صبايا وشباب سوريون يتحدثون: ما وراء السفور والحجاب… معدّ هذا التحقيق يفضل عدم توقيعه باسمه الصريح

“التدين وعدم التدين مسألة حرية شخصية أعتقد، يمكن تلمس ذلك من التنوع الذي نراه في مجتمعنا. هناك احترام متبادل من قبل الجميع تجاه الجميع”. خالد

“هذا الموضوع لا يؤثر على العلاقة بين الأصدقاء. هناك أشخاص يستخدمون التعابير الدينية في حياتهم ولهم رموزهم الدينية، وآخرون علمانيون لكنهم لا يصادرون حرية الآخرين في التدين”. دانا

“لدينا عدة جارات من القبيسيات، وهن طيبات وعلاقتنا بهن جيدة”. ريم

بعد فترة من النقاش وطرح الأسئلة بشكل مداور:
“لم أمتلك الجرأة في البداية لأخبر أصدقائي بإعجابي بفتاة محجبة. عندما فعلت، لم يتفوهوا بحرف. تابعوا حديثهم بعيدا عني كأنهم يتسترون على ذنب اقترفته”. خالد

“في إحدى سهراتنا، تطرقنا إلى الداعية الإسلامي عمرو خالد. لم أشعر إلا والجلسة تشتعل. جميعنا كان يتحدث بغضب وتهكم. ليس عن الشخص وإنما عن الظاهرة ككل”. دانا

“القبيسيات؟؟ منافقات ويستغللن الدين لأهداف أخرى. أنا أعرف الكثيرات منهن. أزواجهن في السلطة ويستغلون مناصبهم بشكل وقح. بصراحة، لا أشعر تجاههن بمشاعر طيبة”. ريم

——-

“الصحوة الإسلامية” بتجلياتها المختلفة. ازدياد عدد المساجد ومرتاديها. الازدياد اللافت في عدد المحجبات. الاحتفال بالمناسبات الدينية كعيد المولد النبوي، وغيرها، أمور شغلت بال الصحافة الغربية والعربية ودفعت بالعديد من الصحفيين والباحثين إلى رحلات “مغامرة” في دمشق وحلب على وجه الخصوص. حيث الأولى مركز أكبر وأهم المعاهد الدينية السورية “مجمع أبو النور” ” معهد الفتح الإسلامي “، والثانية اختيرت عن حق عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006. وعلى ذلك، فقد نشر الكثير من التحقيقات والمواضيع الصحفية التي اقتضت من أصحابها أحيانا “التنكر” وادعاء الإسلام للتسلل داخل الجماعة أو المجموعة المراد دراستها.

وفي مقابل الاهتمام اللافت بما اعتبر انتشار ظاهرة التدين وخاصة في أوساط الشباب، تم تجاهل الجانب الآخر المقابل والتعامل معه على أنه بديهة لا تحتاج إلى الوقوف عندها.

تكفي جولة صغيرة في إحدى الكليات لتعطينا صورة وافية عما نريد قوله، ولتكن كلية الحقوق في دمشق. في نظرة شاملة أثناء يوم دوام مكتظ، نلحظ الطالبات اللواتي يرتدين الجلباب ويغطين وجوههن فيما عدا منطقة العينين حيث نظارة سوداء لحمايتها من أعين المتطفلين! والطالبات السافرات اللواتي يرتدين ملابس بسيطة غير ملفتة للنظر. إلا أن هؤلاء مجتمعات لا يشكلن إلا نسبة قليلة كما يبدو. فيما تقتسم الساحة مجموعتان متمايزتان إلى حد بعيد. في جانب، هناك الطالبات المحجبات اللواتي يرتدين “البانطو” و”الإشارب”، مع استبعاد كامل لأي من أدوات التبرج. وفي جانب آخر، الطالبات السافرات “جدا”، إلى جانب المحجبات اللواتي يكتفين بحجاب الرأس من دون “البانطو” ويستخدمن كافة وسائل التبرج مع ملابس “ملفتة للنظر” إلى حد بعيد.

ولأنه من الصعب تمييز الشبان من مظهرهم كما هو الحال مع الشابات – إلا في حالات قليلة كبعض طلاب الشريعة المرتدين للجلابية مثلا- فيمكن تمييز الفوارق بينهم تبعا للصبايا اللواتي يختارون زمالتهن!. بمعنى أن الشاب الذي يعتبر نفسه “فري Free” يميل أكثر إلى الفتاة السفور أو المحجبة “غير الملتزمة” كما يطلق عليها عادة، وهي التي تستخدم أدوات المكياج (التجميل) ولا ترتدي “البانطو”، والعكس صحيح.

هذا التمايز بين “التيارين” إن صح التعبير، يدفع إلى الاعتقاد بأن ازدياد عدد الملتزمينات دينيا، يبدو مصحوبا بازدياد مقابل في أعداد المتحررين/ات من الالتزام الديني. قد تتدخل عوامل كثيرة في ازدياد حدة هذا التمايز الذي يصبح أكثر ظهورا للعيان يوما بعد يوم. كثورة الاتصالات والفضائيات ذات الاتجاهات المتعددة والمختلفة فضلا عن مجمل العوامل السياسية والاقتصادية التي تتدخل في تشكيل وعي الناشئة واختيارهم لأسلوب حياتهم، بدون وعي منهم ربما.(للمثال فقط، العداء ضد “الغرب الذي يشن حربا ضد الإسلام”، يفضي إلى خطوات دفاعية نحو التمسك أكثر بتعاليم الإسلام وطقوسه، والإحساس بالغبن. كما أن نقص القيمة في الوطن مقابل أحلام الحياة الفردوسية في الغرب، تدفع إلى تمثل أساليب الحياة هناك وتقليدها ضمن المستطاع). وقد تكون هناك أسباب أخرى غير ظاهرة للعيان تؤثر ولو بشكل غير واضح على تشكيل قرارات الناشئة وانحيازهم الفكري والمعتقدي.

موقف من التدين:
إن بدا الأمر لدى بعض من التقيناهم مرتبطا بنقاش فكري حول قضايا، مثل الإسلام والحداثة والإسلام والحقوق، فإنه أخذ لدى الآخرين منحى مختلفا يتمثل في انعكاس التدين على العلاقات الإنسانية والاجتماعية بدون وجود موقف مبدئي من الدين بحد ذاته، بمعنى آخر، فهو موقف من سلطة تديّن إن صح التعبير أكثر منه موقف إزاء التدين بحد ذاته.

يقول خالد الشاب الجامعي (23 سنة) : “لا أعرف إذا كان الأمر كذلك منذ عشر سنوات، لكن الآن في أوساط الشباب والشابات العلمانيين، هناك نظرة “دونية” ربما لزملائهم المتدينين. آسف لقول ذلك، لكن معظم الشباب المثقف والواعي هو شباب علماني”. ” أنا لا أصوم، لكنني لا أعلن ذلك احتراما لمشاعر الآخرين، لكن إذا عرف أحد من المتدينين أنني لا أصوم لا يحترم خياري هذا ويتخذ مني موقفا سلبيا”.

بينما يقول عادل وهو خريج جامعي في أواخر العشرينيات من عمره :”كنت أؤدي فروضي الدينية كاملة حتى المرحلة الثانوية. بيئتنا محافظة وتعلمت تلك الفروض منذ كنت طفلا. عندما دخلت الجامعة واختلطت بأشخاص مختلفين عن بيئتي وقرأت الكثير من الكتب التي أثارت لدي أسئلة أكثر، تشكل لدي وعي جديد وتوقفت عن أداء تلك الفروض. عائلتي لا أعتقد أنها تعرف حتى اليوم بأنني لا أصوم على سبيل المثال. أتمنى لو أجاهر بذلك لأن من حقي أن أختلف. أحيانا أشعر بضيق شديد لأن علي فعل أشياء أمام الآخرين لا أؤمن بها، لكن أحيانا أخرى أتمنى فعل أشياء مناقضة أمام الآخرين لأرد اعتباري لحقوقي التي يسلبونها بتقاليدهم ومعتقداتهم..”.

تتجلى أكثر ردود الفعل المضادة لدى الشباب غير المتدين، لدى إثارة أحد موضوعين: الدعاة الإسلاميون الجدد الذين يحظون بتغطية إعلامية واسعة من بعض الفضائيات العربية، وتباع كتبهم وأقراصهم الليزرية بكثافة على أرصفة الجامعات وفي المكتبات على السواء، و”القبيسيات”: (تنظيم إسلامي نسائي، سمي كذلك نسبة إلى الآنسة منيرة القبيسي مؤسسة التنظيم الذي تعد مريداته بعشرات الآلاف وفقا لبعض التقارير الصحفية).

تقول دانا وهي طالبة جامعية: “كنا مجموعة أصدقاء في سهرة لطيفة تحولت إلى عاصفة عندما اكتشفنا أن إحدى صديقاتنا معجبة بأحد الدعاة الجدد. انتفضنا جميعا عليها شبابا وصبايا، وكنا مجمعين على أن هؤلاء يقومون بغسيل أدمغة الناشئة ويرسخون التخلف والجهل في مجتمعاتنا. ما أزعجني هو أن الأمر تجاوز النقاش الموضوعي إلى الشيء الشخصي. أحدهم أخذ يقلد طريقة كلام ذلك الداعية بسخرية، وأخرى أخذت تروي حلقة من مسلسل تلفزيوني تناول هذه الظاهرة بنقد لاذع أيضا وبشيء من التهكم”.

ريم وهي صحفية شابة تقوم بالعديد من الأنشطة الاجتماعية، بررت ردود فعل البعض الغاضبة أحيانا تجاه مظاهر التدين ورموزها بالقول: “المرء أصبح يشعر بنفسه غريبا في مجتمع يأخذ أكثر فأكثر طابعا محددا. منذ سنوات لم تكن الأمور كذلك. أقصد الأمور كانت أكثر عفوية. الآن هناك تنظيم إن صح التعبير، في الوقت الذي تمنع فيه التنظيمات بشتى أشكالها. ما أود قوله. هناك جيش من القبيسيات، مسموح لهن بلباس موحد وبقاعات درس مفتوحة وببرنامج، لكن إذا فكرنا نحن بعمل نشاط ثقافي معين قد نتهم بأننا من الموساد، ونتعرض لألف مساءلة أمنية”.

جامعة دمشق

“الصحوة الإسلامية” بتجلياتها المختلفة. ازدياد عدد المساجد ومرتاديها. الازدياد اللافت في عدد المحجبات. الاحتفال بالمناسبات الدينية كعيد المولد النبوي، وغيرها، أمور شغلت بال الصحافة الغربية والعربية ودفعت بالعديد من الصحفيين والباحثين إلى رحلات “مغامرة” في دمشق وحلب على وجه الخصوص. حيث الأولى مركز أكبر وأهم المعاهد الدينية السورية “مجمع أبو النور” ” معهد الفتح الإسلامي “، والثانية اختيرت عن حق عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2006. وعلى ذلك، فقد نشر الكثير من التحقيقات والمواضيع الصحفية التي اقتضت من أصحابها أحيانا “التنكر” وادعاء الإسلام للتسلل داخل الجماعة أو المجموعة المراد دراستها.

ردود فعل دفاعية

يكاد جميع من التقينا بهم يجمعون على أن سلوكهم في التحرر من سلطة التدين، لا ينطوي على شيء من ردود الفعل غير المستندة إلى قناعات ومبادئ، باستثناء مواقف معينة قد تستثير لديهم إحساسا بالمناكفة ربما!.

تقول سمر، الخريجة الجامعية في منتصف عقدها الثالث : “زارتنا جارتنا القبيسية لشرب فنجان قهوة بالتآمر مع والدتي لإقناعي بالحجاب. وبدأت تحدثني عن الجنة والنار، الثواب والعقاب. وعبثا أحاول أن أشرح لها أنني أحترم حجابها وعليها أن تحترم سفوري. و”نكاية” فيها، صرت أتعمد أن ألبس كنزتي “الكت: بلا أكمام” بشكل متكرر في الأيام التالية علني أصادفها على الدرج وتفهم رسالتي”…

بينما حسن، وهو محامي في نهاية عقده الرابع، وربما بحكم أنه أكبر من التقيانهم سنا يقول : “أشعر بنفسي محبطا تجاه مظاهر التدين، لكني أحاكم الأمور منطقيا وأحترم حق الآخرين في التعبير عن أنفسهم كما يريدون. لكن قناعاتي الشخصية أن ذلك سلوك متخلف. العلاقة بين الله والناس شبيهة بعقد الإذعان والمطلوب أن يتعاقدوا مع أنفسهم ومع الحياة. ومع ذلك، فقد لاحظت من خلال علاقاتي حالات غير عقلانية مما يدعونه مخطئين “بالتحرر”. وسلوك هؤلاء غالبا ما يكون موسوما برد الفعل الاستفزازي، كالاعتداء على مقدسات الآخرين، مثل شتم بعض الرموز الدينية أمام شخص متدين، بدون أدنى إدراك لما يتركه ذلك من شرخ بين الناس. هناك نماذج كانت متدينة وارتدّت عن الدين لأسباب اجتماعية بالدرجة الأولى، مثلا شاب مسلم على علاقة عاطفية بشابة غير مسلمة، لم يستطيعا الزواج بسبب رفض عائليتهما رغم أن الدين يسمح لهما بذلك، فكانت ردة فعلهما عداء سافر لكل ما يتعلق بالدين. أنا لا أعتبر ذلك تحررا، وإنما تخلصا من قيد الدين مع الإبقاء على قيود أخرى كثيرة”.

ويروي حسن، تعزيزا لفكرته، قصة أحد أصدقائه المقربين “كان صديقي متدينا جدا يمارس جميع الطقوس الدينية ولديه قيم إيجابية يتمسك بها، وكان له بعض النشاط في أوساط المعارضة الإسلامية، ثم حصل أن دخل في أوساط مشابهة لكنها علمانية، وهنا تغير بشكل مفاجئ وحدّي وعنيف. انقلب على الدين وأصبح يعتبر نفسه ملحدا بجدارة”.

وفي حالة مشابهة، انقلب أحمد، وهو شاب في أواخر العقد الثالث من عمره يتحدر من بيئة محافظة ومتدينة، من شاب ملتزم دينيا إلى شاب لا يؤمن على الإطلاق. هنا أيضا حصل الانقلاب بشكل سريع ومفاجئ وعنيف إن صح التعبير. وكان سببه المباشر دخول أحمد في صداقات مع شباب من بيئة مختلفة تماما عن بيئته. وهو الآن يجاهر بأفكاره غير المتفقة على الإطلاق مع أي مظاهر تدين على اختلاف أشكالها.

في التحايل على سلطة الجبر

من المثير للانتباه رؤية الأعداد المتزايدة للفتيات نصف المحجبات/نصف السافرات، إن صح التعبير. وهو ما ينطبق على مرتديات الحجاب في أماكن دون غيرها، كاقتصار ارتدائه على الشارع، أو الدمج بين حجاب الرأس واتباع آخر صيحات الموضة في الأزياء وأدوات التجميل.

تقول ملك (موظفة في أواسط عقدها الرابع)، التي ترتدي حجابا مع ملابس فضفاضة بسيطة وغير ملفتة للنظر: “وضعت الحجاب باختياري في سن صغير جدا، أقل من 12 سنة. وعندما كبرت قليلا شعرت أنه يقيدني وفكرت بنزعه، لكني عرفت أنني لا أقدر. جو العائلة يتطلب مني عدم نزعه وكذلك بت أخجل من نزعه بعد سنوات من ارتدائه. الآن أضعه في الطريق فقط”.

لكن الملفت للنظر فعلا، هو نموذج الفتيات اللواتي يضعن حجاب الرأس، ويرتدين ملابس تجاري آخر صيحات الموضة بالنسبة للصبايا السافرات كما يفترض.

منال طالبة جامعية تضع حجابا وردي اللون تزينت أطرافه بخيوط ذهبية براقة، وقد وضعته بطريقة غير تقليدية، “على الطريقة المصرية” كما قالت، ولم يكن اختيارها لوسائل التجميل يفتقر إلى الذوق أبدا، لا بالكحل الذي زاد من جمال عينيها ولا بلون حمرة الشفاه أو الخدود. وقد ارتدت بنطال جينز ضيق وكنزة تصل حتى الخصر فقط، وعندما بادرتها بالسؤال عما إذا كانت متصالحة مع نفسها على هذه الحال أجابت: “طبعا لا، أرتدي الحجاب لأن عائلتي تريد ذلك وهو ثمن خروجي من المنزل وذهابي إلى الجامعة، لذلك لا بأس بشيء من التوازن بين ما أريد وما يريدون. طبعا هم لا يرحبون بأن أرتدي ما أرتدي حاليا، لكنهم لا يرفضون تماما، وهو ما يصيبني بالجنون. فالأمر عندهم مجرد ممارسة شكلية لطقوس الدين، وأنا أجاريهم في ذلك”.

بينما تقول صبية أخرى في ربيعها الثامن عشر، وأسلوبها في اللباس مشابه إلى حد بعيد لأسلوب منال: “أهلي يقولون لي إذا تزوجت وزوجك وافق على نزع الحجاب فأنت حرة. لكن مادمت في بيتنا عليك ارتداء الحجاب. لم أفكر بالحجاب سلبا أو إيجابا قبل أن يجبرني والديّ على ارتدائه. أقصد ربما لو عرض علي الموضوع بشكل طبيعي لما كنت قد مانعت. لكن بالطريقة التي فرض بها علي، أصبحت أشعر بأن الحجاب مرادف لقمع أهلي وتحكمهم بي، لذلك فأنا لا أحبه وأتحايل عليه بشتى الطرق”.

دانيا (30سنة) عبرت عن رأيها بغضب ظاهر ربما ينبع من مرارة تجربتها العائلية كما استشفينا من حديثها: “المشكلة هي أن الكثير من الناس مصابون بانفصام شخصية. يعني يجبرونني على الحجاب، لكن القنوات التلفزيونية الوحيدة التي يتابعونها في البيت رجالا ونساء هي قنوات الأغاني “الداعرة”. كأن الأمر تغطية لتناقضاتهم وعقدهم النفسية بمظاهر معينة لا أكثر. لذلك عندما قاومت فرضهم لفكرة الحجاب علي، كنت أقاوم أكثر من الفكرة بكثير. كنت أقاوم خضوعي لتناقضات لم أستطع حلها. كنت أطلب من أبي وأنا في بداية المرحلة الثانوية أن أحصل على نقود لكي أشتري كتابا أو أسجل في ناد رياضي في إحدى الألعاب التي كنت مهووسة بها، فيجيبني، خذي نقودا وانزلي إلى السوق واشتري حجابا. لم أفهم أبدا هذه المعادلة في ذلك الوقت، لكنني قاومتها بشدة مع حبة مسك. يعني هو رفض منحي القبول، وأنا رفضت الحجاب وقررت إيجاد عمل لكي أستقل ماديا وألغي تلك المعادلة نهائيا، وهذا ما حصل”.

بينما علقت أخرى وهي أيضا محامية متمرنة ترتدي الحجاب مع مكياج لطيف وملابس لا تخلو من الجمال ولفت النظر: “الإسلام ليس معقدا، وأنا أريد أن أؤدي واجبي الديني وأعيش حياتي في نفس الوقت بما لا يخالف الدين والأخلاق، هذا التوازن ضروري لكي أحب نفسي. لن أكون سعيدة إذا لم أشعر بجمالي في الحدود التي لا أكون فيها مبتذلة!”.
الحق في الاختلاف أم استبداد آخر

المجتمع يغتني بما يضمه من اختلاف وتنوع، على ألا يتحول ذلك إلى شقاق وتنافر. من الملفت للنظر أن نستمع من الشباب والصبايا إلى تعابير الحرية الشخصية واحترام الآخر ولكن السؤال إلى أي مدى تنعكس هذه التعابير في سلوكهم وحياتهم اليومية؟ وإلى أي مدى تكون مقاومتهم لأي من أشكال السلطة التي تكبح جموحهم وطموحهم غير منطوية على رفض للآخر المختلف؟

يقول حسن: ” كما أن هناك مظاهر تطرف إسلامي، ليس نادرا أن نجد أحيانا مظاهر تطرف علماني إن صح التعبير. والتطرف بجميع أحواله غير مبني على العقل والمنطق. هذا التطرف يدفع بأصحابه إلى الانعزال عن الآخر وعدم التعاطي معه وهو يؤدي إلى الجهل بهذا الآخر وبالتالي الحكم عليه من بعيد وقطع أية إمكانية للحوار بين الطرفين”.

تقول ملك: “أنا لست محجبة ولا سبور sport. وبالتالي، “السبور” يعتبرونني من “التقليديين”، والمحجبات يدعين لي بالهداية. كل طرف ينظر بشكل سيء للآخر. وأنا أعتبر نفسي لا من هؤلاء ولا من هؤلاء. أنا أنا وانتهينا”.

أما ريم فتقول: “المجتمع هو الذي يفرض نوعا من المشاعر السلبية تجاه بعض المظاهر. وبالتالي يخلق نوعا من الاحتقان والغضب يذهب بمقولات الحقوق واحترام الآخر أدراج الرياح. على سبيل المثال، أصبح الحجاب عائقا أمام الكثير من الفتيات للحصول على وظيفة مناسبة، وهذا تمييز حقيقي يجعل من المحجبات يشعرن بالاضطهاد ويخلق لديهن مشاعر سلبية تجاه السفور وليس تجاه أرباب العمل الذين يمارسون هذا السلوك. في الطرف الآخر، وعلى سبيل المثال أيضا، تلقيت عبر بريدي الالكتروني أثناء رمضان الفائت رسائل بريدية بعنوان “القائمة السوداء” واعتقدت لوهلة أنها لأسماء إرهابيين أو مجرمين ولم يخطر ببالي أنها كانت أسماء ممثلين تبين أنهم لا يصومون في رمضان. وهذا خلق استياء لدى العديد من متلقي هذه الرسائل ممن لا يصومون وشعروا بأنهم صنفوا بدورهم ضمن قوائم سوداء لمجرد أن لهم قناعاتهم الخاصة. بعض هؤلاء، ومن خلال نقاشاتنا، كانوا يشعرون بأن شهر رمضان أمسى ثقيلا على قلوبهم وأنهم لا يرغبون بقدومه مع أن ذلك لم يكن شعورهم من قبل”.

سألْنا شابا أمريكيا يدرس اللغة العربية في سوريا عن رأيه في موضوعنا بصفته “مراقبا حياديا”، إن أمكن القول، فقال: “السوريون من أكثر الناس الذين التقيتهم انفتاحا في الشرق الأوسط الذي زرت بلدانا كثيرة منه. إنهم متسامحون تجاه معتقدات الغير، لكن هناك فرق بين التسامح والقبول، فكلما أركب التكسي ويعرف السائق أنني غير مسلم، يبدأ بالحديث عن الإسلام ويحاول أن يقنعني به، بينما لم أستطع حتى أن أناقش مسألة الزواج ما بين مسيحي ومسلمة مع أصدقائي المسيحيين السوريين، فهو أمر مرفوض تماما بالنسبة إلى معظمهم”!.

وتمس ريم ما تعتقد أنه صلب الموضوع حين تقول :”الموضوع بمجمله يتمحور حول ثقافة مجتمع، منذ متى ونحن نمارس احترام الآخر المختلف مهما كان اختلافه دينيا أو سياسيا أو أي شيء آخر؟!”.
على هامش الموضوع
سألت أم سامر وأنا أقلب صور صباها القديمة وهي ترتدي مثل “شادية” و”سعاد حسني” في ذلك الوقت، لماذا كان ذووكم يسمحون لكم بارتداء هذه الملابس الجميلة القصيرة الملفتة للنظر بينما أنتم اليوم تفضلون الفتاة المحجبة وتثنون عليها؟ أجابت:” لم يكن هناك وقتها من يهدينا، كنا جهلة، أما جيل اليوم فلديه من يهديه إلى الطريق القويم ويأبى أن يهتدي!”.

تساءلت وقتها ما إذا كانت الهداية المقصودة هي السلطة التي تحاول فئة من الشباب والصبايا مقاومتها اليوم والتي لم تكن موجودة -على الأقل بشكلها الحالي- في ما مضى. بالمناسبة، أم سامر لديها ثلاث فتيات، إحداهن محجبة، والأخرى سفور لكنها تؤدي فروضها الدينية، والثالثة “لم تهتد” بعد. وأم سامر فخورة ببناتها الثلاث إلى حد كبير جدا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق