعبير العقل عن مكنوناته حتى وإن كانت هذه الأخيرة لاعقلانية، بالمعنى الحداثيّ لكلمة عقلانية، فإنّ العقل الأوروبيّ والغربيّ عموماً ممثّلاً بتيّاراته المابعد حداثية أعاد أو حوّل اللغة، ومن خلفها الفنّ والأدب والسياسة والاقتصاد وحتى المجتمع، من لغة “تالية” لغة “المعنى الحرفيّ الصحيح”، إلى لغة أولى أو اللغة المجازية الملتبسة، ومن هنا نرى التحوّلات الاجتماعية والسياسية الغربية نحو الدين واللاهوت ومستتبعاتها اللاعقلانية.

وبالعودة إلى سؤالنا نلاحظ أنّ “اليد الخفية” لقلم العظم أبرزت ما لم يبرزه المقال بشكل واضح؛ وهو أن العدمية المابعد حداثوية تعيش في بيتها إذا ما عاشت في العالم العربي ومن خلفه الإسلامي، ومن هنا نرى هذا التهافت الغريب والقفزة الحالمة للنخب العربية نحو فكر ما بعد الحداثة ممثلاً بأعلامه من نيتشه إلى ديريدا، وتَمثّله لا كفكر محض، وهو الحامل لأفكار مبتكرة وهامّة، بل كأيديولوجيا، وبالمعنى السيء لكلمة ايديولوجيا.

إنّ الإستنتاج الذي يوصلنا إليه العظم حول اللغة العربية يسمح لنا بالقول إنّ العرب هم الأقدر على التعبير عن حالهم على الطريقة المابعد حداثية، بكلّ صفاتها اللاعقلانية، وتلاوينها الإيبستيمولوجية المعقّدة أو “الآنتي ـ ديكارتية”، واللغة العربية هي اللغة المثالية للقيام بمهمّة كهذه، فكما هو معروف أن الحقل الأكثر تطوّراً من بين حقول المعرفة في العالم العربي هو الشعر والبلاغة وما يصاحبها من سلطنة العقل العربي بالخطاب المسجوع الذي يقوم بمهمة ايبستمولوجية على حدّ تعبير الجابري “هي تعويض الفراغ وإخفاء التناقض على صعيد المعنى”3.

إنّ دفاع العظم عن المادية والتاريخ هو دفاع عن ايديولوجيا تقرأ الواقع والتاريخ، وإن كانت هذه القراءة صحيحة فلأنّها تصيب جزءاً من الحقيقة ولا تشملها، لكنّ العظم انتقل من الأيديولوجيا إلى الأيديولوجيا المضادّة عندما وقّر اللغة العربية بالاعتماد على ايديولوجيا مابعد الحداثة، كما أنّ الجمع بين هوايتهد وبرغسون ولوكاش، الأوّل برفضه فكرة الجوهر الأرسطية، والثاني برفضه الشيئية لصالح الدفعة الحيوية، والثالث برفضه التشييئ لصالح الصيرورة، هو جمع يثير التساؤل عند فيلسوف كالعظم، خاصة بعد الفوارق الجوهرية والجذرية في مقاصد وفلسفات كلّ من هؤلاء، وهذا ما يشرحه العظم في كتابه دفاعاً عن المادية والتاريخ، وأما في المقال فيبدو جمعهم في سلّة واحدة كمن يجمع بين الأكثر مثالية والأشدّ مادية (وهذه تصنيفات العظم نفسه)، للتدليل على فكرة هي بالأصل بعيدة عن الباراديمات التي تفلسفوا من خلالها.

إنّ من يقرأ مقال العظم بشكل تفصيليّ يلاحظ بأنّ العظم قسمه إلى ثلاث نقاط ..في النقطة الأولى أبرز العظم الجانب السياسيّ في كتاب سعيد الاستشراق، ولكنه بقي ضمن حدود نقده السابق له..وفي النقطة الثانية تراجع العظم عن نقده ليتحدّث بلغة سعيد نفسها ويتبنّى موقفه من الاستشراق..وفي النقطة الثالثة سرد علينا تجربته في مؤتمر الهند ليقول لنا إنّه أصبح في منزلة بين المنزلتين؛ فلا هو استشراقيّ ولا هو استغرابيّ، بل هو في مكان ما بينهما على القارئ أن يستنتج أين هو .

أخيراً…إنّ الفيلسوف يستطيع تبرير كلّ شيء، حتى الجريمة، (وإن كان كانط سيعترض على هذا الكلام) بقوّة المنطق والبرهان واللعب بالكلمات. فمعروف في تاريخ الفلسفة أنّ السوفسطائيين كانوا يثبتون القضية ونقيضها بنفس الوقت وبنفس قوة الخطاب، ولكنّ السؤال هل هذا ما أراده العظم، فإذا كانت اللغة العربية هي لغة مجازية، وأولى، وتنتج المعاني الملتبسة، وبالتالي فهي الأنسب لخطاب مابعد الحداثة، فهل هذا يعني أن ندافع عن استقرارها القّار في عمق أصالتها ضدّ خطاب الاستشراق اللُغويّ، وعلى طريقة الاستشراق معكوساً.

{{الهوامش:}}

{{
1- صادق جلال العظم: دفاعاً عن المادية والتاريخ، دار الفكر الجديد، 1990 ، ص197

2- العظم: ذهنية التحريم، دار المدى، ط1 ،1997 ،ص26

3- الجابري: بنية العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، ص338}}

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق