صباح التي على فرحٍ دائم / محمود الزيباوي

أعطت النجمة صباح موافقة كاملة على تقديم تفاصيل حياتها في مسلسل تلفزيوني. في حال إنجازه، سيكون أول مسلسل يتناول ‏السيرة الذاتية لأحد الفنانين وهو على قيد الحياة، على خلاف الأعمال المصورة التي تناولت السير ‏الذاتية في السنوات الماضية.‏ هنا محاولة لاستكشاف بدايات صباح الفنية، بعيدا من التفاصيل الشخصية التي تحجب دائماً سيرة صباح الفنية. 

جاء في خبر صحافي يعود إلى الثالث من أيار عام 1944: "وصلت إلى القاهرة في الأسبوع الماضي المطربة الحسناء اللبنانية المشهورة باسم شحرورة الوادي. وجاء وصول المطربة الشحرورة بعدما تم الاتفاق بينها وبين السيدة آسيا (داغر) النجمة السينمائية المشهورة وصاحبة شركة أفلام آسيا، للقيام بالتمثيل والغناء في ثلاثة أفلام غنائية يُتوقّع لها نجاح كبير مسبقاً. والمعروف أن المطربة اللبنانية الحسناء اشتهرت في بلادها وفي سوريا بإلقائها الأغاني العاطفية الخفيفة التي لاقت رواجا لدى الكثير من الأهالي. وأصبح لها بفضل ذلك الكثير من المعجبين والمعجبات. وكان في استقبال المطربة الشحرورة النجمة آسيا والمخرج السينمائي بركات، وكان برفقتها والدها". نُشِر هذا الخبر مصحوباً بصورة جماعية قد تكون أول صورة في الصحافة المصرية للشحرورة، وفيها تظهر وهي تمضي قدماً مع والدها برفقة هنري بركات وآسيا والممثلة منى، إبنة المنتجة، وشريكتها في فيلمها الأول.

هي جانيت فغالي. الشائع أنها وُلدت في بلدة بدادون قرب وادي شحرور عام 1927، عمّها الشاعر الزجلي أسعد الخوري فغالي الشهير باسم "شحرور الوادي". بدأت الغناء في صباها واشتهرت في محيطها حتى استأثرت بانتباه آسيا داغر، الممثلة اللبنانية التي أنتجت في القاهرة سابع فيلم في تاريخ السينما المصرية وأنشأت خامس شركة إنتاج تحت اسم "شركة لوتس فيلم لإنتاج وتوزيع الأفلام". دخلت الشحرورة عالم الفن من الباب الواسع في القاهرة، وأمّنت لها آسيا داغر كل الإمكانات لإطلاقها، فتعاقدت مع أفضل الملحنين والمؤلفين ليكتبوا ويلحنوا لها، وقدّمتها الى الصحافيين في منزلها، ويُقال إن الشاعر صالح جودت هو من أطلق عليها إسمها الفني. بدأت صباح مشوارها السينمائي في فيلم مستوحى من قصة سندريلا، عنوانه "القلب له واحد"، وشاركها البطولة فيه النجم أنور وجدي. خرج الفيلم إلى النور في مطلع عام 1945، وهو لا يزال حياً في الذاكرة، ويُعرض على الشاشة التلفزيونية باستمرار. غنّت فيه صباح من ألحان القصبجي طقطوقتين من كلمات مأمون الشناوي ("لا مخاصماك"، "يا وردة قولي") وفالس من كلمات بيرم التونسي "يا موج البحر يا رايق" (المركب) و"يا بحر جينا".

 

 

المسيرة المصرية

 

بعد "القلب له واحد"، ظهرت صباح في أفلام يصعب تحديد تسلسلها الزمني بشكل أكيد. في العام نفسه، 1945، مثّلت صباح أمام حليم الرومي فيلماً من إخراج عبد الفتاح حسن عنوانه "أول الشهر"، وهذا الفيلم منسي، والأرجح أنه ضائع. في نهاية العام، عُرض ثاني أفلام صباح، "هذا ما جناه أبي"، من إنتاج آسيا وإخراج بركات، وحصد نجاحا عظيما. توالت الأفلام بمعدل ثلاثة في العام الواحد على الأقل. عام 1946، مثّلت صباح وغنّت مع محمد فوزي في "عدوّ المرأة"، ثم أدارها نيازي مصطفى في "أول نظرة"، وظهرت من جديد مع أحمد وجدي في "سرّ أبي"، وشاركت في بطولة فيلم "شمعة تحترق" من تأليف يوسف وهبي وإخراجه وتمثيله. في عام 1947، قدّمت صباح مجموعة اخرى من الأفلام المصرية، منها "قلبي وسيفي"، "صباح الخير"، "أنا ستوتة"، و"الحب اكسبرس". استمر صعود الشحرورة في عام 1948 حين مثّلت وغنّت مع فريد الأطرش في فيلم "بلبل أفندي"، وجاء اسم البطلة متقدما على اسم البطل في الإعلانات الصادرة في الصحافة اللبنانية. بعد فريد الأطرش، غنّت صباح من ألحان محمد عبد الوهاب عام 1949 في فيلم من بطولة سعد عبد الوهاب، وهو ابن شقيق "موسيقار الجيل". غنّت صباح في هذا الفيلم "الرقص نغم"، "ويا ورد يا زرع عينيه" و"أيوه يا لأ"، وحمل إعلان الفيلم في بيروت إشارة تقول: "موسيقى وألحان سماوية لا تجود بها إلا عبقرية محمد عبد الوهاب".

تبدو بدايات شحرورة الوادي مصرية بامتياز، وتنحصر إطلالاتها اللبنانية في ثلاثة أفلام منسية. مثّلت صباح في مطلع حياتها في فيلم "أول الشهر"، كما مثّلت في فيلم مصري ذي توليفة لبنانية شارك في بطولته محمد سلمان وأخرجه حسين فوزي، عنوانه "لبناني في الجامعة". نقع في الصحافة اللبنانية على فيلم من عام 1948 بعنوان "اول نظرة" يجمع بين "جمال لبنان" و"سحر لبنان"، "بطولة الكوكبين اللبنانيين صباح شحرورة الوادي وبرهان صادق جورج شماس". لا نعرف شيئا عن أغنيات صباح اللبنانية في تلك الفترة، ولا ندري إن كان لها إطلالات حية على الخشبة. عام 1948، نقلت مجلة "الإذاعة" اللبنانية عن "الصباح" العراقية خبراً يتحدث عن إطلالة فاشلة لصباح في بغداد على خشبة قاعة الملك فيصل. بحسب ما جاء في هذه المقالة القصيرة، تدافع الناس لرؤية صباح، وكان الإزدحام منقطع النظير، لكن "الجبل تمخض فأرا". "أقيمت الحفلة وحضرها لفيف غفير"، وظهرت الشحرورة "إلى الملأ بمظهر المذعور الخائف، فلم تبد منها أية حركة فنية ولا طبيعية تشفي غليل المعجبين بها"، وافتتحت وصلتها بأغنية "الله أكبر" من تلحين فريد غصن، "فكان تلحينها غير متقن، ويظهر أن المطربة لم تتهيأ لغناء هذه القطعة". غنّت صباح أشهر أغنياتها في تلك الفترة، وهي كذلك من ألحان فريد غصن، مطلعها "انا ستوتة أنا انسية، لا انا عفريتة ولا جنية، توتا توتا توتا أنا ستوتة"، لكن الأداء الحي لم يكن في مستوى أداء الأستوديو المسجّل في الفيلم. وفقا لمراسل "الصباح"، كان صوت المغنية "مبحوحا، في كل الحالات أشبه بصوت الجنس الخشن، ولم يكن ذلك الصوت الناعم الرنان في الاستماع الذي سمعناه بالأمس القريب"، وخلاصة القول "إن صباح لا تصلح للمسرح إطلاقا لخلوّها من الشجاعة الأدبية المتطلبة" و"إنها تصلح أمام كاميرا السينما وحدها".

تزوجت صباح من نجيب شماس، ولم يثر زواجها ضجة تُذكر كما يبدو. أنجبت في عام 1949 إبنا أطلقت عليه اسمها الفني، واستمرت في عطائها على الوتيرة نفسها. تواصل إنتاج الأفلام في القاهرة، وباتت الشحرورة "تزور لبنان بين مدة وأخرى للاطمئنان على صحة طفلها صباح الذي تركته في طرابلس في رعاية جدته"، كما نقلت مجلة "الإذاعة". لمعت النجمة اللبنانية في القاهرة في زمن بدأ فيه أفول نور الهدى التي سبقتها إلى المجد ببضع سنوات. ظهرت سعاد محمد في عام 1948، وغنّت في القاهرة في فيلم "فتاة من فلسطين"، من كلمات بيرم التونسي وألحان القصبجي، "الهلال الأحمر" و"بنت البلد". لم تشكل هذه البداية إنطلاقة كبيرة، ولم يتكرر ظهور سعاد محمد على الشاشة المصرية إلا مرة واحدة. بعد سعاد محمد، بدأت نجاح سلام مشوارها في لبنان قبل أن تسافر إلى القاهرة في عام 1952 حيث مثّلت في فيلم أول تبعته أفلام أخرى، غير أن حضورها ظل متواضعا، بخلاف صباح.

رافقت الصحافة صعود صباح سلّم المجد في مصر، وتحدثت عن مرحها وبشاشتها الدائمة. كتبت مجلة "الإذاعة" في عام 1949: "غادرت صباح لبنان إلى القاهرة كعادتها في المغادرة والعودة يرافقها زوجها صديقنا الأستاذ نجيب شماس وهي تودّ أن تلعب أدواراً جديدة على الشاشة المصرية في مرحها المعروف وفي غنائها المطرب، فصباح التي لم تزل النجمة اللبنانية المحافظة على تقدمها الفني دون ان تتعثر قدمها ودون ان تبلغ بعد القمة التي تحلم بها وأطيب ما في خلقها الفني أنها لا تقدر نفسها بأكثر مما هي نفسها. من هنا كان طريق نجاحها، فلم يأكلها الغرور، ولا صفعتها رياح الشهرة، متزنة، على فرح دائم". من جهة أخرى، عُرفت صباح منذ تلك الحقبة المبكرة بأناقتها، وجاء في تعليق لمجلة "الكواكب" المصرية في العام نفسه: "يلاحظ الذين يحضرون حفلات العرض الأول لأفلام المطربة صباح أن طائفة عمال صالونات الحلاقة هم أشد المتفرجين حماسة لها وأكثرهم هتافا وإعجابا بها. ذلك أن صباح هي فتاة الحائط الأولى في نقابة عمال صالونات الحلاقة. وكثيرا ما يحتفظ أعضاء هذه النقابة بصورها التي تظهر فيها وقد صففت شعرها بطريقة خاصة لعرضها على عميلاتهم كنماذج للشعر".

 

مرحلة الخمسينات

 

أدّت صباح في بداياتها العديد من الأغاني الجميلة لكبار الملحّنين العرب، لكن شهرتها كممثلة طغت على حضورها الغنائي، ولم يُعترَف بها كمغنية إلا بعد سنين طويلة من العمل، كما صرّحت مرارا في خريف عمرها. كتب سليم اللوزي في وصفها عام 1951: "طفلة في ثياب امرأة، وصولها أقرب إلى الجبل منه إلى المدينة، ولو أنها بقيت محافظة على شخصيتها الغنائية الأولى عندما كان اسمها الشحرورة لبقيت على القمة، ولكنها أرادت أو أُريد لها أن تغنّي الألوان العاطفية الحزينة وهي ألوان تحتاج إلى حنجرة قوية صلبة، وبذلك أصبحت كالتي رقصت على نص السلّم. وهذا الرأي لا يشمل بالطبع شخصيتها التمثيلية، فصباح الممثلة خير من وجوه كثيرة فُرضت على الشاشة البيضاء فرضا بلا رحمة ولا شفقة بالجمهور المسكين". أثبت الزمن أن هذا الكلام غير صحيح. نضج صوت صباح في الخمسينات، ولمع في سلسلة متواصلة من الأفلام أدّت فيها بعضاً من أجمل أغانيها المصرية في مسيرتها الفنية الطويلة. التقت صباح من جديد مع سعد عبد الوهاب في "ستيتة أختي" عام 1950، ومحمد فوزي في فيلم "الآنسة ماما"، وتجدد اللقاء مع فوزي عام 1953 في "الحب في خطر"، ثم في "فاعل خير"، وقدّم الثنائي فيلم "ثورة في المدينة" عام 1955. كذلك، تجدد اللقاء مع فريد الأطرش في "لحن حبي" عام 1953، وتبعه "أنساك ازاي" عام 1956. مثّلت صباح أمام عماد حمدي في "ظلموني الحبايب" عام 1953، ثم في "توبة" و"مجرم في إجازة" عام 1958. ومثّلت مع حسين صدقي في "يا ظالمني" عام 1945، ثم في "قلبي يهواك" عام 1955. كما مثّلت مع شكري سرحان في أربعة أفلام أًنتجت بين 1956 و1957، وهي تباعا "حياتي وهبتك"، "نهاية حب"، "وكر الملذات"، و"إغراء". عام 1958، جمع المخرج عز الدين ذو الفقار بين صباح وعبد الحليم في فيلم "شارع الحب"، وفيه غنّت الشحرورة "علّمني الحب" من ألحان منير مراد، و"لأّه لأّه" من ألحان محمد الموجي. في العام التالي جمع عز الدين ذو الفقار بين صباح ورشدي أباظة في "الرجل الآخر"، وفيه غنّت "عطشانة" من ألحان منير مراد،  و"قل لي أيوة" من ألحان الموجي.

في هذه الأفلام، تكرر لقاء صوت صباح مع ألحان فريد الأطرش ومحمد فوزي ومحمود الشريف وسيد مكاوي، ولمع مع السنباطي في "أخاف عليك"، وتألق مع عبد الوهاب في فيلم "إغراء"، وفيه غنّت "حبّيتك يا اسمك ايه"، و"جوّا قلبي جوّا"، و"كانوا ياخدو نور عيوني"، و"من سحر عيونك". في المقابل، قدّمت صباح في تلك الفترة الزمنية أغاني لبنانية شبه مجهولة تحتاج لمن يكشف عنها ويصنّفها، منها "ربيع لبنان"، من ألحان فريد غصن، و"شايف غزالي"، من تأليف شحرور الوادي وتلحينه، مطلعها: "شايف غزالي كالغزال بريقها/ رايحة عالعين تملّي بريقها". كما شاركت في لوحة غنائية رحبانية جميلة تُعرف بعنوان "الموسم الأزرق" شارك فيها عاصي تمثيلاً.

 

زمن الوحدة

 

انفصلت صباح عن زوجها الأول، وتزوجت من أنور منسي، أشهر عازف كمان في مصر، لكن هذا الزواج لم يدم طويلا. في صيف عام 1955، طلّقت صباح زوجها الثاني بعدما أنجبت منه ابنتها هويدا، وشكّل هذا الطلاق مسلسلا اجتماعيا تناولت الصحافة فصوله بشغف في حلقات متتالية بعدما حاول آل منسي استرداد الإبنة من أمها. ويمكن القول إن هذا المسلسل هو أول المسلسلات "الشخصية" التي اشتهرت بها صباح، تلته مسلسلات غطّت على عطاء صباح الفني حتى كادت تحجبه. لم تؤثر هذه الواقعة على مسيرة صباح الفنية في القاهرة. كما لمعت الشحرورة في مصر الملكية، لمعت في مصر الناصرية. غنّت للثورة من ألحان محمد الموجي "أنا شفت جمال"، "بنينا الدار"، و"مبروك علينا السد العالي"، ومن ألحان بليغ حمدي "ثورة كرام"، ومن ألحان محمود الشريف "جلاب الخبر". وغنّت للوحدة من ألحان فريد الأطرش "حموي يا مشمش بلدي يا مشمش/ عيد وحدتنا ملا سكتنا وفرش بيتنا زهر المشمش"،  و"من الموسكي لسوق الحمدية أنا عارفه السكه لوحديه، كلها أفراح وليالي ملاح، وحبايب مصرية سورية". كما غنّت من ألحان عبد الوهاب أهزوجة "سوا سو أدي مصر وسوريا/ سوا سوا وبغدادنا أهيه/ سوا وجزايرنا معانا/ سوا سوا وصنعاء ويافا/ وبكره جايا سوا عمان وجدة سوا".

وفي حين توالت الأفلام السينمائية في الخمسينات كما كانت عليه الحال في النصف الثاني من الأربعينات، تكرر ظهور صباح على المسرح في صورة تناقض تماما تلك التي رسمها مراسل "الصباح" في عام 1948، وباتت الشحرورة مغنية مسرح بقدر ما هي مغنية سينمائية. هنا وهناك، برزت صباح "المصرية" على حساب "اللبنانية" حتى نهاية الخمسينات، لكن صباح استعادت دور "شحرورة الوادي" منذ مطلع الستينات حيث عاشت عصرا ذهبيا لمعت فيه محلياً بقدر ما لمعت مصرياً، واستمر هذا النجاح حتى السنوات الأولى من السبعينات حيث بدأ أفول صباح "الفني"، على الرغم من حضورها المستمر على المسرح والشاشة، كما في الحياة الاجتماعية وعالم الأخبار ¶

 

 

عن ملحق النهار الثقافي 29/8/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق