«صدمة الإسلاميين» في الانتخابات الإيرانية / محمد أبو رمان

بعيداً عن سقف التوقعات العربية من الاحتجاجات والصدامات التي تلت إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية، فإنّ الصدى الذي تحدثه هذه الانتخابات في المشرق العربي يتجاوز الحسابات الإقليمية الراهنة ولعبة الاعتدال والتشدد في المنطقة إلى فضاء الفكر الذي يحكم الحركة الإسلامية عموماً، ومدى ثقة أفرادها بخطابها السياسي، وقدرتها على تسويقه جماهيرياً.

في العام 1979، هزّت الثورة الإيرانية العالم العربي، وخلقت سؤالاً قاسياً حول شرعية الحكومات العربية، فيما ألقت بظلال كثيفة على تصور الحركات الإسلامية للعمل السياسي ورفع سقف طموحاتها في التغيير وإقامة «الدولة الإسلامية الموعودة». ويكاد يتوافق كبار مؤرخي الفكر الإسلامي على أنّ تلك الثورة كانت «نقطة تحول» نوعية في العمل الإسلامي دفعت به إلى محاولة استنساخ التجربة، حتى وإن كان ذلك بأدوات مختلفة، وقد برز الأثر الفوري في كتاب زعيم حركة الجهاد الفلسطينية السابق، فتحي الشقاقي «الخميني.. الحل الإسلامي والبديل»، الذي كتبه بعد الثورة مباشرةً.

الاختراق الرئيس الذي حقّقته الثورة، آنذاك، أنّها أحيت الأمل لدى «أنصار» الحركات الإسلامية بإمكانية تحقيق «الوعد المنتظر»، الذي يشكل ثيمة رئيسة لديها، ألا وهو إقامة دولة إسلامية، وقلب الأوضاع السياسية العربية التي تخضع لحكومات «علمانية»، وقد أصبح ذلك بنظر الإسلاميين «هدفاً واقعياً»، طالما أنّ الثورة تمكّنت من الإطاحة بنظام الشاه الحديدي.

ربما كانت الحركات الإسلامية بحاجة إلى منح نفسها تلك الجرعة الكبيرة من «الثقة بالنفس»، بعد الهزائم العسكرية التي مُنيت بها في صدام السلطة في عدة دول عربية، مصر وسورية، والملاحقة الدائمة لها في دول أخرى، كالعراق وتونس. فيما مثّلت الثورة للتيار الإسلامي الفلسطيني بارقة أمل بوجود «حليف إسلامي» غير عربي، يمكن أن يعوّض حالة الإخفاق المتسلسل في قلب المعادلة الدولية والإقليمية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

وعلى رغم أنّ تلك «الآمال» تحطّمت على صخرة الحرب العراقية- الإيرانية، فتورطت «الثورة الإسلامية» في صراع طويل استنزفها، وتصدّع شعار «تصدير الثورة» تحت وطأة تيه الشارع العربي بين مشاعره القومية والإسلامية، إلاّ أنّ ذلك لم يكن ليكسر الأثر الأهم الذي ألقته «الثورة» لدى الإسلاميين، ألا وهو إقامة الدولة الإسلامية السنية، ذات الصيغة الثورية، لا التقليدية، كما قامت الدولة الإسلامية الشيعية.

وهج الثورة عاد ليسطع مجدداً مع حقبة الرئيس أحمدي نجاد، بعد احتلال العراق، وقد استطاع بخطابه المعادي لإسرائيل والمتحدي للولايات المتحدة، والداعم لكل من حماس وحزب الله أن يحدّ من النزعة الشعبية المستاءة من السياسات الإيرانية في العراق، ويقرّب أيضاً من عمق «الفجوة» الطائفية، ويستعيد صورة إيران الثورية مع حرب لبنان في صيف 2006.

إلاّ أنّ الانتخابات الرئاسية الأخيرة، غيّبت تلك الصورة التي بدأ برسمها نجاد، فاحتل التساؤل عن حيثيات المشهد الداخلي الإيراني زوايا الرؤية لدى أنضار الحركة الإسلامية وأفرادها، وطرح ذلك، لأول مرة منذ عقود، سؤال «مشروعية الغاية»، أي إقامة الدولة الإسلامية، في إطارها الكلاسيكي، الذي عبّر عنه كثير من كتاب ومفكري الحركة الإسلامية.

بلا شكّ، ثمة اختلافات جوهرية واضحة وجليّة بين الفكر السياسي الشيعي والسني، مما يسمح لقيادات الحركات الإسلامية العربية بالتفلت من «إسقاطات» الانتخابات الإيرانية، لكن ذلك لا يمنع من اشتقاق العديد من السمات المشتركة والمتشابهة، بخاصة في الحيثيات الاجتماعية والسياسية العامة، التي تلقي بظلال واسعة من الشك على واقعية الحلم السياسي الإسلامي، الذي بقي الإسلاميون يعدون به الجماهير حيناً طويلاً من الزمن.

وبعيداً عن جدل شرعية الانتخابات الإيرانية، فإنّ المؤشر المهم والحيوي يتمثل بتوجه الشباب الإيراني والنساء والمثقفين والفعاليات المجتمعية الإصلاحية التي كانت قبل ثلاثة عقود وقود الثورة وروافعها المتينة، تتحول اليوم إلى «الاتجاه المعاكس» لتخوض معركة الثورة المضادة. ولعلّ رمزية موقف عدد من الفقهاء، وفي مقدمتهم آية الله منتظري، في التحول من ولاية الفقيه إلى المطالبة بإلغائها بمثابة دلالة رئيسة في حجم الإخباط وخيبة الأمل من «نموذج الدولة الإسلامية» الموعودة.

بالرغم من الفروقات الفقهية والمذهبية، فإنّ الهزّة الكبرى قد أصابت، فعلاً، مفهوم الدولة الإسلامية بصيغته العامة، ليس فقط المذهبية الشيعية، بل السنية أيضاً، سواء ما يتعلّق بسؤال الحريات العامة (حرية التعبير والرأي، حرية التجمع والتظاهر، حرية الإعلام) أم الحريات الشخصية (حرية اللباس، الطعام، العلاقات الاجتماعية، الغناء، ..) أم الحريات السياسية (القيود الدينية والشرعية…).

فهذه العناوين العريضة، تشكل قاسماً مشتركاً بين الخطاب الإسلامي الكلاسيكي بشقيه السني والشيعي، وليست خاصة بالنموذج الإيراني فقط، بل لها حضورها في «غزة حماس» (هذه الأيام)، وسابقاً لدى «نموذج طالبان» في أفغانستان، وحتى بعض تطبيقاتها الجزئية في وادي سوات بباكستان، ولدى الشباب المجاهدين في الصومال.

ولعلّ ما يفسر «انتفاضة الإصلاحيين» ضد الرئيس نجاد، وهذا الزخم الاجتماعي الواسع الذي حظيت به هذه المرة هو طبيعة حكم نجاد خلال الحقبة الأولى، وتصوره المتشدد لنموذج الدولة الإسلامية، إذ ألغى «المساحة الضمنية» التي عقدها المحافظون، سابقاً، بصورة غير رسمية ومعلنة مع الأجيال الشبابية الصاعدة، وذلك بالتغاضي عن بعض الممارسات الاجتماعية التي تُعارض القوانين المطبقة والتعليمات الصادرة، مما منع التطورات سابقاً أن تصل دوما إلى نقطة الصدام الحادة، كما حصل في الأيام الأخيرة.

ومن الإصلاحيين الإيرانيين إلى الإصلاحيين الإسلاميين العرب، ثمة قواسم مشتركة تتمثل بالدعوة إلى مراجعة «المقولات الأيديولوجية»، التي تأسست عليها الحركات الإسلامية وتجديد منطلقاتها وعقد مصالحات بينها وبين الواقع السياسي والاجتماعي اليوم، بعيداً عن «المثالية الكلاسيكية»، التي طغت على خطاب الحركات الإسلامية خلال العقود السابقة.

فعلى مقربة من «النموذج الإيراني»، الذي يتبدّى اليوم في حالة تراجع وشيخوخة، تحقق التجربة الإسلامية التركية الصاعدة اختراقات ملموسة، وتحظى بتأييد الشباب التركي والقطاعات الحيوية في المجتمع، و تكمن دلالتها الرئيسة في أنّها تقفز تماماً على «غائية الدولة الإسلامية» والوعود التقليدية للحركات الإسلامية، وتضرب مثالاً مغايراً يقوم على الواقعية والعلمانية السياسية في سياق من القيم الإسلامية العامة، وهي تقترب بذلك من نمط الأحزاب المسيحية الديمقراطية الغربية.

عودٌ على بدء؛ إلى أي مدى تلقي الانتخابات الإيرانية الأخيرة بظلالها على الحركات الإسلامية فتسارع بها إلى مراجعات أكثر جدية وجذرية؟. ذلك سؤال يتطلب الجواب عليه رصد «المخاضات الفكرية» والسجالات داخل هذه الحركات خلال المرحلة المقبلة.

عن جريدة الحياة 4/7/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق