صحافة المواطنين.. كلنا ناقلون للحقيقة..!

برزت “صحافة المواطنين” كأحد أبرز عوامل النجاح في الحراك الشعبي الذي تشهده المنطقة العربية مؤخراً، هذه الصحافة غير التقليدية التي لا تلتزم بالشروط المتعارف عليها للممارسة الصحفية كالعضوية الإلزامية في النقابات المهنية أو الحصول على شهادة جامعية، والتي تؤكد أن الصحافة لم تعد مهنة نخبوية، فأيّ مواطن يمكنه أن يصبح صحفياً، عبر امتلاكه لوسائل التكنولوجيا الحديثة التي تتيح له الدخول إلى شبكة الانترنيت.

بدأت ظاهرة “صحافة المواطنين” في الولايات المتحدة الأمريكية نهاية القرن العشرين مع ظهور المدوّنات، وتزايد دورها وأهمّيتها بين الأعوام 2003-2005، مع إطلاق وسائل اتصال جديدة كالفيس بوك واليوتيوب.. والتي خلقت مناخاً جديداً للحصول على المعلومة والصورة.

تتحوّل هذه الصحافة في أوقات النزاعات المسلحة والاضطرابات الداخلية والكوارث الطبيعية إلى مصدر وحيد للأنباء والمعلومات، وهذا الواقع وفقاً لكثير من المختصين بدأ يهزّ عروش الإعلام التقليدي (التلفزيون والراديو والصحافة الورقية والمواقع الالكترونية المهنية)، فما هو تعريف صحافة المواطنين؟، وما الدور الذي تلعبه في العملية الإعلامية؟، وما هي عوامل ازدهارها؟، وما هي أبرز الانتقادات التي توجه إليها؟ وإلى أيّ مدى تنافس الإعلام التقليدي؟.

هواة ولكن في مسرح الأحداث!

لا يوجد حتى الآن تعريف موحد لصحافة المواطنين (والتي تُعرف أيضاَ بالصحافة العامّة أو التشاركية، أو الديمقراطية أو صحافة الشارع)، إلا أنّ هناك اتفاقاً على أنّ هذا المفهوم يعني التقارير الإخبارية المستقلة التي يقدمها في معظم الأحيان هواة من مسرح الحدث، والتي تُنشر عالمياً من خلال وسائل الإعلام الحديثة عن طريق شبكة الإنترنت من خلال مواقع تبادل الصور وأشرطة الفيديو، والمدونات، ومنتديات الإنترنت، ولوحات الإعلانات، والشبكات الاجتماعية، وملفات البث الرقمي..

 في مواجهة الخطر!

توفر صحافة المواطنين بيئة للنقاش والتفاعل وطرح الآراء ووجهات النظر المتنوعة وخاصة من جانب الشباب تجاه مختلف القضايا العامة والحساسة، وتؤمن فرصة عظيمة للتحرر من الإعلام الداخلي أو الموجّه، وتؤدّي دوراً رقابياً حاسماً في الدول التي تنعدم فيها حرية الصحافة، لكنّ هذه الأدوار الهامة تجعل المواطنين الصحفيين في مواجهة أخطار جمّة، تكاد لا تختلف في شيء عما يواجهه زملاؤهم المحترفون، سواء في أوقات الحرب أو السلم، كتعرّضهم لأعمال انتقامية في ردود فعل على ما يقومون به من أنشطة نقل الأخبار، وأحياناً تصل شدّة المضايقات وأعمال الترهيب التي تواجههم إلى درجة الاغتيال والتهديد بالقتل، والاعتداءات الجسدية، والاعتقالات والاحتجاز التعسفي والمراقبة والملاحقة القضائية..

ويواجه هؤلاء الصحفيون غير التقليديين أيضاً استدعاءات الشرطة المتكرّرة وغير المدعومة بأسباب وجيهة، واستهداف أفراد أسرهم، وحملات تشهير لتشويه سمعتهم، وحظر السفر، وغير ذلك من القيود على الحركة.

والواقع المحزن أن المواطنين الصحفيين لا يتمتعون بالمزايا التي يتمتع بها الصحفيون المحترفون من شهرة ودعم وحماية المؤسسات الإعلامية التي يعملون بها..، ما يجعلهم أكثر عرضة للاعتداءات والمضايقات والانتهاكات..

مطلعون على بواطن الأحداث:

تواجه هذه الصحافة الجديدة بسيل من الانتقادات، كافتقارها للموضوعية والمصداقية وتقديمها أحياناً لمعلومات ضبابية وغير جديرة بالثقة، لكن هذه الانتقادات لا تقلل أبداً من أهمية هذا الشكل الجديد من الصحافة، خاصةً في الدول التي تنعدم فيها حرية الصحافة والرأي والتعبير، كدول المنطقة العربية، حيث يقدم المواطنون الصحفييون نقلاً وعرضاً مباشراً للأحداث، بعيداً عن سلطة الرقيب، ومن قبل شخص معاين ومُطّلِع على بواطن وخفايا الأحداث، في حوادث قد لا يُسمح فيها للصحفي المحترف بالوصول إلى مسرح الأحداث، أو قد يتعيّن عليه السفر أياماً للوصول إلى المكان.

منافسة أم تكامل:

نجاح صحافة المواطنين في السنوات الأخيرة وبروز دورها المحوري في نقل خفايا أحداث هامة بدءاً من تفجيرات 11 أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية 2001 مروراً بزلزال تسونامي/ أندونسيا 2004 ومن ثم تفجيرات مدريد 2005 وصولاً للاحتجاجات على الانتخابات الإيرانية 2009 والثورات العربية 2011 وغيرها الكثير من الأحداث..، جعلت السؤال التالي: “إلى أيّ مدى تنافس صحافة المواطنين وسائل الإعلام التقليدي؟ يتردد كثيراً، سوءاً في أوساط الأكاديمين أو عامة الناس..

من المؤكد أن الوقت مازال مبكراً على اعطاء إجابة على السؤال السابق، فهذا يحتاج لدراسات معمقة ومتروية، ولكن بالمقابل يمكن القول حالياً أنّ صحافة المواطنين استطاعت أن تكون عوناً وذراعاً قوياً لوسائل الإعلام التقليدية في نقل وتحليل ونشر الأخبار والمعلومات، إلا أن هذا العون لا يأتي حالياً من واقع تنافس وسيلة إعلامية في مقابل وسيلة إعلامية أخرى، وإنما يأتي من واقع التكامل مابين النوعين، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يحل المواطنون الصحفيون محل الصحفيين المحترفين، فصحافة المواطنين غير مضبوطة ضمن معايير إعلامية وتحريرية مهنية، إلا أن هذا لا يقلل من أهمية هذه الظاهرة وتنامي تأثيرها في الحراك الاجتماعي والسياسي العربي والعالمي، والذي يقتضي العمل سريعاً على تشريع إطار قانوني محلي وطني يكفل ويحمي حقوق المواطنين الصحفيين ويأتي في إطار وفاء الدول العربية بالتزاماتها الدولية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، فاليوم ولأول مرة في تاريخ البشرية أصبحنا جميعاً ناقلين للحقيقة ويجب حماية هذا الحق بكل ما أوتينا من معرفة وحكمة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق