صدام حسين، مسارا وإعداما: التاريخ أكثر مكرا وعبثية مما نتصوّر

كتب سيغموند فرويد، قبل عقود بعيدة، عن الموت باعتباره نوعا من البطولة في نظر الأحياء. فالميت يجترح معجزة العبور إلى عالم مجهول يكتنفه الغموض، وتجلله الرهبة. وفي هذا وذاك ما يضفي عليه نوعا مستعصيا من البطولة.

وإذا كان من شأن تأويل كهذا الإسهام في تفسير كيف ولماذا يتغيّر موقف الأحياء تجاه ميّت، لأسباب تخرج عن إرادتهم، وعن إرادته بالتأكيد، فإن فيه ما يسهم، أيضا، في إدراك ما قد يرتبط بهذا الموقف من دلالات، إذا كان الميّت شخصية عامة، أو إذا ارتبط موته بقضية ما. ولا شك أن علينا انتظار دلالات أكثر تعقيدا، وأبعد مدى، إذا تحقق فعل العبور إلى الموت بالصوت والصورة، وكان نوعا من التصعيد الدرامي النهائي، والعنيف، لحياة لم يفارقها صاحبها على شاشات التلفزيون وحسب، بل عاش جزءا كبيرا منها على الشاشات، أيضا.

هكذا كان الأمر مع صدّام حسين، الذي لو اقتصرت بطولته على المعنى الفرويدي لكان الأمر مفهوما، لكنها لم تقتصر عليه بل تجاوزته إلى حد اعتباره بطلا بالمعنى السياسي من جانب أعداد من الناس يصعب التحقق من حجمها في العالم العربي. ورغم أن بطولة كهذه لا تستطيع النجاة من شبهة تحيّزات طائفية، وقومية بدائية، وعصبيات أيديولوجية، ناهيك عن ردة الفعل الأولية والعاطفية لعرب يشاهدون رئيسا عربيا على منصة الإعدام، إلا أنها تستدعي التوقف، والتأمل، والتفكير.

التفكير في الأحياء لا في الأموات، ففي مجرّد إسباغ صفة البطولة على شخص مثل صدّام حسين، ما يحرّض على طرح تساؤلات تمس التصوّرات، والاستيهامات، والرموز التي يتشكل منها معنى السياسة، والبطولة في المخيال العربي. وإذا كان هذا المخيال فقيرا في المعاني، إلى حد لا يمكنه من استيعاب وتوظيف تصوّرات، واستيهامات، ورموز، غير تلك التي تبرر النظر إلى صدّام حسين باعتباره بطلا، وإلى سيرته الشخصية والسياسية باعتبارها تجسيدا لما ينبغي للقدوة الحسنة أن تكون عليه، فثمة ما يكفي من الأسباب لقرع أكثر من جرس للإنذار أولا، وانتظار المزيد من الخراب في العالم العربي ثانيا، ونقد هذه المخيّلة ونقضها ثالثا.

وما يبرر قرع أكثر من جرس للإنذار أن صدّام حسين لا يمكن أن يصبح بطلا إلا بقدر ما يعاني مخيال سياسي من علاقة مرضية بالسياسة نفسها، ومن ابتذال لما تنطوي عليه البطولة من دلالات تراجيدية. ابتذال لا نملك معه سوى تأمل قدرة التاريخ على المكر، أي على تحويل محاكاة مفتعلة لشرط المأساة الإغريقية إلى كوميديا سوداء.

فالقائد الضرورة، والفارس، والرئيس القائد، والمعلّم (وهذا غيض من فيض ألقاب الحكّام في العالم العربي) الذي صعد إلى سدة الحكم على ظهر دبابة، باسم أيديولوجيا قومية تزعم السعي إلى توحيد العرب من المحيط إلى الخليج، في دولة واحدة موّحدة تستعيد ما غبر من أمجادهم، دخل التاريخ من أبواب يمثل كل منها مفارقة تاريخية ذات أبعاد هزلية بامتياز.

{{1-}}

الباب الأوّل، مشروع الدولة القومية الواحدة، ذات الرسالة الخالدة. ففي حرب احتلال الكويت والخروج منها، وما أحاط بها ونجم عنها من مضاعفات، وصلت الفكرة القومية العربية للمرّة الأولى منذ ظهورها في أوائل القرن العشرين إلى طريق مسدودة، وانتهت من ناحية عملية على يد الشخص نفسه الذي استمد مشروعيته السياسية والأخلاقية من فرضية العمل على تحقيقها، وغالبا ما تصرّف باعتباره مندوب العناية الإلهية، التي اختارته حصريا لمشروع على هذا القدر من الأهمية.

وليس ثمة ما يبرر الاستطراد في هذا الباب، للكلام عن صعود النـزعات الإقليمية في العالم العربي بشكل غير مسبوق بعد حرب الكويت، واكتسابها لمشروعية لم تتوفر لدعاتها في الماضي، بل تكفي الإشارة إلى نقطتين تخصان الكويت وسوريا.

نشأت الكويت كغيرها من المشيخات النفطية استنادا إلى تحالفات قبلية، وتقاليد محلية يصعب العثور بينها على نـزعات دولانية ذات سمات محددة بالمعنى التاريخي والثقافي، أو وثيقة الصلة بالحدود السياسية للإقليم الذي ستقيم دولتها عليه. لكن الغزو الصدّامي الذي أراد شطبها من الخارطة يعتبر تجربة رضيّة traumatic experience، ذات دلالات وأبعاد تكوينية، بقدر ما يتصل الأمر بالذاكرة الجمعية، وتصعيد الهويات المحلية وصهرها في هويّة أعلى. وهي تجربة عاشتها بأشكال متفاوتة شعوب مختلفة في ظل الكولونيالية، ونشوء حركات سياسية تؤرخ لجماعتها القوميّة المتخيّلة ـ ضمن أشياء أخرى ـ بتجارب رضيّة مشابهة. وفي هذا الصدد سيذكر التاريخ أن الدولة الكويتية استمدت مبررات إضافية لوجودها من محاولة كانت تستهدف القضاء عليها. وسيذكر، أيضا، أن الطامح إلى التوحيد هو نفسه المُفتت.

أما بالنسبة لسوريا، فإن مشاركتها في حرب الكويت، ووجود جنودها إلى جانب الأميركيين في حفر الباطن السعودية، تمثل مشهدا ختاميا للفكرة القومية في آخر أطوارها. ففي البلدين، أي في العراق وسوريا، يحكم حزب واحد، يعتمد المصادر الأيديولوجية نفسها، ويرفع الشعارات نفسها، لكن المصادر، والمصالح، والحدود المشتركة لم تنجح في تحقيق الوحدة بين البلدين، وفشلت في الحيلولة دون وجودهما في خندقين متقابلين على خط النار.

واللافت للنظر، هنا، أن اللاعب في الحالتين واحد، وأن الذي افتتح المشهد وأغلقه، وعزف نشيده الختامي واحد، وأن النوايا في شأن كهذا أقل أهمية بكثير من النتائج النهائية، فصدّام حسين هو الذي قدّم الدليل على هشاشة الشعارات القومية، وتهالك الأيديولوجيا، إذا اصطدمت بالمصالح الحقيقية للنخب الانقلابية الحاكمة، دون إعفاء الحكّام السوريين من مسؤوليتهم بطبيعة الحال. وفي الحالتين كانت الفكرة القومية العربية أبرز الخاسرين.

{{2-}}

الباب الثاني. وإذا ما وضعنا مشروع بناء الدولة القومية جانبا، فإن مشروع بناء الدولة القطرية نفسها (التي تسمى بهذه التسمية لتمييزها عن الدولة الواحدة الموّحدة، وغالبا ما تقترن بدلالة المؤقت والسلبي في الخطابات القومية) لم يكن أفضل حالا. عندما استولى البعث على الحكم في بغداد في العام 1968 كان في رصيد العراقيين ما لا يقل عن أربعة عقود من الخبرة والعمل لبناء الدولة الحديثة. وكان مقياس الحداثة في العراق، كما في كل مكان آخر من العالم العربي، صهر الفسيفساء القومية، والعرقية، والطائفية، في هوية مدنية توحيدية واحدة.
ولكن الذي حدث منذ نهاية الستينات وحتى سقوط النظام في العام 2003، أن الهوية التي كانت في طور التوحيد تعرّضت للإجهاض، وأن مسؤولية الدولة عن عملية الصهر تعطلت، واختُزلت وظيفتها التوحيدية لتصبح مجرد هيكلية عسكرية، وسياسية، وثقافية، وتنظيمية، واقتصادية بطبيعة الحال، تدير من خلالها جماعة ريفية مهيمنة تتمركز في قرية عراقية واحدة، وتنتمي في الأغلب إلى طائفة واحدة، وتدين بالولاء لرجل واحد، شؤون العراق.

وليس أبلغ في هذا الشأن من عبارة وردت على لسان ابنة صدّام حسين، في مقابلة متلفزة، بعيد سقوط النظام وهروبها من العراق. قالت البنت المعجبة بأبيها، والتي لا تملك من البراعة السياسية ما يمكنها من دوزنة لسانها بطريقة أكثر حرصا على الدلالات البعيدة للكلام، إن البيجات (أي عشيرة صدّام) هم أكثر الناس حسدا، وتنافسا، وغيرة، وإن أعلى وظيفة يمكن أن يبلغها الواحد منهم (لو لم يكن صدّام في الحكم) هي معلّم في مدرسة.
هؤلاء وحلفاؤهم من العائلات والعشائر، الذين لا يصلح الواحد منهم لوظيفة أعلى من معلّم في مدرسة (دون تبني ما تكنه البنت من احتقار للمعلمين بطبيعة الحال) هم الذين حكموا العراق في الواقع، وصادروا جميع أجهزة الدولة العراقية، بعدما أخضعوها لنوع من الاحتلال الداخلي، وطهروها من النخب المدينية التي ارتبطت تقليديا بمشروع العراق الحديث منذ أوائل القرن العشرين.

وفي سياق كهذا، فقط، يتضح معنى الفشل في بناء الدولة القطرية، التي انتهت من ناحية فعلية إلى دولة تملكها عائلة، باسم عشيرة تنوب عن طائفة متخيّلة، كما انتهت إلى شخص واحد يملك العائلة، والعشيرة، والطائفة، والحزب، والجيش، والدولة. وهذه مفارقة إضافية: صاحب الدعوة إلى بناء دولة قومية موّحدة تضم العرب في مختلف أقطارهم، هو الشخص نفسه الذي فشل في بناء دولة موّحدة تضم العراقيين على اختلاف طوائفهم، وأعراقهم.

{{3-}}

الباب الثالث، أي الصراع السني ـ الشيعي. وهذه دلالة تبرر النظر إلى التاريخ باعتباره في حالات كثيرة، وإلى جانب هيئته العابسة، وجديته المفرطة، وحكمته الزائدة، ليس أكثر من مسرح للعبث.

فالشخص الذي أراد، أو زعم، العمل على تحقيق الوحدة من المحيط إلى الخليج، وقبلها في خطوة أولى تقود إليها أراد، أو زعم، العمل على بناء دولة قطرية عامرة بالحرية والاشتراكية، ومرشحة للوحدة، وانتهى في الحالتين كسبب رئيس لانهيار مشروع الوحدة ودولة القطر، ربما ينتهي أيضا باعتباره أحد الأسباب الرئيسة لانفجار الصراع المذهبي بين السنة والشيعة في العالم العربي وخارجه. وهذه مفارقة موحية بشأن مصائر غير متوّقعة، ونهايات تناقض بدايات، وهزل أسود يعقب مأساة.

وسواء كان مشهد اللحظات الأخيرة في حياة صدّام حسين، الذي صوّر بكاميرا هاتف محمول، وشاهده ملايين من بني البشر في أربعة أركان الأرض، مجرد اجتهاد من جانب شخص واحد أراد القبض على لحظة لا تتكرر كل يوم، أو عملية مدبرة لتمكين أعداء صدّام حسين وضحاياه من تذوّق “حلاوة” الثأر، أو محاولة رمزية للتدليل على انتهاء العهد السابق وصاحبه، فليس من السابق لأوانه القول إن الشعارات التي أطلقها الجلاّدون، وقابليتها للتأويل بطريقة طائفية، ستسهم في إذكاء الصراع الطائفي في العراق وخارجه. وبقدر ما يتعلّق الأمر بموضوعنا، فإن الرجل الذي تبنى شعارات قومية انقلبت إلى حقائق إقليمية مفزعة، وشعارات اشتراكية انتهت بحكم قرية لشعب، يخرج من عالم الأحياء باعتباره رمزا لطائفة، وأحد أسباب الصراع بين طوائف. إذا لم يكن هذا من سخرية القدر فماذا يكون؟.

من تحصيل الحاصل، طبعا، القول إن مجرد اختراق التعبيرات الطائفية لخطاب السياسة في العالم العربي يدل على مدى ما أصاب العرب في الوقت الحاضر من انحطاط. ومع ذلك، يمكن تناول هذا الموضوع بطريقة مغايرة، أي أبعد قليلا من الكلام عن الانحطاط وما يندرج في بابه من تداعيات.
إن توليد وتوظيف الذاكرة التاريخية في الممارسة السياسية مسألة إرادية، دائما. ونادرا ما تمت إلى الحوادث الأصلية التي تستدعيها أو تحرّض عليها في صورة رموز واستيهامات بصلة، بل هي في خدمة الحاضر أولا، ومجرد قناع لمصالح ومطالب سياسية ثانيا. لذلك، لا وجود في حدود هذا المعنى، لما يمكن تسميته بالصراع السني ـ الشيعي، الذي يمثل مرحلة في التاريخ الإسلامي مضت وانقضت، ولم يبق منها سوى دلالات أركيولوجية، وبقايا ميتة ومتحجرة فقط.

ومع ذلك، فإن صراعات الحاضر، وهي حقيقية وحيّة، تملك كفاءة تمويه نفسها، وإخفاء مصالحها، وراء دلالات أركيولوجية مستوردة بطريقة انتقائية من تاريخ غبر. وغالبا ما يحقق فعل الاستيراد حضوره من خلال مسرَحةٍ دائمة، ومفتعلة، لفعل التماهي، وإصرار على إعادة تمثيل البقايا الأركيولوجية بطريقة شعائرية وعُصابية تنم في الواقع عن قلق شديد تجاه المصدر. وهذا يصدق على الطائفيين في العراق، وعلى الوهابيين السعوديين، ومختلف التجليات الكفاحية للإسلام السياسي في العالم العربي، بقدر ما يصدق على الميليشيات الفلسطينية، التي لن تقبل وقد ورّطها توظيف الدين في السياسة بأقل من تمثيل إرادة الله على الأرض.

لذلك، يجب البحث عن الأسباب والتجليات المحتملة لصراع الطوائف، والميليشيات الأصولية، في مكان آخر غير التاريخ، أي في السياسة. فالحرب العراقية ـ الإيرانية التي أشعل صدّام حسين فتيلها، ووظف من خلالها خطاب الصراع العربي ـ الفارسي، الذي انطوى في جانب منه على الصراع السني ـ الشيعي، كانت في الواقع حربا بالوكالة، وتجسيدا لنظرية الاحتواء المزدوج الأميركية. ما يُسمى اليوم بالحرب الطائفية في العراق يعكس صراع الهيمنة، واقتسام جهاز الدولة، والثروة الاجتماعية (وهي أشياء متداخلة مع وجود الاحتلال، وناجمة عن الموقف منه) علاوة على كونه انعكاسا لمصالح إقليمية يمكن تفسيرها بتعبيرات جيو ـ سياسية.

ومع ذلك، ثمة ما يبرر القول إن السمة الغالبة للصراع في العالم العربي في الوقت الحاضر، وفي قادم الأيام ستكتسب شيئا فشيئا تجليات عراقية، ولبنانية، وفلسطينية، وجزائرية، بحكم انتهاء زمن المعارضات الحزبية، وانهيار المشروعات الاجتماعية التوحيدية. فكلما ضعفت الدولة في هذا البلد العربي أو ذاك، تصبح السيناريوهات المذكورة أقرب إلى الاحتمال. ورغم إمكانية تحليلها بتعبيرات سياسية إلا أن إمكانية تطييفها على مستوى الرموز والاستيهامات تبدو مؤكدة في أغلب الأحيان، ليس لأن التاريخ ينهض من سباته، بل لأن انهيار فكرة الدولة وهي مرجعية الهوية الحديثة، جعل الخردوات التاريخية، والبقايا الأركيولوجية بضاعة وحيدة، يمكن تطعيمها من وقت لآخر بمكوّنات جديدة، عصرية ومعاصرة. وهنا مفارقة اللحظات الأخيرة لصدّام حسين، الذي يُضاف الآن إلى ويُختزل في رصيد طائفة.

{{4-}}

على ضوء ما تقدّم، ثمة ما يبرر تساؤلا من نوع: أي مخيال هذا الذي يرى في صدّام حسين صورة البطل؟

الجواب أن المشكلة تكمن في الثقافة السائدة في العالم العربي، أي في ما يعتبر سياسة، أو ما يدخل في بابها، سواء تعلّق الأمر بمعنى الحاكم والحكم والمحكوم، أو بالعلاقة بين السياسة والأخلاق. وهي أشياء تحيل بدورها إلى علاقة السياسة في العالم العربي بالأزمنة الحديثة. وإذا جاز الكلام عن ذاكرة تاريخية ما، فإن البحث عن دلالات ما يشهده العرب الأحياء في هويات طائفية أو دينية تتسم بالثبات أقل أهمية بكثير من البحث عنها في الحاضنة السلطانية العثمانية، الأقرب إلى العرب بالمعنى التاريخي والثقافي.

وبالقدر نفسه فإن البحث في الذاكرة السلطانية العثمانية أقل أهمية من إعادة النظر في مرحلة الكولونيالية، وحروب الاستقلال، وبناء الدولة الحديثة. فهذه المرحلة ليست الأقرب وحسب، بل هي الماضي الذي لم يصبح ماضيا بعد، بحكم ما أقترن بها ونجم عنها من مضاعفات ما زالت مستمرة حتى الآن.

والواقع أن المخيال العربي تشكّل في هذه المرحلة الأخيرة، واستمد منها رموزه واستيهاماته، التي لا يصعب إسقاطها على عهود سبقت أو لحقت بطبيعة الحال. وهي تتسم في النسق العربي، كما في أنساق أخرى في مناطق مختلفة من العالم، بالخلط بين البلاغة واللغة، بين السياسة والأيديولوجيا، وبين السياسي والمخلّص. وفي ظل العلاقة المتبادلة بين أضلاع هذا المثلث الذهبي يجري تخليق السياسة وتوليد صورة السياسي، أو ما ينبغي أن يكون عليه.

وإذا كان من الممكن على ضوء هذه المعادلة إدراك معنى حرص الحاكم العربي (وجهاز دولته بطبيعة الحال) على الكفاح المستمر، أي تظاهره بذلك، وحاجته الدائمة إلى أعداء في الداخل والخارج، حتى وإن استدعى الأمر اختراعهم، فإنها تسهم أيضا في ملامسة السبب الكامن وراء انهيار مشروع دولة الاستقلال.

فلا يمكن نجاح دولة كهذه دون قطيعة مع ما ساد من سياسة وتقاليد في مرحلة سبقت، أي مرحلة الكفاح ضد الكولونيالية، وبما أن القطيعة تعني تحرير السياسة من مثلثها الذهبي، أي فض الالتباس بين اللغة والبلاغة، وبين السياسة والأيديولوجيا، وبين السياسي والمخلّص، أي إخراج الحاكم نفسه من اللعبة (والحاكم مجاز أيضا لنخب اجتماعية حكمت بعد الاستقلال، ومعظمها جاء من صفوف الجيش) كان لا بد من الحيلولة دون تطوّر الدولة نفسها. وعلى أية حال، من الصعب تصوّر مصير غير الانهيار لدولة تحرص نخبها الحاكمة على الحيلولة دون تطوّرها.

مهما يكن من أمر يكفي القول في الوقت الحاضر إن فرضية امتلاك الحاكم لمواهب وكفاءات استثنائية وقوة خارقة، وهي فرضية يصعب التدليل عليها خارج أضلاع المثلث الذهبي المذكور، تسهم بدورها في إفساد معنى السياسة والحكم من ناحية، وفي إعاقة تطوّر الدولة نفسها من ناحية ثانية. وغالبا ما لا تعرف طموحات حاكم يملك دولة، بما فيها من شعب ومؤسسات حدودا تتوقف عندها، فهو لا يكتفي من الحكم بمظاهر الحكم، بل يزعم امتلاك الحكمة، ولا يتورع في حالات بعينها عن كتابة روايات وقصص، وتأليف كتب، وتوليد نظريات سياسية واجتماعية جديدة، سرعان ما تتحوّل إلى جزء من الديانة المدنية للدولة.

وبقدر ما يتعلّق الأمر بصدّام حسين، وإذا كان السؤال حول مواهبه في السياسة، ومؤهلاته في الحكم، فلن أجد جوابا أفضل مما جاء على لسان شوارتزكوف، قائد القوات الأميركية في حرب الكويت، الذي علّق على كفاءة صدّام العسكرية بالقول: “ليس قائدا عسكريا كبيرا، ولا هو بالسياسي الكبير، وليس كبيرا في شيء”.

وإذا كان ثمة ما يستحق التحفظ في هذا السياق، فإن ما ألحقه صدّام من خراب بالعراق يستحق التنويه، فحربه على إيران، التي قتلت وجرحت قرابة مليون من البشر على الجانبين، علاوة على الخسائر المادية الأخرى، تتاخم حد العبث، فقد بدأت عندما ألغى معاهدة جرى توقيعها مع ذلك البلد في عهد الشاه، وانتهت بعد ثماني سنوات دون مكاسب تُذكر. وأما مغامرته في الكويت فقد انتهت بهزيمة عسكرية مروّعة. وفي الحالتين كانت المسؤولية السياسية والأخلاقية تبرر استقالته. وهي حقيقة أدركها عبد الناصر بعد هزيمة العام 1967، وتصرّف بموجبها. ورغم ما قيل عن استقالة عبد الناصر باعتبارها مناورة من جانب رجل بارع في التكتيك، فإن مجرد التفكير في أمر كهذا حتى وإن كان على سبيل المناورة، يدل على إدراك لمعنى المسؤولية السياسية والأخلاقية.

وقد خرج هذا المعنى من التداول، ومن قاموس الممارسة السياسية في العالم العربي بعد الاجتهاد الناصري، وكان غيابه بمثابة الدليل على حجم ما أصاب السياسة والأخلاق من ابتذال أصبح معه الواقع مسرحا للعبث. لم يكتف صدّام حسين بإنكار الهزيمة، ولا برفض الاعتراف بالمسؤولية السياسة والأخلاقية، بل قلب هزائمه إلى انتصارات، وأفرط في الاستعراضات العسكرية، وبناء القصور، والتماثيل، والنصب التذكارية، وفي قتل معارضيه، رغم أن خروجه من الحكم بعد الفشل في الحرب العراقية ـ الإيرانية، أو بعد الهزيمة الساحقة في الكويت، كان كفيلا بتجنيب العراق ما خفي وما كان أعظم.

{{5-}}

في اللحظات المروّعة الأخيرة لصدام حسين ثمة ما يستحق التوّقف. فمن بين آخر الجمل التي نطق بها، وسمعها ملايين من البشر، ما قاله للجلاّد المقنّع، ولحشد يراه ولا نراه من الواقفين أمام منصة الإعدام: “هاي هي المرجلة؟”.

ينطوي هذا السؤال على دلالات كثيرة، منها الاستنكار. فما يفعله هؤلاء برجل قُيّدت يداه وراء ظهره، وأحاط به جلاّدون أقوياء، لا يدل على رجولة أو شجاعة. وربما ينطوي على استكبار وسخرية من جبناء استأسدوا على رجل في لحظاته الأخيرة، وأطلقوا لحناجرهم العنان.

ومهما تكن حقيقة تلك المشاعر، فمن المؤكد أن مشهد الجلاّدين، والأصوات الغليظة المشبعة بالانتقام، لا تدل على شجاعة من نوع خاص، بقدر ما تفضح الطبيعة المرعبة والدموية لفكرة الثأر، التي لا يكتمل حضورها إلا إذا غابت الدلالة المدنية للعدالة.

كان احتكار الدولة، وما يزال، للعنف وتقنين القتل للحفاظ على السلم الاجتماعي، والنظام العام، مصدر نقاشات لا تنتهي حول معنى القانون، وتطبيق العدالة. فالعدالة، وطرق تحقيقها، مسألة إشكالية، خاصة إذا كان معناها حرمان شخص من الحق في الحياة، بصرف النظر عن طبيعة ما ارتكب من جرائم، وما يستحق من عقاب. لذلك، وبقدر ما يبدو القانون في يد الدولة صارما، وقاسي الملامح، وبلا شفقة تقريبا، فإن القانون نفسه مصدر قلق، وتردد، وحيرة، وشكوك، ومراجعات لدى المشتغلين بفلسفة القانون.

وفي هذه المنطقة الرمادية بالذات، التي يغيب فيها اليقين، وُلدت الأفكار المعادية لفكرة الإعدام، ومنها استمدت مبرراتها الأخلاقية، والفلسفية. وفيها، أيضا، تكتشف الدولة الحديثة، المعنية باحترام حقوق الإنسان، أن في فعل القتل ما يشبه فضيحة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الحيطة والتكتم والحياد. لذلك، يُمارس فعل القتل على يد سلطات الدولة بطريقة سرية تقريبا، كأنه أقرب إلى الفضيحة منه إلى فكرة تحقيق العدالة.

بهذا المعنى فإن ما يُميّز تحقيق العدالة عن الثأر لا يتمثل في الموقف من القتل وحسب، بل وفي طريقة ممارسته أيضا. وفي سياق كهذا يصعب العثور على ما يُميّز قتل صدّام حسين عن طريقة قتل الزرقاوي لضحاياه. نحن في الحالتين أمام موت مُتلفز، لا ينم عن علاقة ما بالعدالة بقدر ما يكشف عن الوجه الدموي لفكرة الثأر. والمفارقة في هذا الصدد كيف تضيع الفروق بين سلطات دولة لن يناقش أحد حق احتكارها للعنف، وبين قاتل مريض يذبح ضحاياه أمام الكاميرا. فعندما تفشل الدولة في إدراك أن احتكار العنف يشترط الحيادية، والتعالي، والتجريد، ينتهي بها الأمر إلى التصرّف كعصابة.

وإذا كان للمواقف الشخصية من أهمية خاصة في هذا المقام، فلا بد من تأكيد حقيقة الوقوف ضد إعدام صدّام حسين، ليس لأنه لا يستحق الإعدام، بل لأن كاتب هذه السطور ضد عقوبة الإعدام.

ومع ذلك، في لحظة التأكيد على وجود قدر مرّوع من التشابه بين الطريقة التي قُتل بها صدّام حسين، وطريقة الزرقاوي في قتل ضحاياه، وعلى صعوبة العثور في عملية إعدامه على ما يميّز عصابة عن دولة، ينبغي التأكيد أيضا على حقيقة أن صدّام حسين قتل ضحاياه بالطريقة نفسها، وأن نظامه لم يكن أفضل حالا من النظام الذي أعدمه. وإذا كان في أمر كهذا مفارقة ذات أبعاد تاريخية بامتياز، فإن فيه أيضا ما يبرر العودة إلى كلام المرجلة.

{{6-}}

كانت المرجلة التي انتقدها صدّام حسين، وعابها على جلاّديه، هي المرجلة نفسها التي تحلى بها، ووسمت سلوكه على امتداد خمسة وثلاثين عاما من الحكم المطلق تجاه أعدائه وضحاياه. وإذا كنّا لا نعرف، بالضبط، عدد الذين قتلهم، إلا أننا نستطيع الكلام بقدر أكبر من اليقين عن حقيقة أن مئات الآلاف من البشر الذين قتلهم وجدوا أنفسهم في وضع لا يختلف كثيرا عن وضعه أمام جلاّديه: وضع الفرد العاجز أمام القوة وقد تحوّلت إلى وحش يمارس الثأر، ويمتاز بنهم مفرط للعنف إلى حد يبرر البحث الدائم عن أساليب ووسائل مبتكرة، وغير مألوفة في كثير من الأحيان.

كان صدّام حسين مولعا بوشم سلطته على أجساد الآخرين، وإذا كانت بعض ابتكاراته في هذا الشأن كاريكاتورية، فإن بعضها الآخر كان مفرطا في القسوة، والبدائية، وعصيا على الفهم. في وقت ما، تملكته فكرة ترشيق النخبة الحاكمة، فحكم على كبار موظفي الدولة والحزب بممارسة الرياضة، والريجيم، لتخفيض أوزانهم. وفي زمن الحرب العراقية-الإيرانية اهتدى إلى أنواع غير مسبوقة من العقاب: جدع الأنف، وصمل الأذن، ووشم الجبين، وقتل الهاربين من الجبهة برصاصات يُرغم ذووهم على دفع ثمنها للدولة، علاوة على حرمانهم من الحق في الحداد، أو تقبّل العزاء. أما ثواب القتلى في الحرب فكان سيارات يابانية الصنع تصرف لذويهم بعد مقتلهم بوقت قصير.

وإلى جانب القتل المباشر، الذي تتجلى فيه السلطة المطلقة للدولة، ابتكر من الأساليب ما يمكّن التكوينات الاجتماعية القائمة، وهي مستقلة بطبيعتها عن الدولة، من ممارسة عنفها الخاص. وكما حدث ويحدث في مناطق مختلفة من العالم، كانت أبرز ضحايا العنف الأهلي من النساء، حين تنازلت الدولة وبصفة رسمية عن حقها في البت في ما يسمى جرائم الشرف، وأوكلت إلى العائلة والعشيرة سلطة الحكم بالقانون العشائري، وأعفتها من المسؤولية عن جرائم القتل. وإذا كنّا لا نستطيع حصر عدد النساء العراقيات اللاتي قتلن باسم الشرف، إلا أن تصوير تلك الجرائم باعتبارها تصعيدا للمرجلة، وعملية دفع للقوة المطلقة إلى حدها الأقصى إزاء ضعف مطلق، لا يحتاج إلى براهين خاصة.

أخيرا، ثمة حادثة ذات دلالة، رواها الدكتور علاء بشير، طبيبه الخاص، وتخص الطريقة التي قتل بها أفرادا من عائلته. ففي أواسط التسعينات هرب اثنان من أبناء عمومته إلى الأردن، ثم عادا إلى العراق بعدما وعدهما بالعفو. بعد العودة بأيام قليلة، وفي الخامسة صباحا حاصر مسلحون جاءوا من العوجا (قرية صدّام التي حكمت العراق) البيت الذي أقام فيه الهاربان مع أبيهم، وشقيقهم الثالث، وشقيقتهم وأطفالها الثلاثة، في بغداد. ومعظم المهاجمين كانت تربطهم بالمحاصرين صلات قربى ونسب، فهم أبناء عائلة واحدة.

كان أبنا صدام، قصي وعدي، يجلسان في سيارة ويراقبان المشهد من بعيد. وكان على حسن المجيد، الذي يُحاكم هذه الأيام بتهمة قتل الأكراد بالغازات السامة، على رأس المهاجمين (وهو بالمناسبة شقيق الأب المحاصر مع أولاده).

ودون الخوض في تفاصيل كثيرة، استخدم المهاجمون، بعدما فشلوا في اقتحام البيت، قذائف مضادة للدروع، أسفرت عن مقتل الأب، وابنته، وأطفالها الثلاثة الذين تتراوح أعمارهم ما بين الثالثة والسادسة، واثنين من أبنائه، بينما ظهر حسين كامل، الابن الثالث، على باب البيت نازفا ومصابا في معدته، فانهمرت عليه الطلقات، وتقدّم منه عمه ليدوس عليه بقدمه، ويطلق النار على رأسه. والتفصيل الأخير في هذا الصدد أن حسين كامل وشقيقه القتيل كانا أيضا زوجين لاثنتين من بنات صدّام.

المهم في هذه الحادثة ليس تفاصيلها السياسية، ما إذا كان الهاربون قد عرّضوا أمن العراق للخطر مثلا، بل حقيقة أن الضحايا من أبناء العائلة الحاكمة، وأعمدة النظام، وحقيقة أنهم لم يُقدموا إلى محاكمة، ولم تصدر بحقهم أحكام قضائية، ولم ينالوا حق الدفاع عن أنفسهم، علاوة على مقتل آخرين (بينهم أطفال) بلا سبب واضح، أو ذنب اقترفوه. والمهم، أيضا، أن الهاربين عادا إلى العراق بناء على عفو، وأنهما لم يقتلا انتقاما لما ألحقاه بالدولة من ضرر، بل قتلا لأنهما ألحقا العار بالعائلة. وقد صدرت بيانات رسمية في هذا الصدد أطلقت على عملية القتل تسمية الهبّة المضرية.
تصلح “الهبة المضرية” للتناول من جوانب مختلفة، إذ يتجلى فيها معنى إعاقة تطوّر الدولة، ومعنى إفساد اللغة، والخلط بين فكرتي العدالة والثأر، لكنها تكفي في الوقت الحاضر للتدليل على عدم اختلاف المرجلة التي عابها صدّام على جلاّديه عن تلك التي وسمت سلوكه، حتى تجاه أفراد من العائلة. وليس ثمة ما يبرر الاستطراد في هذا الشأن بالكلام عن التصفيات الداخلية في الحزب، أو قتل الأكراد بالغازات السامة. فحادثة مفردة، لكنها ذات دلالة خاصة، قد تختزل الكل.

{{7-}}

بيد أن كلام المرجلة يحيل إلى دلالة إضافية تتعلّق بالصورة التي حاول صدّام حسين رسمها لنفسه، وإقناع الآخرين بها. صورة لا تنحصر أهميتها في تحليل سيرته الشخصية، وما أصاب العراق على يديه، بل تتجاوزه، وتتجاوز العراق، لتلامس معنى السياسة، وصورة الحاكم في النسق والمخيال العربيين.

تكاد المرجلة على الطريقة الصدّامية تتماهى مع الصورة الشعبية للفتوّة (حسب التعبير الشائع في العامية المصرية) ولدينا في ميراث الراحل نجيب محفوظ الكثير من الشواهد الأدبية في هذا الصدد. أهم ملامح الفتوّة: القوة العضلية، والشجاعة، والاحتكام إلى منطق الهراوة. ولو اقتصر الأمر على الأدب لنجونا من كثير من الويلات التي لحقت بنا على امتداد القرن العشرين، الذي شهد محاولات لبناء دول عربية حديثة على يد فتوّات.

لم يعش الفتوّة التقليدي في زمن التلفزيون، والجريدة، لذلك لم يتمتع بسيطرة مطلقة على ما ينبغي لصورته أن تكون عليه. ورغم اعتماده على الروايات الشفوية، وشهود العيان، إلا أن فقدان السيطرة لم يكن سلبيا دائما. ففي العلاقة بين الواقعي والمتخيّل يصبح الأخير أكثر شاعرية بقدر ابتعاده عن الأصل، أو عدم التزامه الحرفي بالتفاصيل، وبالتالي غالبا ما تنوب الحقيقة الشعرية عن حقائق بيوغرافية، وقد أسهم هذا التوتر بين الأصل وصورته في تمكين بعض الفتوّات، أو سيرهم بشكل أدق، من احتلال مكانة خاصة في الذاكرة الشعبية، والأدب الرفيع.

ولا شك أن ذلك التوتر هو ما تفتقر إليه صورة الفتوّة الجديد، أي الحاكم في زمن التلفزيون، والجريدة، الذي يطمح إلى سد ثغرات في سيرته الواقعية بحقائق شعرية، لكنه لا يثق بتواطؤ المتخيّل معه، أو بانحيازه إليه، لذا يجد نفسه مضطرا لتأثيث المتخيّل بما يجب أن يكون عليه، أو أن يحتويه من مجازات ودلالات. وغالبا ما تمارس حقيقة امتلاكه للتلفزيون، والجريدة، غواية يصعب التحرر منها: حتى المُتخيّل يصبح قابلا للامتلاك.
بهذا المعنى رأينا صدّام حسين سابحا في النهر، ومرتديا بزة عسكرية، وحاملا لبندقية صيد يطلق منها النار بيد واحدة، وفي فمه السيجار الكوبي الغليظ (مع كل الدلالات الفالوسية للبندقية والسيجار). ومع ازدياد هزائمه ازداد ولعه بالنصب التذكارية، والتماثيل، والقصور، والجدرايات باعتبارها زوائد جسدية إضافية تمكن جسده من التمدد في طول العراق وعرضه، وعلامة من علامات القوّة.

في الأمر ما هو أبعد من النرجسية. ففي التكوين النفسي لصدّام حسين ثمة ما هو أبعد من ذلك إلى حد يحرّض على القول بأنه كان مسكونا بشخص يسمى صدّام حسين. كان معجبا به، وقريبا منه، وناطقا باسمه، ومدافعا عنه، ولا شك بأنه قتل الآخرين نيابة عنه، وغالبا ما أشار إليه بضمير الغائب، حتى في المحكمة، وأمام عدسات التلفزيون قال للقاضي إن أحدا لا يستطيع محاكمة صدّام حسين حتى صدّام حسين نفسه.

وإذا كان من شأن حالة مرضية كهذه أن تلقي على عاتق المحللين النفسيين بمزيد من الأعباء، فإنها تقبل التفسير، أيضا، في سياق الخلط بين السياسي والمخلّص، الذي لا يتحقق دون إعاقة تطوّر الدولة، ودون إبقاء الشعب، والدولة، في حالة طوارئ مفتعلة ودائمة لأن مرحلة التحرر لم تنته بعد (انظروا كم من الأعداء يتربصون بنا في الداخل والخارج)، وربما لن تنتهي أبدا.

ولعل ما يستحق النظر، هنا، يتمثل في نقطتين تنطوي كلتاهما على قدر كبير من سوء الفهم. فتصرّف الحاكم على طريقة الفتوّة، وتظاهره بالشجاعة، غالبا ما يكون خارجيا، أي أمام الكاميرا فقط، ولا تترتب عليه مجازفات شخصية تُذكر بحكم اختزال كل وظائف الدولة في وظيفة واحدة هي توفير أسباب الأمن والأمان للحاكم، بالمعنى الشخصي والضيق للكلمة. لذلك، تقل شجاعته كلما ابتعد عن الكاميرا، يكف عن الثقة بالآخرين، ويُصاب بذعر دائم من احتمال الاغتيال والغدر، إلى حد يحوّل عمليات التطهير إلى مسألة روتينية تقريبا.

لذلك، لا تناقض في الواقع بين صدّام حسين المصاب بجنون القوّة والعظمة أمام الكاميرا، وصدّام حسين الذي عثر عليه الأميركيون في حفرة، فهما وجهان لشخص واحد. كلاهما صادق وحقيقي. حتى القاضي الذي تولى محاكمته قال بأن خروج الكاميرا من قاعة المحكمة كان يحوّله إلى شخص آخر.

النقطة الثانية التي تنطوي على سوء فهم كبير هي اعتبار الشجاعة العضلية، والمتلفزة في أغلب الأحيان، رديفا للسياسة، وصفة من صفات السياسيين. وقد أسهم هذا الخلط الناجم عن ضياع الحدود بين الفتوّة والسياسي في تشويه معنى السياسة والحكم في العالم العربي. فالشجاعة بالمعنى الضيق للكلمة ليست سمة ضرورية أو لازمة لممارسة السياسة، وكذلك القوّة العضلية. فالشجاعة الأخلاقية تحتل مكانة أعلى من الشجاعة العضلية، وهي التي تحرّض الساسة، كما تحرّض بقية بني البشر على التفكير في الثمن والعواقب، كما تحضهم على الغرق مع سفينة غارقة، إذا استدعى الأمر. وقد حصل صدّام حسين على علامتي صفر في الحالتين. أقدم على مغامرات بلا تفكير في العواقب، وهرب من سفينة غارقة.

وقبل هروبه المادي، والمهين، كان قد مارس هروبا من نوع آخر، عندما غمرته (أو تظاهر بذلك) موجة تديّن مفاجئة، بعد هزيمته في الكويت. كف عن الكلام في السياسة، ليقتصر كلامه أمام الكاميرا على المطلق. قسّم العالم إلى خيّرين وأشرار، إلى نور وظلام، وإلى حق وباطل. وقد ترافق هذا النـزوع إلى المطلق مع تفكيك لبنية الدولة العراقية، وإحياء للبنى التقليدية، وهوياتها الحصرية: القبلية، والطائفية، والعرقية. وهي البنى التي حاولت الدولة العراقية تفكيكها من قبل، والهويات التي حاول العراقيون صهرها في هويّة توحيدية موّحدة.

كانت عودة الابن الضال، الخارج من بيئة ريفية، بلا مؤهلات ثقافية يعتد بها، ولا نـزاهة أخلاقية يعوّل عليها، إلى الرحم الرحيم للتقاليد التي زعم في وقت ما التمرّد عليها، بمثابة وصفة سحرية لتبرير ما أصاب العراق من الويل والثبور وعظائم الأمور. فما حدث، وما سيحدث يندرج في إطار خطة إلهية أعلى من مدارك البشر. كان في الأمر ما يشبه عودة مجازية إلى رحم الأم. ومن سوء حظ العراق، أنه وجد الوقت الكافي للقيام بذلك.

ومن سوء الحظ، مرّة أخرى، أن دلالات الخلط بين الفتوّة والسياسي، وتفكيك الدولة، وتعطيل آليات الصهر الاجتماعي، وحكم قرية لشعب، والقيام بمغامرات عسكرية فاشلة، وممارسة أشكال غير مسبوقة من القمع والقتل، ناهيك طبعا عن مسؤولية تعريض العراق للاحتلال، غابت عن محاكمة صدّام حسين. وفي الغياب ما يبرهن على حقيقة أن جلاّديه لم ولن يكونوا أفضل حالا منه، سواء في السياسة أو الأخلاق. مرجلة تعيد إنتاج نفسها، ويتبادل فيها القاتل والضحية الأدوار.

وفي هذا وذاك ما لا يعفي التاريخ من شبهة العبث، وما لا يحرره من احتمال المكر.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق