صراع على الحرية بين الدينيين والعلمانيين

تشكل مسألة الحرية جذرا معرفيا رئيسا في الخلاف بين العلمانيين والدينيين. فعلى الرغم من أن النزاع على السلطة، الذي يشكل مآلا لأغلب الصراعات بين التيارات الثقافية المعنية بالقضايا الاجتماعية والسياسية، شكل دوما ميدان الصراع بين هذين الفريقين، إلا أن جوهر الصراع بينهما يتركز على حرية الإنسان في تفكيره واعتقاداته واختياره للتشريعات حسب ما يراه أصلح لحياته. وقد كانت هذه الحرية دوما منطلقا لتصدي العلمانيين للدينيين، بغض النظر إن امتلك هؤلاء الأخيرون كنيسة أو مؤسسة دينية أو بقوا ضمن سلطات مبعثرة، تقوى حينا وتضعف حينا آخر حسب النظام السياسي القائم في كل بلد.

فبينما تقتصر رؤية الدينيين للحرية على أنها في أحسن أحوالها حرية الاختيار بين الخير والشر حسب ما هو مُنزل في النصوص الإلهية، يعتقد العلمانيون أن الإنسان يستحق أن يمتلك حرية مطلقة في ما يتعلق بالتفكير والاعتقاد والضمير، وحرية نسبية مقننة على صعيد السلوك الاجتماعي، محدودة بحدود حريةالأفراد الآخرين المتساوية. فإن كان بالإمكان إيجاد تسوية، ولو صعبة، بين هذين الفريقين على صعيد الحرية المسلكية، تعتمد الاتفاق على وضع حدود تحول دون التسبب بالأذية للآخرين المتشاركين في الكيان الاجتماعي المحدد، فإن حرية الاعتقاد، وخاصة الديني، مازالت عصيّة على تسوية كهذه، وهي بحاجة للكثير من الحوار، وللصراع أيضا، شرط أن يكون صراعا سلميا.

فالدينيون في بلداننا يتهربون دوما، عند طرح مبحث حرية الإنسان، من التطرق إلى حرية الاعتقاد ويحرفون البحث صوب السلوك والنشاط الاجتماعي فقط. ذلك لأنهم ينظرون للإنسان على أنه كائن مسلكي وليس كائنا عاقلا قادرا على التفكير وتمييز الصالح من الضار له، وقادرا على تفسير الأمور والظواهر وإيجاد عللها وسننها. فالعقل بالنسبة لهم ليس أكثر من ملكة لحفظ التعاليم والوصايا المُنزلة أو المقدسة تحت سطوة العقاب والثواب الدنيويَّين أو الأخرويين. والإنسان، عندهم، ليس قادرا على إنشاء المعرفة، وأقصى ما يمكنه هو السعي في تفسير معرفة ناجزة، منصوصة وسابقة لوجوده. وحتى هذه المقدرة على التفسير ليست معطاة أو متاحة لجميع الناس بل تختص بها نخبة مصطفاة.

هذا التصور أو الموقف نجد له مثالا جليا في مقال الأستاذ أبو يعرب المرزوقي المنشور في هذا الموقع بعنوان “تعقيب على ياسين الحاج صالح: انتهت الدولة العلمانية كما انتهت الدولة الدينية”. فالحرية عنده صنفان: علمانية مذمومة تقتصر على انفلات من النواظم والضوابط المسلكية الاجتماعية، وإسلامية محمودة تقرّها الدولة الدينية حيث تتيح حرية العبادة لغير المسلمين و”تتيح” للمسلمين الاختيار بين المذاهب الفقهية الإسلامية. نقرأ ذلك في ما قاله “مصححا” للعلمانيين “وهمهم” بوجود “شبكة الأحكام في الدولة الدينية وخلو الدولة العلمانية منها” (!!)، و”وهمهم” بوجود “دولة دينية […] كل شيء فيها مقنن ودولة علمانية […] تعتمد على الحرية المطلقة!” (!!). كذلك فإنه لا يجد تمايزا في طبيعة مصدر هذه الأوامر وفي طبيعة علاقة الفرد معها، في إطار مقارنته بين الدولة الدينية والعلمانية، حيث يعتبر أنه لا “وجود لنظام سياسي بدون شبكة من الأوامر والنواهي” (!!)، وما يراه من فارق بينهما واقع “باختلاف الوظيفة وليس باختلاف الطبيعة”. ويؤكد على هذا التماثل مرة ثانية، في إطار محاججته للعلمانيين في رأيهم بقسرية الدولة الدينية وأحكامها، فلا يرى فارقا على هذا المستوى بين الدولة الدينية، حيث مصدر الأحكام والتشريعات فيها إلهيا، وبين الدولة العلمانية ذات المرجعية التشريعية البشرية، ويعتبر “أن نسبة الدولة العلمانية إلى القوانين التي تضبط سلوكهم لا تختلف في شيء عن نسبة الدولة الدينية إلى الشرائع التي تضبط سلوكهم”. فبرأيه أن الفارق في مشاعر الناس تجاه الدولة الدينية والدولة العلمانية عائد لتربيتهم على هذه الأحكام واعتيادهم عليها: “أليس عدم الشعور بوطأة تلك الشبكة الضابطة [في الدولة العلمانية] علته تحوُّل تلك القوانين إلى تربية وتقاليد أو عوائد تجعل المرء لا يشعر فيها بالفرض الخارجي؟ لكن هل ينفي عدم الشعور الناتج عن التربية طبيعتها، أعني كونها شبكة من الأوامر والنواهي مثلها مثل فقه الدولة […] الإسلامية؟ فلم لا نقترض نفس الشيء بالنسبة إلى الأوامر والنواهي الفقهية لو ربي عليها الناس تربية تجعلها من الأمور المعتادة فلا يشعر الناس بطابعها القسري؟”، مضيفا أن “الشعور بها قبل التربية أمرا خارجيا مفروضا عليها والشعور بها بعدها أمرا ذاتيا مقبولا بحكم العادة والتربية”، بل ويؤكد مرة أخرى أن “الفرق لا يتعلق بوجود الأوامر والنواهي وعدم وجودها، بل باختلاف مجالات التشريع أولاً وبكونها صارت من العادات أو لم تصر”. فهو بكل هذا التأكيد يصر على إقالة العقل من دوره المناط به، ويحرم الإنسان مقدرته على التفكير والتمييز، جاعلا منه كائنا قابلا للتدجين من قِبل أشخاص تمكّنوا من الوصول إلى السلطة بطريقة ما، ولو عبر تداول يتوقع له المرزوقي ألا يدول بعد تدجين الشعب وتعوّده على الأحكام القسرية.

أعتقد أنه يصعب على المرزوقي، وعلى الدينيين عموما، القبول معنا بأن فارقا مهما وكبيرا يقوم بين الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات وبين طبيعتها البشرية. وهذا الفارق لا يتأتى من مسألة التربية، رغم أن فارقا آخر يقوم بين أهداف الدينيين من التربية وأهداف العلمانيين: فالدينيون يريدون منها (حسب المرزوقي أعلاه) تدجين الناس وقمع ملكة التفكير عندهم، بعكس العلمانيين الذين يريدون منها تعزيز حرية التفكير والحكم. وأما الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات فإنها تحول دون تمكن الإنسان من البحث فيها، فكيف بالاعتراض عليها أو محاولة تغييرها بما يراه مناسبا لحياته ومعاشه. وبالتالي فإن الإنسان في هذه الحالة يكون فاقدا حريته. أما في الحالة الثانية، حيث المصدر البشري للتشريعات والأحكام، فللإنسان كامل الحق بإنتاج وبإعادة إنتاج كل القوانين والتشريعات في الدولة التي يعيش فيها، وبسبب هذه الطبيعة البشرية غير القدسية سيكون مباحا له انتقاد كل التشريعات القائمة وإعادة صياغتها بما يخدم الاتساع في حريته.

ليست حرية الإنسان ولا حرية الاعتقاد محور مقال المرزوقي، بل كان يجتهد في تطوير مقولة للتسوية بين العلمانيين والدينيين أو الإسلاميين (طبعا لن أجاري المرزوقي في استخدامه مصطلح “الأصلانيين” لعدم نزاهته المعرفية) كان اقترحها ياسين الحاج صالح، محاولا إيجاد تسوية سلمية للصراع بين العلمانيين والدينيين من خلال إقامة “كونفدرالية اعتقادية” (وكون مقالة الحاج صالح جاءت كـ”تمرين للتفكير” فهذا يحد من إمكانية تناولها، لكن يمكن ملاحظة أن تغيّرا في آرائه بدا في هذا البحث، وفي هذا الموقع، وفي قراءته للقرضاوي، وأنه يمكن الاتفاق معه على أغلب الحيثيات التي ساقها خدمة لفكرته). وكان اجتهاد المرزوقي، الذي راقت له الفكرة، أنه من الأفضل أن يتم ذلك عبر تداول الدولة بين سلطتين دينية وعلمانية. لكن وبغض النظر عن أن فكرة هذا التداول للدولة (وليس فقط للسلطة) لا تستأهل البحث والتعليق، لكون عوامل بناء الدولة بعيدة كل البعد عن هذه الحسابات، إلا أن موضوع تسوية هذا الصراع بين التيارين تستحق الاهتمام والاقتراح.

أعتقد أن هذه التسوية لا تجد في الحقل السياسي “الحزبي”، حيث المؤسسات والقوانين والسلطات، بيئة مناسبة لها، بل في الحقل الثقافي حيث الاعتقاد والرأي والحوار. ففي هذا الحقل ليس من غضاضة من بقاء هذا الصراع واستمراره في إطار معرفي حتى لو كان الموضوع سياسيا. فهنا التسوية تكتفي بالاتفاق على سلمية الصراع وليس على رسم الحدود والتخوم. وبالتالي فإن الأمر هنا يقع على عاتق الإسلاميين الذين مازالوا يشرّعون العنف في مواجهة الكافر والمرتد، وليس فقط في مواجهة الظالم والمستبد.

إن الفكر العلماني ينطلق أساسا من مقولة حرية الإنسان المطلقة ومواجهة كل ما من شأنه أن يحدها. ولا يشتمل هذا الإطلاق الحرية السلوكية بل يقتصر على حرية التفكير، وخصوصا حرية الاعتقاد الديني، التي لا يمكنها أن تشكّل انتهاكا أو اختراقا لحريات الآخرين في تفكيرهم واعتقاداتهم. لهذا اعتبرنا دوما أن قبول الإسلاميين بحرية الاعتقاد سيكون فاتحة لأي تسوية، لكنهم مازالوا يتهربون من مجرد النقاش فيها، كما فعل المرزوقي في مقاله. واعتبرنا أن لحرية الاعتقاد أهمية حياتية ومجتمعية راهنة وملحة، على الأقل في سوريا حيث نخشى من أن يؤدي الإحساس بالطغيان أو بالجور السياسي والحقوقي على أساس المعتقد الديني أو المذهبي أو الطائفي إلى إضعاف الاجتماع السوري، بعد أن تمكنت سوريا من العيش فترات مهمة من تاريخها ضمن مناخ من التسامح الديني والحرية الاعتقادية، حيث راج بين أفراد شعبها القول: “كل مين على دينو الله يعينو”، أي أن لكل شخص الحق بممارسة اعتقاداته الدينية من دون أن يترتب تجاهه موقف تكفيري. وإذ كنا نوقن أن الموّلد للفرقة الدينية الراهنة مصدره الحقل السياسي، إلا أننا نلحظ أن التفكير الديني هو الذي يدفع بثقافة الناس نحو انتهاك حرية الاعتقاد، وهو الذي يفرّط بمبدأ التسامح الديني. من هنا فإن الحراك العلماني في سوريا ليس منشغلا بقضية فصل الدين عن الدولة أسوة بالنموذج الغربي، لعدم وجود مؤسسات دينية مهيمنة على السلطة السياسية، بل ما لدينا هي سلطات دينية متوزعة بين مؤسسات الدولة وبين مرجعيات دينية تتنامى في الحقل العام، وهي ليست متعاونة بنشر ثقافة حرية الاعتقاد، التي من شأنها، في حال اتسع نطاقها أكثر بين أوساط المؤمنين، أن تحد من الغلو الديني الإسلامي المتطرف.

ولا تقتصر رؤيتنا إلى أهمية حرية الاعتقاد على الجانب الديني فقط، بل نرى الحاجة إلى حرية الاعتقاد الفكري عموما في مواجهة انتشار الثقافة التكفيرية على مجمل ثقافاتنا وخطاباتنا، حيث يتوافر العديد ممن يكفّر صاحب رأي مخالف لرأيه في أي موضوع كان، خاصة السياسي. وقد نجد من بين دعاة أو مطالبي حرية الاعتقاد، مؤخرا، من يرى في طرح القول العلماني في سوريا “ردة” عن الفكر القويم والصالح إلى خدمة السلطة المستبدة. فهؤلاء اللاعلمانيون مازالوا محكومين بتفكير جمعوي يحرّم على الفرد تفرده باعتقاد غير ما تعتقد به الجماعة الواحدية، ويحكمون على أي منشق عنها بحكم المرتد. هذا الحكم الذي لم يُقم إسلاميا، كما بات معروفا، على أساس الاختلاف العقيدي بل على أنه انشقاق عن الجماعة وإضعاف لها.

إن دولة تحتمل بين مكوناتها وجود علمانيين ودينيين كاملي الحقوق ومتساويها، وتقبل لنسائها أن يتساوين حقوقيا بشكل مطلق مع رجالها، وتعتبر الشعب هو مصدر التشريع فيها، لا شك أن دولة كهذه ليست ما يقصده العلمانيون بالدولة الدينية، ولا تحتاج لسلطات تداولية بين العلمانيين والدينيين. فمثل هذا التداول أو “التجازر” على أساس الاعتقاد أو الدين هو من اشتغال الفكر الديني، فوحده الذي يمكنه تصور قيام الاجتماع البشري على بُنى اعتقادات الناس، وينظر إليهم على أنهم مجرد مؤمنين أو غير مؤمنين، ويعجز عن صياغة أي علاقة تشاركية بينهم، فيلجأ إلى اعتماد آليات فصل بينهم، يقبل بأن تكون سلمية من دون أن ينبذ عنفيتها.

يزعم الفكر العلماني بإمكانية إقامة دولة محايدة عقائديا، تُحترم فيها حرية الاعتقاد وتكون من أهم أركانها، دستوريا وإجرائيا، وأنها قادرة على أن تكون دولة لجميع أفرادها، بغض النظر عن اعتقاداتهم مهما تطرفت وعن تفكيرهم مهما شط (مع التفريق هنا بين حرية الاعتقاد والضمير وحرية التعبير). ويعتبر هذا الفكر أن الدولة العلمانية الغربية، بما أنتجته من تنوع في صيغها، وبسعيها المستمر لتحقيق هذا الزعم، يمكن أن تشكل مثالا صريحا لهذه الإمكانية، بغض النظر عن مأخذ الإسلاميين على جوانب الأخلاق العامة في الغرب، وخاصة ما يتعلق منها بوضع المرأة وأحوال الجنس، كون نظرتهم إلى الحرية قاصرة ومقتصرة على مثل هذه الجوانب. فيعتبرون أن هذا هو مجمل المنجز العلماني، لعدم تمكّنهم من رؤية حرية الاعتقاد، التي لا يقدّروها ولا يقبلون بها أساسا.

 تشكل مسألة الحرية جذرا معرفيا رئيسا في الخلاف بين العلمانيين والدينيين. فعلى الرغم من أن النزاع على السلطة، الذي يشكل مآلا لأغلب الصراعات بين التيارات الثقافية المعنية بالقضايا الاجتماعية والسياسية، شكل دوما ميدان الصراع بين هذين الفريقين، إلا أن جوهر الصراع بينهما يتركز على حرية الإنسان في تفكيره واعتقاداته واختياره للتشريعات حسب ما يراه أصلح لحياته. وقد كانت هذه الحرية دوما منطلقا لتصدي العلمانيين للدينيين، بغض النظر إن امتلك هؤلاء الأخيرون كنيسة أو مؤسسة دينية أو بقوا ضمن سلطات مبعثرة، تقوى حينا وتضعف حينا آخر حسب النظام السياسي القائم في كل بلد.

فبينما تقتصر رؤية الدينيين للحرية على أنها في أحسن أحوالها حرية الاختيار بين الخير والشر حسب ما هو مُنزل في النصوص الإلهية، يعتقد العلمانيون أن الإنسان يستحق أن يمتلك حرية مطلقة في ما يتعلق بالتفكير والاعتقاد والضمير، وحرية نسبية مقننة على صعيد السلوك الاجتماعي، محدودة بحدود حريةالأفراد الآخرين المتساوية. فإن كان بالإمكان إيجاد تسوية، ولو صعبة، بين هذين الفريقين على صعيد الحرية المسلكية، تعتمد الاتفاق على وضع حدود تحول دون التسبب بالأذية للآخرين المتشاركين في الكيان الاجتماعي المحدد، فإن حرية الاعتقاد، وخاصة الديني، مازالت عصيّة على تسوية كهذه، وهي بحاجة للكثير من الحوار، وللصراع أيضا، شرط أن يكون صراعا سلميا.

فالدينيون في بلداننا يتهربون دوما، عند طرح مبحث حرية الإنسان، من التطرق إلى حرية الاعتقاد ويحرفون البحث صوب السلوك والنشاط الاجتماعي فقط. ذلك لأنهم ينظرون للإنسان على أنه كائن مسلكي وليس كائنا عاقلا قادرا على التفكير وتمييز الصالح من الضار له، وقادرا على تفسير الأمور والظواهر وإيجاد عللها وسننها. فالعقل بالنسبة لهم ليس أكثر من ملكة لحفظ التعاليم والوصايا المُنزلة أو المقدسة تحت سطوة العقاب والثواب الدنيويَّين أو الأخرويين. والإنسان، عندهم، ليس قادرا على إنشاء المعرفة، وأقصى ما يمكنه هو السعي في تفسير معرفة ناجزة، منصوصة وسابقة لوجوده. وحتى هذه المقدرة على التفسير ليست معطاة أو متاحة لجميع الناس بل تختص بها نخبة مصطفاة.

هذا التصور أو الموقف نجد له مثالا جليا في مقال الأستاذ أبو يعرب المرزوقي المنشور في هذا الموقع بعنوان “تعقيب على ياسين الحاج صالح: انتهت الدولة العلمانية كما انتهت الدولة الدينية”. فالحرية عنده صنفان: علمانية مذمومة تقتصر على انفلات من النواظم والضوابط المسلكية الاجتماعية، وإسلامية محمودة تقرّها الدولة الدينية حيث تتيح حرية العبادة لغير المسلمين و”تتيح” للمسلمين الاختيار بين المذاهب الفقهية الإسلامية. نقرأ ذلك في ما قاله “مصححا” للعلمانيين “وهمهم” بوجود “شبكة الأحكام في الدولة الدينية وخلو الدولة العلمانية منها” (!!)، و”وهمهم” بوجود “دولة دينية […] كل شيء فيها مقنن ودولة علمانية […] تعتمد على الحرية المطلقة!” (!!). كذلك فإنه لا يجد تمايزا في طبيعة مصدر هذه الأوامر وفي طبيعة علاقة الفرد معها، في إطار مقارنته بين الدولة الدينية والعلمانية، حيث يعتبر أنه لا “وجود لنظام سياسي بدون شبكة من الأوامر والنواهي” (!!)، وما يراه من فارق بينهما واقع “باختلاف الوظيفة وليس باختلاف الطبيعة”. ويؤكد على هذا التماثل مرة ثانية، في إطار محاججته للعلمانيين في رأيهم بقسرية الدولة الدينية وأحكامها، فلا يرى فارقا على هذا المستوى بين الدولة الدينية، حيث مصدر الأحكام والتشريعات فيها إلهيا، وبين الدولة العلمانية ذات المرجعية التشريعية البشرية، ويعتبر “أن نسبة الدولة العلمانية إلى القوانين التي تضبط سلوكهم لا تختلف في شيء عن نسبة الدولة الدينية إلى الشرائع التي تضبط سلوكهم”. فبرأيه أن الفارق في مشاعر الناس تجاه الدولة الدينية والدولة العلمانية عائد لتربيتهم على هذه الأحكام واعتيادهم عليها: “أليس عدم الشعور بوطأة تلك الشبكة الضابطة [في الدولة العلمانية] علته تحوُّل تلك القوانين إلى تربية وتقاليد أو عوائد تجعل المرء لا يشعر فيها بالفرض الخارجي؟ لكن هل ينفي عدم الشعور الناتج عن التربية طبيعتها، أعني كونها شبكة من الأوامر والنواهي مثلها مثل فقه الدولة […] الإسلامية؟ فلم لا نقترض نفس الشيء بالنسبة إلى الأوامر والنواهي الفقهية لو ربي عليها الناس تربية تجعلها من الأمور المعتادة فلا يشعر الناس بطابعها القسري؟”، مضيفا أن “الشعور بها قبل التربية أمرا خارجيا مفروضا عليها والشعور بها بعدها أمرا ذاتيا مقبولا بحكم العادة والتربية”، بل ويؤكد مرة أخرى أن “الفرق لا يتعلق بوجود الأوامر والنواهي وعدم وجودها، بل باختلاف مجالات التشريع أولاً وبكونها صارت من العادات أو لم تصر”. فهو بكل هذا التأكيد يصر على إقالة العقل من دوره المناط به، ويحرم الإنسان مقدرته على التفكير والتمييز، جاعلا منه كائنا قابلا للتدجين من قِبل أشخاص تمكّنوا من الوصول إلى السلطة بطريقة ما، ولو عبر تداول يتوقع له المرزوقي ألا يدول بعد تدجين الشعب وتعوّده على الأحكام القسرية.

أعتقد أنه يصعب على المرزوقي، وعلى الدينيين عموما، القبول معنا بأن فارقا مهما وكبيرا يقوم بين الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات وبين طبيعتها البشرية. وهذا الفارق لا يتأتى من مسألة التربية، رغم أن فارقا آخر يقوم بين أهداف الدينيين من التربية وأهداف العلمانيين: فالدينيون يريدون منها (حسب المرزوقي أعلاه) تدجين الناس وقمع ملكة التفكير عندهم، بعكس العلمانيين الذين يريدون منها تعزيز حرية التفكير والحكم. وأما الطبيعة الإلهية المقدسة لمصدر الأحكام والتشريعات فإنها تحول دون تمكن الإنسان من البحث فيها، فكيف بالاعتراض عليها أو محاولة تغييرها بما يراه مناسبا لحياته ومعاشه. وبالتالي فإن الإنسان في هذه الحالة يكون فاقدا حريته. أما في الحالة الثانية، حيث المصدر البشري للتشريعات والأحكام، فللإنسان كامل الحق بإنتاج وبإعادة إنتاج كل القوانين والتشريعات في الدولة التي يعيش فيها، وبسبب هذه الطبيعة البشرية غير القدسية سيكون مباحا له انتقاد كل التشريعات القائمة وإعادة صياغتها بما يخدم الاتساع في حريته.

ليست حرية الإنسان ولا حرية الاعتقاد محور مقال المرزوقي، بل كان يجتهد في تطوير مقولة للتسوية بين العلمانيين والدينيين أو الإسلاميين (طبعا لن أجاري المرزوقي في استخدامه مصطلح “الأصلانيين” لعدم نزاهته المعرفية) كان اقترحها ياسين الحاج صالح، محاولا إيجاد تسوية سلمية للصراع بين العلمانيين والدينيين من خلال إقامة “كونفدرالية اعتقادية” (وكون مقالة الحاج صالح جاءت كـ”تمرين للتفكير” فهذا يحد من إمكانية تناولها، لكن يمكن ملاحظة أن تغيّرا في آرائه بدا في هذا البحث، وفي هذا الموقع، وفي قراءته للقرضاوي، وأنه يمكن الاتفاق معه على أغلب الحيثيات التي ساقها خدمة لفكرته). وكان اجتهاد المرزوقي، الذي راقت له الفكرة، أنه من الأفضل أن يتم ذلك عبر تداول الدولة بين سلطتين دينية وعلمانية. لكن وبغض النظر عن أن فكرة هذا التداول للدولة (وليس فقط للسلطة) لا تستأهل البحث والتعليق، لكون عوامل بناء الدولة بعيدة كل البعد عن هذه الحسابات، إلا أن موضوع تسوية هذا الصراع بين التيارين تستحق الاهتمام والاقتراح.

أعتقد أن هذه التسوية لا تجد في الحقل السياسي “الحزبي”، حيث المؤسسات والقوانين والسلطات، بيئة مناسبة لها، بل في الحقل الثقافي حيث الاعتقاد والرأي والحوار. ففي هذا الحقل ليس من غضاضة من بقاء هذا الصراع واستمراره في إطار معرفي حتى لو كان الموضوع سياسيا. فهنا التسوية تكتفي بالاتفاق على سلمية الصراع وليس على رسم الحدود والتخوم. وبالتالي فإن الأمر هنا يقع على عاتق الإسلاميين الذين مازالوا يشرّعون العنف في مواجهة الكافر والمرتد، وليس فقط في مواجهة الظالم والمستبد.

إن الفكر العلماني ينطلق أساسا من مقولة حرية الإنسان المطلقة ومواجهة كل ما من شأنه أن يحدها. ولا يشتمل هذا الإطلاق الحرية السلوكية بل يقتصر على حرية التفكير، وخصوصا حرية الاعتقاد الديني، التي لا يمكنها أن تشكّل انتهاكا أو اختراقا لحريات الآخرين في تفكيرهم واعتقاداتهم. لهذا اعتبرنا دوما أن قبول الإسلاميين بحرية الاعتقاد سيكون فاتحة لأي تسوية، لكنهم مازالوا يتهربون من مجرد النقاش فيها، كما فعل المرزوقي في مقاله. واعتبرنا أن لحرية الاعتقاد أهمية حياتية ومجتمعية راهنة وملحة، على الأقل في سوريا حيث نخشى من أن يؤدي الإحساس بالطغيان أو بالجور السياسي والحقوقي على أساس المعتقد الديني أو المذهبي أو الطائفي إلى إضعاف الاجتماع السوري، بعد أن تمكنت سوريا من العيش فترات مهمة من تاريخها ضمن مناخ من التسامح الديني والحرية الاعتقادية، حيث راج بين أفراد شعبها القول: “كل مين على دينو الله يعينو”، أي أن لكل شخص الحق بممارسة اعتقاداته الدينية من دون أن يترتب تجاهه موقف تكفيري. وإذ كنا نوقن أن الموّلد للفرقة الدينية الراهنة مصدره الحقل السياسي، إلا أننا نلحظ أن التفكير الديني هو الذي يدفع بثقافة الناس نحو انتهاك حرية الاعتقاد، وهو الذي يفرّط بمبدأ التسامح الديني. من هنا فإن الحراك العلماني في سوريا ليس منشغلا بقضية فصل الدين عن الدولة أسوة بالنموذج الغربي، لعدم وجود مؤسسات دينية مهيمنة على السلطة السياسية، بل ما لدينا هي سلطات دينية متوزعة بين مؤسسات الدولة وبين مرجعيات دينية تتنامى في الحقل العام، وهي ليست متعاونة بنشر ثقافة حرية الاعتقاد، التي من شأنها، في حال اتسع نطاقها أكثر بين أوساط المؤمنين، أن تحد من الغلو الديني الإسلامي المتطرف.

ولا تقتصر رؤيتنا إلى أهمية حرية الاعتقاد على الجانب الديني فقط، بل نرى الحاجة إلى حرية الاعتقاد الفكري عموما في مواجهة انتشار الثقافة التكفيرية على مجمل ثقافاتنا وخطاباتنا، حيث يتوافر العديد ممن يكفّر صاحب رأي مخالف لرأيه في أي موضوع كان، خاصة السياسي. وقد نجد من بين دعاة أو مطالبي حرية الاعتقاد، مؤخرا، من يرى في طرح القول العلماني في سوريا “ردة” عن الفكر القويم والصالح إلى خدمة السلطة المستبدة. فهؤلاء اللاعلمانيون مازالوا محكومين بتفكير جمعوي يحرّم على الفرد تفرده باعتقاد غير ما تعتقد به الجماعة الواحدية، ويحكمون على أي منشق عنها بحكم المرتد. هذا الحكم الذي لم يُقم إسلاميا، كما بات معروفا، على أساس الاختلاف العقيدي بل على أنه انشقاق عن الجماعة وإضعاف لها.

إن دولة تحتمل بين مكوناتها وجود علمانيين ودينيين كاملي الحقوق ومتساويها، وتقبل لنسائها أن يتساوين حقوقيا بشكل مطلق مع رجالها، وتعتبر الشعب هو مصدر التشريع فيها، لا شك أن دولة كهذه ليست ما يقصده العلمانيون بالدولة الدينية، ولا تحتاج لسلطات تداولية بين العلمانيين والدينيين. فمثل هذا التداول أو “التجازر” على أساس الاعتقاد أو الدين هو من اشتغال الفكر الديني، فوحده الذي يمكنه تصور قيام الاجتماع البشري على بُنى اعتقادات الناس، وينظر إليهم على أنهم مجرد مؤمنين أو غير مؤمنين، ويعجز عن صياغة أي علاقة تشاركية بينهم، فيلجأ إلى اعتماد آليات فصل بينهم، يقبل بأن تكون سلمية من دون أن ينبذ عنفيتها.

يزعم الفكر العلماني بإمكانية إقامة دولة محايدة عقائديا، تُحترم فيها حرية الاعتقاد وتكون من أهم أركانها، دستوريا وإجرائيا، وأنها قادرة على أن تكون دولة لجميع أفرادها، بغض النظر عن اعتقاداتهم مهما تطرفت وعن تفكيرهم مهما شط (مع التفريق هنا بين حرية الاعتقاد والضمير وحرية التعبير). ويعتبر هذا الفكر أن الدولة العلمانية الغربية، بما أنتجته من تنوع في صيغها، وبسعيها المستمر لتحقيق هذا الزعم، يمكن أن تشكل مثالا صريحا لهذه الإمكانية، بغض النظر عن مأخذ الإسلاميين على جوانب الأخلاق العامة في الغرب، وخاصة ما يتعلق منها بوضع المرأة وأحوال الجنس، كون نظرتهم إلى الحرية قاصرة ومقتصرة على مثل هذه الجوانب. فيعتبرون أن هذا هو مجمل المنجز العلماني، لعدم تمكّنهم من رؤية حرية الاعتقاد، التي لا يقدّروها ولا يقبلون بها أساسا.

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق