صلاح الإسلام: بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان 8/8

إصلاح الإسلام: بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان 8/8

8 ـ من التّربية الجنسيّة الدينيّة

إلى التّربية الجنسيّة العلميّة

إصلاح التّربية الجنسيّة، بتدريسها بعلوم النّكاح والطب والنّفس، في المرحلتين الابتدائيّة والثانويّة رهان أساسي، لأنّه يساعد على استبطان الأجيال الصّاعدة للحريّة الجنسيّة، بما هي تصرّف الفرد المستقل في جسده، وفرجه، وبما هي معانقة لجميع غرائز الحياة، ونفور وتنفير من غريزة الموت، بما هي إماتة للجسد بالحرمان، مَن استبطن الحريّة الجنسيّة، لن تسكن رأسه شياطين التعصّب الدّيني، أي الخوف الهستيري من المختلف والمخالف.

وراء جل حركاتنا، وسكناتنا، ورغباتنا، وأحلامنا وفانتزماتنا، يوجد محرّك خفيّ هو الرّغبة الجنسيّة، التي ليس من السّهل ترويضها. طبعاً توجد عدّة انعطافات كفيلة بحرف الغريزة الجنسيّة، عن التحقيق، أشهرها التّسامي. التّسامي بها في الأنشطة السياسيّة، والإنسانيّة، والدينيّة، والعلمية، والأدبية أو الرياضية. اتضح مثلاً، أن الانغماس في النضال الحزبي يضعف الرغبة الجنسية، وكذلك الانغماس في الأنشطة الفكريّة. سبنيوزا، أحب في الـ 22 عاماً أستاذته في اللغة اللاتينية. لكن سرعان ما هجرته، بعد بضع علاقات جنسية، وتزوجت غيره؛ صدمه هجرانها، فلم يمارس الحب بعدها. تعويضاً لحبه الضائع، كتب مأثرة حياته “الإطيقا” أي الأخلاق. ربحت البشرية المفكرة كتابه، وخسر هو حياته الجنسية! ربما، ليس صدفة، أنه مات في الـ 45 عاماً؛ كانط، لم يمارس الحب إلا مع الكتب؛ الإمام الشافعي لم يتزوج، ولم يعرف عنه أنه امتلك جارية أو غلاماً. ومازال الشوافع يتكتمون خجلاً عن حقيقة أن إمامهم لم “يمتلك نصف دينه”، عكساً للأمة السنة الثلاثة. والمعري لم ينكح يوماً، وكذلك خليل جبران…

التّسامي بجميع الرّغبات الجنسيّة هو، في نظري انتحار. “ليلة واحدة كان الصّباح لها جبيناً”، تساوي التّسامي بالإبداع الأدبي والفني والفلسفي العمر كله.

عدوانية الإنسان، المبرمجة في دماغه منذ ألوف السّنين، عندما كان كانيبال أي يأكل لحوم البشر، سحيقة الغور. تتجلّى في السّلوك العدواني: من العدوان على الرضيع إلى إعلان الحرب! حسب الفرد أن يتسامى بمخزونه العدواني في الأنشطة المهنية، والعلمية والإبداعيّة. مثلاً، السادي بإمكانه التّسامي بساديته بأن يصبح جراحاً جيداً. يمكن لكل منا أن يتسامى برغباته الجنسية، التي يمنع تحقيقها القانون الوضعي العقلاني، مثل الرغبة في الاغتصاب، المتأصلة في النفسية البشرية الذكوريّة. ألم يعاين فرويد: “ما من رجل حللته إلا وهو يودّ الاغتصاب”! أمّا التسامي بجميع رغباتنا الجنسية، فهذا عقاب ذاتي قاس ووخيم العواقب. بإمكاننا، أن نحقق رغباتنا المنحصرة في الجنس بين الراشدين الراضين، ونتسامى بالباقي وهو كثير. 

 

 

رهانات الانتقال من التّربية الجنسيّة التقليديّة والدينيّة

إلى التّربية الجنسيّة العلميّة:

هذه الرّهانات الكبرى هي:

 

1ـ تحرير ضمير الأجيال الطالعة الأخلاقي، من الشعور بالعار والشعور بالذنب من ممارسة الحريّة الجنسيّة، أي الجنس بين الرّاشدين الرّاضين.

 

2ـ تفكيك مشروعيّة التّربية الجنسيّة الدينيّة، بالعلم، هو المدخل للتّحرير من مشاعر العار والذّنب.

 

3ـ التّأكيد على أن الحريّة الجنسيّة حق طبيعي، من حقوق الإنسان، لا تفريط فيه.

 

4ـ توضيح الفرق بين غاية الجنس الحيواني وغاية الجنس البشري: الأول غايته الإنجاب حصراً؛ والثاني غايته المتعة الجنسيّة. أما الإنجاب فنتيجة طبيعية له، للحفاظ على النسل وليس غايته الحصرية.

 

5ـ الصراحة الجنسيّة هي وسيلة التربية الجنسية العقلانيّة، لتنوير الطفل والمراهق بحقائق الجنس العضوية والنفسيّة، لوقايته من السقوط ضحية القيل والقال الجنسي.

الشّعور بالعار من ممارسة الحرية الجنسيّة، زرعته التّربية الجنسيّة التقليديّة القائلة بأن على الأبناء ممارسة الجنس كما مارسه آباؤهم، وعلى البنات ممارسة الجنس كما مارسته أمهاتهنّ، أي فقط بالزّواج “على سنّة الله ورسوله”! لكن التربية الجنسيّة العلميّة تؤكّد لنا بأن الآباء والأمهات لم يعودوا اليوم، في عصر انتقال البشرية من حاكمية العقل الإلهي، أي الدّين، إلى حاكمية العقل البشري، أي العلم والتكنولوجيا وحقوق الإنسان، يشكلون مثلاً أعلى لأبنائهم.

الآباء والأمهات ضحوا بحقوقهم الإنسانية على مذبح تقاليد ميتة ومميتة، وأوامر ونواهي دينية غدت متقادمة. أما أبناؤهم، فما عادوا يقبلون بهذه التّضحية، الوخيمة العواقب على صحّتهم الجسديّة والنفسية. إذ أن كبت غرائز الحياة الجنسية، بحصرها في الجنس داخل الزواج، يؤدي إلى الكبت، أي الحرمان. والكبت سبب لأمراض نفسية وجسدية قد تؤدي إلى الجنون.

الشّعور بالذنب ناجم عن انتهاك أوامر ونواهي الأخلاق الجنسيّة الدينيّة، القائلة بتحريم جميع الممارسات الجنسية، بين الراشدين الراضين، خارج الزواج الشرعي؛ يمكن تلخيصها في: “الاحتفاء بالبكارة؛ تحريم الجنس خارج الزواج الشرعي، أو خارج اغتصاب “ملك اليمين” (المعارج 30)، أي الإماء اللواتي يُبعن في سوق النخاسة، للاستمتاع الجنسي، وعددهن غير محدود: مثلاً الخليفة المتوكّل العباسي امتلك منهن 800 جارية ونكحهن جميعاً على ذمة المؤرخين؛ تقذير الأعضاء الجنسيّة بما هي نجسة، تجب الطهارة من مجرّد لمسها ولو سهواً؛ اعتبار المني “ماء مهينا” (8، السجدة)، بينما هو علمياً، أنقى ما في الإنسان السّليم، والذي هو في وقت واحد مصدر المتعة الجنسيّة القصوى عند الرّجل ومصدر الإنجاب. اعتباره مهيناً، أي حقيراً ونجساً يجب غسل الجسد كلّه منه للصّلاة، والحال أنّ البول والغائط لا يوجبان الاغتسال الكامل، بل الجزئي فقط: الوضوء!

الله القرآني، عندما يريد تحقير الإنسان وتذنيبه، يذكّره بأنه خلقه “من ماء مهين”؛ الحث على العفة بما هي الإمتناع عن ممارسة الحب خارج الزواج وخارج اغتصاب العبيد؛ إدانة غرائز الحياة، من الرغبة في الاستمتاع الجنسي إلى الرغبة في الاستمتاع بالفن: غناء، موسيقى، رسم، نحت وتصوير،… وأخيراً شيطنة التربية الجنسية الدينية للجسد حياً ـ ويا للتناقض ـ : تقديسه ميتاً! ـ لماذا؟ لأنه هو الأداة الشيطانية لانتهاك المحرمات الجنسية الدينية. فهو كما قال قائلهم:” الجسد لباس الروح البغيض”. إماتته، بالحرمان الجنسي أو بالشعور الساحق بالعار والذنب، عقاب عادل له!

 

تفكيك “علم” الأجنّة القرآني

“ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين؛ ثم جعلناه نطفة في قرار مكين؛ ثم خلقنا النطفة علقة؛ فخلقنا العلقة مضغة؛ فخلقنا المضغة عظاما؛ ثم كسونا العظام لحماً (…) فتبارك الله أحسن الخالقين”. هذه الآيات، لو شاء سوء حظ طالب، في كلية طب، وكتبها في ورقة امتحانه، لما سقط في الامتحان وحسب، بل ولطرد منها! الإنسان علمياً لم يُخلق من طين، خُلق آدم من أديم الأرض، من صلصال، هي أسطورة سومريّة ترجمها حزيقال في سفر التّكوين وعنه أخذها القرآن؛ تسلسل خلق الجنين نطفة، ثم علقة، ثم مضغة… رواية خيالية لا علاقة لها بأطوار تكون الجنين. المرحلة الأخيرة في “علم” الأجنة القرآني هي “وكسونا العظام لحماً”.

فماذا يقول علم الأجنة الطبي؟ أن تطوّر الإنسان منذ 3,7 مليار عام، ظهرت بكتيريا وحيدة الخلية في المحيط البدائي، ومنها تطورت “شجرة الحياة” النباتية والحيوانية. ومن الفرع الحيواني، وفي مرحلة متأخرة جداً، ظهرت الثدييات، ومنها قرد راما؛ ومن هذا القرد تطوّر الإنسان، منفصلاً عن ابن عمّه الشامبانزي، منذ 7 مليون عام فقط: يشترك الإنسان المعاصر مع الشامبانزي في 98,5% من الجينيات (نسبة الجينيات تحدّد قرب أو بعد انفصال حيوان عن شجرة نسب الآخر بمن في ذلك الحيوان الناطق)، في حين أنّه لا يشترك مع الزّهرة إلا بـ2% من الجينيات، ولا يشترك مع الأرنب إلا بـ70%من الجينيات. وهكذا مع جميع النباتات والحيوانات التي تطور منها.

فما هو الدليل البيولوجي على أن الإنسان مر بجميع أطوار الحيوانات التي تطور منها؟

يمر الجنين، كما يؤكد علم الأجنة، في الأسابيع الـ 3 الأولى بهذه الأطوار جميعاً: من سمكة، فحيوان برمائي، فطائر… إلخ.

 

فماذا يخبرنا علم الأجنّة الطبّي عن أطوار تطوّر الجنين؟

 

 

1ـ يلقح حيوان منوي بويضة المرأة، ثمّ تبدأ البويضة ـ التي لا وجود لها في علم الأجنّة القرآني الذي تصوّر أنّ المرأة أيضاً لها ماء، أي مني، دافق كالرّجل ـ في الانقسام: تنقسم إلى 3 طبقات: الأولى يتكوّن منها المخ والأعصاب؛ الثّانية تتكون منها العظام والعضلات والأوعية الدموية؛ الثالثة تتكون منها الأمعاء والرئتين والكبد. جميع هذه الأعضاء تنمو بالتوازي وليس بالتسلسل الذي تفيده “ثم” القرآنية. اللحم يظهر أولاً. ولا يظهر أول عظم، وهو الترقوة، إلا في نهاية الأسبوع الـ8 من تكون الجنين (انظر د.الجراح كمال النجّار، في “قراءة منهجية للقرآن” ص 153…).

خرافة تكوّن العظام أولاً، ثم يكسوها الله لحماً، تكرّرت مرّة ثانية في تجربة ميدانية أجراها الله نفسه على حمار أمام ناظري صاحبه،: “انظر إلى العظام كيف ننشرها ثم نكسوها لحماً” (259، البقرة): الله أعاد خلق الحمار، أمام ناظري صاحبه فكسي عظامه لحماً… ليبرهن لصاحب الحمار على إمكانية العودة إلى الحياة بعد الموت…

“الماء الدافق” الذي تؤكد الآية أننا خُلقنا منه: “وخلقناكم من ماء دافق يخرج من بين الصلب [=الظهر] والترائب [=أضلاع القفص الصدري]” (7،الطارق). مجرّد تخييل لا أساس له في التشريح الحديث، الذي يقدم لنا الخبر اليقين: الماء الدافق، أي السائل المنوي، يتكون في البروستات. أمّا الحيوان المنوي فيتكون في الخصيتين…

 

ما يجب التحذير منه، في التربية الجنسيّة الدينيّة، هو الأحكام الشرعيّة أو الآيات أو الأحاديث، التي يترتب عن العمل بها مخاطر للطفل مثل آية: “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين”(233،البقرة)، أو “وفصاله [=فطامه] في عامين” (14،لقمان). أما مدة الرضاعة الطبية فتتراوح بين 8 شهور وعام. فإذا استمرت بعد ذلك تصبح خطراً على نمو الشخصيّة النفسيّة للطفل، التي تصاب بالشلل: “الإبقاء على الطفل رضيعاً أكثر من العام الأوّل، يعرضه لخطر البقاء في موقف صبياني جداً طوال حياته”، كما يقول الطب النّفسي؛ من أعراض الرّضاعة لأكثر من عام، رضاعة الرّاشد لإصبعه حنيناً إلى سنّ الرّضاعة، سنّ التبعية للأم، والإعفاء من مسؤوليات الاستقلال عنها، والاعتماد الضروري على الذات؛ أو الحديث الذي يرويه البخاري القائل: “لا عقاب على مغتصب طفل، سوى أن أمه تحرم على عليه”!

كذلك، ينبغي تفكيك الآيات، التي ُيلحق الاعتقاد فيها ضرراً لصحة الإنسان خاصة العقلية، مثل آية: “وهو الذي يتوفاكم بالليل، ويعلم ما جرحتم في النهار، ثم يبعثكم فيه” (60، الأنعام)، أي أن الله يعيد الروح إذا شاء في النهار، أو يقضبها في الليل، فيصبح النائم جثة هامدة! دراسة الدماغ خلال النوم، تثبت أنه يحتفظ بجميع وظائفه الحيوية، وفضلاً عن ذلك يجددها، تنفي قطعاً هذا الزّعم: الذي هو استعادة لأسطورة بدائيّة، كما يؤكّد الإخصائي في الأساطير، مرسيا إلياد، تقول: روح النّائم تفارقه إلى عالم آخر للقاء أرواح الأسلاف. فحيناً تفضل الإقامة معهم وحيناً تعود لصاحبها!

 

 التأكيد على أن الحرية الجنسية حق طبيعي، من حقوق الإنسان، لا تفريط فيه. يشهد لذلك الواقع العالمي اليوم؛ معظم الدّول المتحضرة اعترفت ببراءة جميع الممارسات الجنسيّة، في إطار القانون الوضعي العقلاني، الذي يبيح الجنس بين الرّاشدين الرّاضين. وحدها دول أرض الإسلام، مازالت رهينة أخلاق القرون الوسطى، الحرمانيّة والقمعيّة، في ممارسة الجنس بين الراشدين الراضين؛ باستثناء تركيا الإسلامية، التي أجهزت، منذ دستور 2006 ، على رواسب العقوبات الشرعية في تركيا العلمانية: فألغت عقوبة الزنا والمثلية واعترفت للمسلم بحقه في تغيير دينه. فغدت بذلك قدوة حسنة لجميع النخب الإسلامية القادرة، نفسياً وذهنياً، على معاصرة قيم وحقائق عصرها.

توضيح الفرق بين الحياة الجنسية الحيوانية والنباتية [اعترف بها العلم منذ ق 18] والحياة الجنسية البشرية: هدف الأولى هي الإنجاب حصراً؛ وهدف الثانية هو الاستمتاع الجنسي أولاً. أما الإنجاب فنتيجة طبيعية لغريزة بقاء وتجديد النوع. لذلك، كان بإمكان الشريكين تفاديه، عندما يتفقان على ذلك، سواء بالواقي الذكري، أو بحبوب منع الحمل، أو بالإجهاض الطبي.

غالباً الثدييات لا يقترن فيها الذكر بالأنثى إلا في موسم الغُلمة [=فترة نشاط الثدييات الجنسي، التي تسعى خلالها الحيوانات إلى الاقتران]، ولا يقترن بها إذا كانت حاملاً، أما في النشاط الجنسي البشري، فالجماع متاح للشريكين على مدار العام، حتى أثناء الحمل أو أثناء الحيض. تحريم القرآن للحيض، تقليداً للشريعة اليهوديّة، ليس له مشروعية علمية، جماع الحائض لا تترتب عليه علمياً أي محاذير صحية؛ والبخاري يخبرنا، عن عائشة، أن النبي كان يباشر نساءه أثناء الحيض!

الرّهان الأخير للتّربية الجنسيّة العلميّة، هو الصراحة الجنسيّة. حقائق الجنس العلمية مسكوت عنها، أي يُحظر الحديث فيها بما هي غالباً محرمات دينية، مثل “الزّنا الصحّي” باتفاق الزّوجين كما سنرى ذلك بعد قليل.

 أحد رهانات التربية الجنسية العلمية هو الصراحة، بعيداً عن النّفاق والحياء المرضي. الطفل والمراهق يريدان معرفة كلّ شيء عن الجنس. لكنّهما قلما يجدان المساعدة، في الأسرة والمدرسة التقليديتين. وعندما يسألان ذويهما الجهلة، يتلقون غالباً جواباً كاذباً أو صفعة، أو هما معاً. طفلاً، سألت أمي: منين جبتيني يا بابا [كنت أناديها، بابا وليس ماما بما هي، في لا شعوري، أمّ قضيبية. في 1981 رأيت، وأنا بين نوم ويقظة، قضيبها وخصيتيها]؟ من قبضي، أجابت. لم أفهم ومازلت لا أفهم معنى قبضي [ربما كنّت به عن فرجها]، فسألتُها: واش هو قبضي؟ فصفعتني! منذ ذلك اليوم لم أطرح عليها، ولا على سواها، سؤالاً في الجنس، جاعلاً رغبتي الجنسية دليلي الوحيد. ذات يوم، كنت في كوخ الدّجاج، فجأة دخلت خالتي، فضبطتني متلبساً بجريمة الاقتران بدجاجة. دارت على عقبيها قائلة، لطفل عمره ربما كان أقل من 5 سنوات: “الله يسنخك”، أو يمسخك.

أحببت عمتي الوديعة، بدلاً من أمي الهستيرية، التي عاملتني بقسوة خاصة، قياساً بأخي الأصغر، سواء بالدعاء أو بالتأنيب والتذنيب، أو بالضّرب… كانت تقول لي، وأنا بالتأكيد دون الرّابعة: “علاش ما متش ويبقوا لي بناتي يساعدوني على هم الدّنيا”، وتأمرني بأن أمسك بمقبض الرّحى لطحن الحبوب لإعداد خبزنا اليومي. ذات يوم، فقدت حب عمتي. كانت تسكن، على بعد 10 كيلومتر من كوخنا، قصرا في حالة خراب، كان يسكنه مالك عقاري كبير، دخلت عمتي الغرفة غير المسقفة، المخصصة لعنزاتها، فوجدتني مقترناً بعنز. انتصبت أمامي، وكانت عادة تمشي منحنية، لون وجهها لم يعد كما كنت أعرفه: “صار أنت هكا” [=هكذا] “ماعادش نامنك على بناتي، ارجع لأمك”. وددت لو أن الأرض ابتلعتني، كما كنت أتمنى ذلك عندما كانت أمي، وأنا بعد في الطفولة الباكرة، تحاكمني أمام الجيران: علاش فعلت كذا وكذا… لم أعد أذكر “الجرائم” التي أُحاكم عليها!

أحسست أن شيئاً ما قد انكسر بيني وبينها، لم أعد أطلب من عمتي أن تحك لي ظهري حتى أنام، أو تساعدني على فلي القمل… ذات ليلة كنا، هي وابنها وبناتها وانا، متحلقين حول قدر العشاء، وكنت أتحدث كعادتي بصوت عال متبجحاً… ناسياً تماماً ما حصل. فإذا بها تنقض عليّ فجأة: “اسكت وإلا طلّعت فيك عارة الصيف”. سكت خلال السهرة كلها وتعشيت بلا شهية، ومن حسن حظي أن ابنها وبنتيها لم يسألوها عن هذه “العارة”.

رحل مؤدب القرية، الذي يسمى في مصر سيدنا، فعدت إلى كوخ أمي. وكلما زارتنا عمتي ورأيتها قادمة على البغلة، سارعت بدفن نفسي في كوم القش، المحاذي للكوخ، عميقاً حتى لا تراني. وبعد لحظات قصيرة، أذهب لأسلم عليها بسرعة ثم أتوارى.

لو حدث هذا في سن الـ 25 عاماً، عندما بدأت تربيتي الذاتية الجنسية، لحاولت أن أشرح، والابتسامة على شفتي، لخالتي وعمتي أن الاقتران بالحيوان مباح شرط ألا يؤذيه، ولأخبرتهما أن الاقتران بالحيوان مارسه أطفال وراشدون على مر العصور ومازالوا، وأن النحاتين والرسامين خلدوا مشاهده منذ مئات السنين. ولم أكن لأبالي كثيراً إذا لم يقتنعا، فلم أعد أقيم وزناً لرأي الآخرين خاصة في الجنس؛ حسبي أني فعلت ما أشارت به عليّ غريزتي، ربما لانعدام البديل، بالنسبة إلى طفل ريفي.

 

ضرورة الإجابة على أسئلة الأطفال

ضرورة الإجابة الصريحة على أسئلة الأطفال الجنسية، مع مراعاة قدرتهم الذهنية على الاستيعاب. وخاصة على سؤال الأسئلة: من أين ولدتيني يا ماما؟ بإمكان الأم المستنيرة بتربية الأطفال العلمية، أن تقدّم له أمثلة من بيئته مثل اقتران القطط أو الحمام مثلا. السؤال الثاني، المسكوت عنه عند الأطفال الذكور، هو حجم القضيب. الإجابة تتطلب الإحاطة بمعلومات جنسية موضوعية، وعلمية ونفسية، صريحة كفيلة بتلطيف قلق الخصاء، خاصة عند الطفل والمراهق.

جان بول سارتر، قال في سيرته الذاتية، إنّه بدأ يقيس قضيبه منذ سن الـ6 سنوات متنافساً مع ابن عمه. لكن: “ابن عمي كان يغش بتمطيط قضيبه” ليفوز في المنافسة. شخصياً لا أذكر متى بدأت في قياس قضيبي… لكن بالنسبة إلى معظم الطفال والمراهقين، كان قياس القضيب يومياً تقريباً هو هاجسهم، كرد فعل عن قلق الخصاء الذي ينتاب الطفل في الطور الأوديبي ثم يعاود في بداية المراهقة. من الضروري إعطاؤهم معلومات علمية عن موضوع اهتمامهم الأساسي. وإليكم هي، لاستخدامها في التعليم والإعلام والتربية العائلية أيضاً: حجم القضيب، حسب الإحصائيات الجنسية، يتراوح بين 5 سنم في الحد الأدنى، و25 في الحد الأقصى. أغلبية الأحجام لحوالي 75 %من الرجال تتراوح بين 9و12و15 سنم. نسبة الـ 25 % الباقية، تتقاسمها تقريباً بالتساوي الأحجام بين 9 و5 وبين 25و16 سنم. وبالمناسبة، رحم المرأة أيضاً يتراوح بين 9و12و15 سنم، لماذا؟ ليس بالطبع لحكمة إلاهية؛ بل بكل بساطة، نتيجة قانون التطور. عمر الإنسان، منذ انفصاله عن ابن عمه الشامبانزي، هو 7 ملايين عام. عمر جنسنا “سابيينس”[=الإنسان الحديث]هو 200 ألف عام. وهو النوع الوحيد الذي نجا من ملحمة التطور، أي التكيف مع البيئة والانتخاب الطبيعي، بعد قضائه على الأنواع البشرية الأخرى، التي لم يتحتفظ منها إلا ببعض جينيات مثلاً 6%من جينيات إنسان نيوردارتال.

لم تظهر العائلة تدريجياً إلا مع الإستقرار في قرى، تزامنت مع ظهور الثورة الزراعية منذ 10 ـ 7 آلاف عام. قبل هذا الحدث التاريخي، كانت كل أنثى مشاعة بين ذكور العشيرة؛ حجم القضيب الغالب، بين 9و12و15 سنم، كان الأكثر نكاحاً لنساء العشيرة. وهكذا تكيف الرحم مع هذه الأحجام ـ والتكيف هو سر تطور الأعضاء والأنوع معاً ـ. لكن الأحجام ،المتراوحة بين 25و16 كانت أيضأ تنكح نساء العشيرة ذاتها. وهكذا تكيف الرحم معها أيضاً، بأن أصبح مطاطاً وساعده الحمل على ذلك، والأحجام بين 9و5 نعثر على أثر تكيف الرحم معها بنقطة الإثارة الجنسية ج الواقعة على مسافة 5 سنم من مدخل الفرج.

الجسد كله، النسائي والرجالي معاً، هو منطقة إثارة جنسية شاملة؛ لكن مناطق الأعضاء الجنسية، عند المرأة والرجل معاً، هي التي غدت أكثر حساسية وإثارة جنسية من باقي الجسد. منطقة الإثارة عند الرجل هي “الكمرة”، أي رأس القضيب. لكن الختان يشوهها بتقليل إثارتهما الجنسية، بتعريتها من الغَلفة؛ ومنطقة الإثارة الأولى عند المرأة هي البظر، هذه “الكمرة” النسائية المتناهية في الصغر: 0,5 سنم. ولكن الختان ـ أو الخفض بالمصطلح الفقهي ـ يشوهها أيضاً بالقضاء عليها كمنطقة إثارة. فالختان إذن جريمة موصوفة، ففضلاً عن تسببه في كثير جداً من حالات البرود الجنسي، يخصي المرأة فلا تعود تشعر بالشهوة إلا بداية من مناطق الإثارة المتبقية الأخرى، إذا لم تصب هي أيضاً، بصدمة الختان، بالبرود الجنسي. علما بأن المرأة تبلغ الرّعشة الجنسية بالبظر بعد دقيقتين، مما يتناسب مع الرجال سريعي الإنزال؛ وبالمناطق الأخرى بين 10 و20 دقيقة.

دور القضيب في الجماع وبلوغ الشهوة أو الرعشة 30%.أما الـ 70% الباقية فمصدرها فن الجماع: التقبيل، والعضعضة، واللسان باللحس، والكلام، والكف والأصابع … إلخ.

فن الجماع قلما يتعلمه الشريكان عفوياً، بل لابد من تدخل المعلومات العلمية، زائد الخبرة، التي يبدأ اكتسابها تدريجياً منذ الطفولة والمراهقة. مما يشير إلى فداحة جُرم كبت أو قمع العلاقات الغرامية في الطفولة أو المراهقة.

الرحم يوجد بين المثانة، من الأمام، والمستقيم، من الخلف. عندما يكون ساكناً يتراوح ارتفاعه بين 9و8و7 سنم وفي حالة الهيجان، بين 15و12و9 سنم، مع قابلية التمطط عند استقبال قضيب أطول أو جنين.

عكس، فانتازم قلق الخصاء، الذي يوحي للرجل بخطر ابتلاع الفرج، بعد الولاد لقضيبه، فإن رحم المرأة بعد الإنجاب يقترب جداً من مدخل الفرج، بحيث يكون في متناول جميع الأحجام. تقديم هذه المعلومات العلمية الأولية للمراهقين يخفف من قلق خصائهم، ويخفف تالياً من عداء المرأة “بلاعة” القضبان، كما يوحي فانتازم المخاوف الجنسية، التي لا مبرر لها في العلم.

 

الختان

الختان في الدّيانة المصرية:

نعرف من علم المصريات أن: “الختان مارسه المصريون منذ 3400 عام قبل الميلاد. عديد التماثيل المصرية تشهد بذلك: جراح جالس أمام شاب عاريا، وهو يجري هذه العملية على قضيبه؛ والختان هو ثاني عملية جراحية أجراها الإنسان، بعد ثقب الجمجمة، كما تشهد بذلك الجماجم المثقوبة العائدة لعصور ما قبل التاريخ، الختان لم يكن للعامة، بل للخاصة: فرعون، أمراء البلاد، الكهنة والموظفين، الذين كان الختان فرضاً عليهم. وعلى كل أجنبي يزور فرعون أن يثبت أنه مختون. وهذا ما حصل مع المؤرّخ اليوناني الشهير هيرودوت، عندما قُدّم، وهو شيخ هرم، لبلاط فرعون. لماذا مارس قدماء المصريين الختان؟ لا نعلم ذلك يقيناً، لكن يبدو أن ذلك عائد للاعتقاد السائد في مصر القديمة، والقائل بأن روح كل إنسان توجد في أعضائه الجنسية، المرصودة للإنجاب.

 بالختان يقدم النبلاء المصريون البيعة والطاعة للآلهة. زيادة على أن اللون الأحمر في الأفق، عند طلوع وغروب الشمس، فسره الكهنة المصريون بأنه انعكاس للدم، الآتي من ختان الإله الشمسي “رع”، الذي كان فرعون هو ممثله الوحيد على الأرض. يقول الدكتور رونية كوس: “صدّر المصريون الختان للشرق الأدنى والأوسط وإفريقيا وإلى اليهود(…)”.

يقول د.وسيم السيسي: “الختان شعيرة مصرية منذ العصر الحجري الحديث، أي منذ 6 آلاف عام ق.م. وكانت السكين من الحجر الصوان هي أداة الختان. وظلت هي الآلة ذاتها حتى بعد اكتشاف النحاس والبرونز؛ وكان للختان شهرة دينية في مصر القديمة. لذلك يمارسه الكهنة داخل المعابد وليس الأطباء. وفد أخذ اليهود عن الديانة المصرية هذه الشعيرة المقدسة في مصر القديمة بحذافيرها: الختان بسكين من الحجر الصوان (…) ولم يكن يُسمح بدخول المعابد في مصر القديمة إلا للمختونين أي المتطهرين[المختونين]. وكلمة حنيف وحنفاء[الواردة في القرآن] كلمة مصرية قديمة، تعني المتطهر الخاضع للإله الواحد، وكلمة ختان مصرية أيضاً؛ ولا شك أن هذا يعود إلى فترة التوحيد التي فرضها الفرعون اخناتون”. قبل اغتياله والعودة إلى وثنية آمون.

الختان في اليهودية:

تقول موسعة “اليهودية” الصادرة بالفرنسية عن دار روبير فلافون: “ختان الذكور في اليهودية يتم في اليوم الثامن من ولادة الطفل، طبقاً للوصية الإلهية، وعلامة على “الحلف الأبدي” بين الله والشعب اليهودي (…) في رواية سفر التكوين (تكوين 17،13 ـ9) تجلى الله ذات يوم لإبراهيم، وهو في سن 99 عاماً واعداً إياه بحلف أبدي طالباً منه ختان جميع أبناءه الذكور، وختان جميع عبيده، كعلامة على هذا الحلف. أطاع إبراهيم أمر الله، وبدأ بختان نفسه. ثم ابنه إسماعيل وكان عمره آنذاك 13 عاماً. وهكذا أصبح ختان كل ذكر فرضاً، في سن الـ 8 أيام. حتى الضيوف، فرض الله على إبراهيم ونسله ختانهم. وكل من يعتنق اليهودية يجب أن يُختن [للتذكير، القذافي ختن الإمبراطور الإفريقي بوكاسا!] (…)”.

فما هو المقابل لهذا الحلف الممهور بدم الختان؟ قال الله لخليله إبراهيم: “أعطيك أنت، وأعطي لنسلك من بعدك، بلد هجراتك [=أرض كنعان أو فلسطين] (…) ملكاً أبد الدهر(تكوين 17،8)”.

ضداً على هذا الختان البدائي بسكاكين الحجر الصوان، أوصى سفر الثنية (6.30 و16 ,10 ): “بختان القلب”، أي ختان روحي لا أثر فيه لدم أو ألم. لكن الختان العنيف هو الذي ساد.

تقول موسوعة اليهودية: “لا وجود لختان البنات في اليهودية”.

الواقعة المؤسسة في اليهودية، هي رواية سفر التكوين لخلق العالم في 6 أيام. أما اليوم 7، فقد كان إجازة أخذها الله بعد عمله الشاق. وفي اليوم 8 استأنف نشاطه كالمعتاد. وهكذا حاكاه البشر. الختان في اليوم 8 هو، على الأرجح، محاكاة لهذه الرمزية. إسرائيل المعاصرة تؤرخ بتاريخ خلق العالم، منذ 6 آلاف عام. محاكاة، هذه المرة للديانة المصرية، يُختن الطفل في البيت أو في أقرب كنيس، كما كان يُختن في المعبد المصري. بالمثل، ختان الضيوف ومنع الغرباء من حضور الاحتفالات الدينية إلا بعد ختنهم، هو محاكاة لختن ضيوف فرعون إذا طلبوا منه استقبالهم.

 

الختان في المسيحية:

عند الرومان ،تشويه الجسد البشري ممنوع؛ لذلك رفضوا الختان في المسيحية؛ فاضطر القديس بولس، الذي كان هو نفسه مختونا، إلى العودة إلى الختان الروحي: “ختان القلب” في سفر التثنية، أي تطهير القلب. وهكذا أعفى الرومان من تشويه قضبانهم بالختان. أتمنى أن يعود اليوم المسلمون واليهود إلى هذا الختان الروحي لإعفاء فلذات أكبادهم من صدمة الختان.

الختان في الإسلام:

لم يكن الختان معروفاً، أو لم يكن سائداً في الحجاز. استعاره الفقهاء من الشريعة اليهودية، التي استعارته بدورها من الشريعة المصرية الوثنية القديمة، ووضعوا لتأسيس مشروعيته حديثاً يقول:” الفطرة 5 أولها الختان(…)”زاعمين أن “النبي ولد مختوناً، ختنته الملائكة في بطن أمة”! لكن الحقيقة التاريخية أن النبي لم يختن وكذلك صحابته لم يختنوا؛ ولم يتبنى الإسلام، من المصرية واليهودية ختان الضيوف ولا ختان من يدخلوا فيه، لكن الفقهاء خاصة في عصر الانحطاط، القرن 12 ميلادي، اشترطوا ختان من يدخل في الإسلام، بالرغم من أن سلمان الفارسي وصهيب الرومي لم يأمر نبي الإسلام بختانهما عندما اعتنقا الإسلام.

شخصياً، كان ختاني صدمة مازلت أذكر كل تفاصيلها، كما لو أنها حدثت بالأمس القريب: قد يكون عمري دون الخامسة، عندما جاء “عم فرج الحلاق”، لختان أطفال أكواخنا الثلاثة، فررت من الكوخ، لحقت بي أمي بعد حوالي 200 متر؛ قلت لها عبثاً، للإفلات من قبضتها: “أنا ماشي لأحمد بن سالم [مالك عقاري كان يعمل أبي عنده] ليطهرني، في الواقع كنت أريد الاختباء بين سنابل حقل الشعير. أعادتني للكوخ فاختطفني أبي منها، وكان رأسه معصوباً، ورفعني حتى مس رأسي سقف الكوخ المغطى بالقش، وشغّل عم فرج مقص الحلاقة، الذي كان يقص به شعر الفلاحين يوم السوق الأسبوعي، تغطى قضيبي بالبثور، فالمقص لم يكن معقما، وبقيت ربما أسابيع كثيرة وأنا عاجز عن المشي…

في 1981، خالفت عائلة، في تونس العاصمة، القانون الذي يوجب الختان بالطبيب، فختنت ابنها بالحلاق فمات بالنزيف. كثيراً ما يموتون الأطفال المصابون بالهوموفيليا نزفاً، والأطفال المرضى فضلاً عن أولئك الذين قد يخطئ “الحلاق” في ختانهم فيقطع جزءاً من الكمرة… وضحايا ختان الذّكور والإناث كثيرون خاصة في مصر وإفريقيا!

يجوز ختان الأطفال في حالة واحدة فقط هي مرض “ضيق الغلفة”، فيموزيس، الذي يمنع الكمرة من الخروج.

 

الختان في القبائل البدائية:

الختان يتم بأكثر الوسائل وحشية وسادية: تنتزع الأم ُقلفة قضيب طفلها بأسنانها؛ أحياناً تبتلع الغلفة وأحياناً تدفنها حسب تقاليد العشيرة. في قبائل أستراليا تُجمع القلفات المنتزعة وتجفف وتطبخ كطعام. وفي قبائل البورو، في ليبريا، تأكل الأم قلفة أو غلفة ابنها المختون، ربما كرمز للتماهي بينها وبينه، تحقيقا للرغبة الخفية في إلغاء التمايز بين الذكر الأنثى: بالعودة إلى حالة الخنثى، التي تخيل أفلاطون أنها أصل النوع البشري.

لاشك أن هذا الختان يؤدي كثيراً إلى وفاة الأطفال، ومازال العمل به جارياً حتى الآن، دونما تدخل من المجتمع المدني العالمي، أو من الأمم المتحدة لحماية حقوق الطفل؛ كما لو كانت القبائل البدائية، تتمتع بحصانة دبلوماسية، ضد انتهاك الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل.

 

ختان الإناث:

قد يكون عادة مصرية قديمة، لكن لا دليل عليها حتى الآن. لكنه شائع لدى القبائل البدائية خاصة الإفريقية، وفي بعض البلدان الإسلامية مثل مصر والسودان.

في مصر شرعنه الفقيه المصري، جلال الدين السيوطي، زاعماً أن ماء النيل يطيل البظر، فيجعل المرأة شبقة أي لهلوبة، لا تكتفي بزوجها لذلك تزنى. وهكذا أوجب خفاضها، أي ختانها، باجتثاث بظرها “الطويل” لردعها عن الزنا. هنا أيضاً ودائماً نلتقي بهاجس الخوف من المقارنة مع رجل آخر، كدافع لارتكاب جريمة ختان البنات فضلاً عن جريمة قتل الزانية.

 

الختان في التحليل النفسي :

ينطلق علم نفس الأعماق من فرضية أن الختان هو انتقام لا شعوري، للأب من ابنه، رداً على منافسته له في الطور الأوديبي خاصة القصيبي [4.5 سنوات]. هدفه الردع الرمزي بالختان الرمزي، بلا دم ولا ألم، عن التعلق بالأم؛ أو الردع المباشر بانتزاع الغلفة بسكين حجر الصوان أو بالأسنان.

من الممكن حل الأزمة الأوديبية، بوسائل بيداغوجية، حلاً سعيداً يحول الحب بين الابن والأم إلى حنان بلا إيحاءات جنسية صارخة. أما التربية الجنسية التجهيلية فلن تجد لها حلاً، بل تعطي غيرة جنونية من الأب، أو من يقوم مقامه، من الأبن. مثلاً شارل بودلير تعلق بأمه، الشابة الجميلة الأرملة، تعلقاً غرامياً؛ فلما تزوجت ثانية ضابطاً جلفاً، عامل المراهق شارل بقسوة، فعاش هذا الزواج كاختطاف لمحبوبته منه. فرد عليه بالتمرد والعجز عن ربط علاقة حب حقيقي سعيد… مما جعله يموت بالزهري، بين أحضان البغايا، في سن الـ46 عاماً في أحياء “أحزان باريس”، وهو عنوان ديوانه الذي أسس به قصيدة النثر.

وهكذا ففي الشعوب، التي تطورت من، الفهم السطحي للنص والواقع، إلى الفهم الأعمق للكلمات والإشارات، يكون الخصاء رمزياً لتيئيس الابن، بوسائل ذكية، من الزواج الفعلي بالأم: “ماما عندما أكبر أتزوجك “وبابا؟ ترد عليه “ليذهب إلى الجحيم “يجيبها؛ أما في الشعوب البدائية، أو ذات الذهنية البدائية، العاجزة عن ترميز فعل الخصاء، فإنها تأبى إلا أن تترك وشماً على جسد أطفالها: جرح نزع الغلفة، جرحاً جسدياً ونفسياً يغذي في أبنائها قلق الخصاء، أي الخوف الفعلي من اجتثاث القضيب. وهكذا لا يكون خصاء الأب للابن رمزياً، بل حقيقياً كشاهد مدى الحياة على انتقامه الجنوني منه!

تيئيس الابن من العلاقة الغرامية بالأم مشروع. فقد أكد النفساني الفرنسي، جرار ماندل: “اتضح، حتى 1970 أن من نكحوا أمهاتهم أصيبوا بالجنون”؛ كما اتضح في 1989 أن الشامبنزي لا ينكح أمه. وسّع الطب اليوم، دائرة الأقارب المحرمين طبياً إلى العائلة الموسعة، كالزواج من ابنة الخال والعم وجميع ذوي القرابة الدموية. إذ أنه يعطي، باحتمالية عالية، أمراضاً وراثية كالتشويه المونغولي والغباء العميق، الذي يمثل في فرنسا 2% وفي تونس مثلاً 20%، أي 2 مليون، هم حوض السمك الذي يبيض فيه ويفرّخ أقصى اليمين الإسلامي وأقصى اليسار الطفولي.

العلم يوسع ويعمق ما هو صالح في الدين، مثل تحريم نكاح المحارم؛ ويفند ويلغي كل ما هو طالح في الدين، مثل الرضاع لمدة عامين كاملين أو اغتصاب الأطفال دون رادع، وأوهام علم الأجنة القرآني…

 

الختان في الأنثروبولوجيا:

الختان، بين شعائر أخرى، شعيرة أساسية في ثقافة الشعوب البدائية، حيث كل شيء شعائر وكل شيء دين. الختان، مثل شعائر لينسياسون الأخرى، أي شعائر الانتقال من عالم الطفولة إلى عالم الرجولة؛ أرادت به القبائل البدائية نقل الطفل من عالم الطفولة، عالم السهولة، إلى عالم الرجولة، عالم الخشونة، عالم البأس والحرب والصبر على المكاره.

في أرياف سوريا، الأردن وفلسطين، تثقب الأسرة أذن الابن البكر عند ولادته، وتختنه في بداية المراهقة،12 ـ 15 عاماً. وهكذا يمر من الطفولة إلى الرجولة. تحتفل الأسرة، ومعها القرية أو القرى المجاورة، بأداء هذه الشعيرة أياماً وأحياناً شهراً أو شهرين، كما يؤكد كتاب “الروح الأخضر”، تأليف محمد مفلح البكر. تبتهل الأم والنساء المتحلقات حولها، للطهار كي لا يؤلم ابنها: “طهّر يا مطهر سلّم الله يديك / لا تُوجع الغالي فنغضب عليك”.

أداء شعائر الانتقال من الطفولة إلى الرجولة، كالختان، تلعب في القبائل البدائية دور استمرارية عادات وتقاليد القبيلة العتيقة؛ حتى لا تنقطع العلاقات بتراث الأسلاف، بالشعائر: نختن كما كان الأسلاف يختنون. هذا هو سلاح القبائل البدائية ضد التطور والتجديد، الحاملين لـ”مخاطر” نقل القبيلة من التوحش إلى التحضر، أو من العمران البدوي إلى العمران الحضري، بمصطلحات ابن خلدون.

قرأت مؤخراً “بحثاً” لكاتب إسلامي، يدعي فيه أن الأنثروبولوجيا مهمتها الدفاع عن ثقافات الشعوب غير الأوربية، المهددة بـ”الغزو الثقافي الغربي”. هذا الادعاء هو جهل أو تجهيل بوظيفة الأنثروبولوجيا.

أوضحت، في المكان المناسب، وظيفة الأنثروبولوجيا الدّينية، ولا بأس من أن أوضح هنا وظيفة الأنثروبولوجيا العامّة: هي بحث، مكتبي أو ميداني، لمعرفة الإنسان بما هو مواطن عالمي، معرفة بواعث ومكوّنات عاداته الثقافية، مثل شعائر الزواج، الختان والدفن مثلاً. فضلاً عن معتقداته وأفكاره الأخرى، التي يسترشد بها في حياته اليوميّة، ويتعامل بها مع مواطنيه ومعاصريه، كما لو كانت حقائق مقبولة من الجميع وفي مصلحة الجميع. لكن المعارف الأنثروبولوجي تساعده على اكتشاف: كيف أنّ الأشياء، التي يعتقد الإنسان جازماً، بأنها “بديهية وطبيعية تتفق مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها”، هي في الحقيقة تأليف، أو بما هو أوضح، فبركة ثقافية، وظيفتها تمويه الواقع الموضوعي برغبات ذاتية، أو مصالح أنانية، أو أوهام دينية أو تقليديّه. الأنثروبولوجيا تساعد ضحايا الأحكام المسبقة على تحليل الآليات الذهنية الخفية، التي ألهمت هذه الأحكام الخاطئة، أو تكمن وراء السلوك الثقافي المتحيز لأصحابها. مثلاً، أحد هذه الأحكام المسبقة، هو أن اللامساواة بين الرّجل والمرأة هي جوهرانية، أي أزلية، خاصة عند أقصى اليمين الديني أو السياسي المعادي للمرأة. لكن مجهر الأنثروبولوجيا يكشف أن هذا التفاوت بين الجنسين ليس جوهرانيناً، بل هو ثقافي وتاريخي. إذن كل ما هو تاريخي له بداية وله نهاية. التفاوت بين الجنسين حيلة ثقافية، واعية أو غير واعية، وليس قدراً إلاهياً، كما يقول المتدينون، ولا حتمية بيولوجية، كما يقول أقصى اليمين الغربي.

استشهد صاحب “البحث” بأن غالبية النساء، في مصر مثلاً، ترفض ما يطالب به لهن “الليبراليون والعلمانيون والمتغربون”؛ هذا صحيح. لكن الأنثروبولوجيا تعري سر ذلك: هؤلاء النسوة “استبطن رأي جلادهن فيهن”، كما أكد السسيولوج بيير بروديو. البرهان على أن تفوق الرجل على المرأة ليس حتمية، ما نعاينه في البلدان، المتحضرة أو السائرة على طريق التحضر، حيث المرأة تتمتع بالمساواة في حقوق المواطنة الكاملة مع الرجل: لها ما له وعليها ما عليه؛ فهي عاملة باليد أو بالفكر، وهي وزيرة دفاع، في الدنمارك مثلاً، ورئيسة حكومة ورئيسة جمهورية.

هذه المكاسب الحداثية التي تحققت للمرأة في العالم المتحضر، يناضل اليوم أكثر النساء وعياً، مع أنصار المرأة، لتحقيقها في المجتمعات الإسلامية، المحكوم عليها بأن تصبح هي الأخرى في المستقبل المنظور، مجتمعات مساواة كاملة في الحقوق والكرامة بين الجنسين.

الرهان الأنثروبولوجي هو على تغيير الذهنيات وأساليب التفكير العتيقة، المنحدرة من ليل التاريخ، والتي وجدت في الخطاب، التعليمي والإعلامي خاصة الديني، أداة مثالية لحشو ولغسل أدمغة ضحاياها من النساء، والأطفال والشباب بالأساطير المعادية لهم فتشربوها. وها هم الآن تمردوا، أو بصدد التمرد، عليها: إيران نموذجاً. 

 

الزواج

من مهام التّربية الجنسيّة العلمية الجوهريّة توعية النّاشئة، إلى نهاية المرحلة الثّانوية، بحقائق علوم النّكاح، الطب وعلم النفس، في جميع المسائل المسكوت عنها في الجنس، أو المتحدث فيها بطريقة خرافية مجافية لحقائق العلم وحقائق النفس البشرية. مثلاً الزواج، الجدير بهذا الاسم، هو الزواج الذي يتطلب بالضرورة توفر شروط أساسية منها:

 

1ـ أن يكون زواج حب. لقد أوضحت الدراسات العلمية أن الزواج بالخاطبة، أو زواج المصلحة أو الزواج المفروض، يكون كثيراً وغالباً الممزق الأول للأسرة بالنزاعات الزوجية، وكارثة على صحة الطفل النفسية والجسدية. لماذا؟ لأن طفل الزواج من غير حب، يكون غالباً غير مرغوب فيه، شعورياً أو لا شعورياً، على صورة الزواج الذي انجبه. والحال أن تمتع الطفل بحب الأبوين منذ الشهور الأولى لحمله، إلى يوم ولادته، وعلى امتداد طفولته ومراهقته، يجعل منه راشداً واثقاً في نفسه. والثقة في النفس هي وقود دخول معترك الحياة، والخروج سالماً من جراحه التي لا مفر منها. الطفل الذي ُحرم حب الأبوين أو أحدهما، غالباً ما يكابد طوال حياته عللاً لا تحصى. مثلاً يؤكد الطبيب النفسي، دافيد شرايبير، في كتابه “ضد السرطان”: “من حُرم من حب الأم يصاب بالسرطان”. ربما كانت هذه هي حالتي أنا أيضاً!

 

2ـ وأن تسبق زواج الحب علاقات جنسية قبل الزواج. لماذا؟ لأن التوافق الجنسي، بين الشريكين شرط شارط لحياة زوجية سعيدة. وهو ما لا يتوفر في أنماط الزواج التقليدية المفروضة بقوة العادات الميتة والمميتة لغرائز الحياة، والتفكير الإبداعي.

يوجد اليوم في البلدان المتحضرة علناً، وفي البلدان الإسلامية سراً، “زواج” العازبين والعازبات”، الذي يمارسون فيه الحب، بين الراشدين الراضين، بجميع أشكاله الغيري منها والمثلي. هذه الممارسات، خارج عش الزوجية، شائعة أيضاً في المجتمعات المغلقة، مثل المجتمعات العربية الإسلامية التي مازالت تحت وصاية الفقهاء، لكنها تتم تحت طائلة الخوف من سيف القانون الذي يجرمها وسيف الدين الذي يحرمها.

تحريرها، بالتربية الجنسية العلمية، من التجريم والتحريم، ومن مشاعر العار والذنب سينقذ عشرات الملايين من الأمراض الجنسيّة النّاتجة عن ممارسة الجنس خفية، والتي كان بالإمكان تفاديها في مجتمع مفتوح، كما ينقذ أطفالهم من كلّ ما يكابده الأطفال غير المعترف بهم قانوناً.

 

الزّنا الصحّي

عوقبت الزّانية، على مرّ العصور، بأكثر العقوبات سادية: تقتل غرقاً في الدّيانة البابليّة، تُعطى للكلاب المجوعة في الديانة الهندوسية، وكانت تُرجم حتى الموت في الديانة اليهودية إلى تاريخ 70 م، تاريخ تهديم الهيكل، حيث توقف الرجم. ولكنها، لتعاسة حظها، مازالت تُرجم في أرض الإسلام!

الدافع النفسي للارتكاب جريمة حد الزنا، في الديانات الوثنية والتوحيدية، هو خوف الزوج اللامعقول، من مقارنة زوجته له برجل آخر، يتوهم، تحت تأثير قلق الخصاء، أنه أكثر فحولة منه! الأمثال والنوادر الشعبيّة مرآة للشخصيّة النفسيّة الجمعيّة؛ نادرة مصريّة دلاّلة بهذا الخصوص: قيل لصعيدي زوجتك تخونك بعد ذهابك للعمل. فقال لزوجته بأنه سيتغيب عن المنزل، ثم كمن غير بعيد من فراش الزوجية. وبينما كان العشيق يجامعها سألها: مين الفحل فينا؟ أنا ولا جوزك؟ فردت: ما تجيش في كعب أبو محمد. خرج أبو محمد من مكمنه وهو يرقص على رجل واحدة صارخاً: أصيلة يا بنت الحلال!

المهم، في أعماق النفس البشريّة، ليس الخيانة الزوجيّة في حدّ ذاتها، بل كسب رهان المقارنة مع العشيق.

عكساً للمجتمعات المغلقة التي تنتهك حقوق الإنسان بلا رادع، استطاع الفرد المستقل، الذي يختار قيمه بنفسه طبق شريعة العقد، في المجتمعات المفتوحة، أن يبتكر أنماطاً من العلاقات الزوجية أكثر عقلانية وإنسانية. مثلاً اتفق عشرات ملايين الأزواج، في الولايات المتحدة وأروبا، على عقد سموه عقد “الزنا الصحي”، أي الذي يتم باتفاق الشريكين لكسر روتين الحياة الزوجية المضجر.

أثبتت دراسة أنجزها احد أطباء الأمراض النفسية والعصبية في السنوات 1980، بمستشفى صال بيتريير الباريسي، أن المساكنة الطويلة بين رجل وامرأة، تحرك في لا شعور الزوج ذكرى مساكنة عتيقة بين الطفل والأم. كيف كانت العلاقة بينهما؟: حب أفلاطوني، أي حنان بلا متعة جنسية. والحال أن هذه المتعة الجنسية هي المقوّم الأول من مقومات الزواج السعيد.

في 1989، قرر الرئيس ميتران إصدار قانون بغلق جميع المواخير في فرنسا، لأنه اتضح أنها أحد أسباب انتشار الإيدز. لكن سرعان ما فسر له علماء اجتماع فرنسيون خطورة هذا القانون قائلين: الإحصاءات منذ ربع قرن، تبرهن على أن غالبية رواد المواخير هم من الأزواج وليسوا من العازبين. غلق المواخير قد يتسبب في ازدياد تفكّك العائلة. فعدل عن إصدار القانون. لماذا أغلبية رواد المواخير من الأزواج؟ لكسر روتين الحياة الزوجية، يجامع الزوج البغي ويقدم لزوجته، رمز أمه، بدلا من الجماع، الحنان والهدايا. بهذه المناسبة أذكرّكم بإحدى مرويات “ألف ليلة وليلة”: غارت زوجة من كون زوجها يستخدم قوادة لتجلب له البغايا بدلاً منها. ذات يوم قالت للقوادة: خذيني لزوجي وقولي له إنني من عائلة كبيرة، ولا أريد لا رؤيتي ولا سماع صوتي حتى لا أفتضح. فقبل الزوج الشرط وجامعها في الظلام. فتحت الزوجة النافذة فرآها فقال لها “ما أحلاك في الحرام”.

أثبتت الدراسات السيكولوجية والسسيولوجية أن المساكنة الدائمة تخلق العدوانيّة المجانيّة التي طالما قوضت استقرار ملايين الأسر؛ يمكن، بنزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني إيجاد حل معقول لهذه المشكلة.

على التّربية الجنسيّة العلميّة أيضاً أن تقدم أوسع المعلومات عن الحياة الزّوجية خاصّة والجنس عامة. مثلاً عن “الاتحاد الحر” أو “الحب الحر”، يبدو أن من دشن هذا النمط من الزواج هما الفيلسوفان، جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، في النصف الأول من القرن الماضي. كان سارتر يعشق مثلاً “ألجا”، بطلة مسرحيته “الأيدي القذرة”، وكانت سيمون تعشق شقيق عشيقته. كما مارست الحب مع ألبير كامو ،خصم سارتر الفلسفي والسياسي، بعلم هذا الأخير ورضاه! فقد تعاقدا قبل هذا الاتحاد الحر على الزنا الصحي وعلى عدم الإنجاب. فمليارات البشر ينجبون نيابة عنهم. ولا أحد بإمكانه أن ينتج أفكارهما بالنيابة عنهما.

الفرد الحر والمستقل، غير قابل للاستبدال. وحده، العضو المذّوب في الأمة، الذي مازال رقماً، ومازال قابلاً للاستبدال كفردتي الحذاءً.

 

 الاستمناء

ممارسة الاستمناء كونية، خاصّة في الطّفولة والمراهقة وحتى أبعد. لكن الأوهام الدّينيّة فخختها بأساطير مخيفة. في الكتاب المقدّس العبري، حكم الله بالموت على أونان، لمجرّد أنّه فضل الاستمناء على جماع زوجة أخيه، التي فرضت عليه تقاليد القبيلة الزّواج منها بعد موته! زيادة عن اللّعنة الإلهيّة، تسبّب هذه الممارسة، في الأساطير الدّينيّة وغيرها، أمراضاً جسدية وعقلية: هزال، ضعف عام، تأتأه، ذهول وجنون وحشد من الأكاذيب الأخرى؛ في محاولة، لردع الشّباب عن الاستمناء. قال لهم، أطبّاء العصور الوسطى، إلى منتصف القرن التّاسع عشر، بأنّهم بالاستمناء يفقدون نخاعهم الشّوكي، وأنّ عمليّة استمناء واحدة تساوي 5 لتر دم. كما أنّ الاستمناء، في الرّواية الدّينيّة، مؤذى للشاب فهو أيضاً مؤذى للفتاة. فهو مسؤول زعماً عن سرطان عنق الرّحم! أحد الأطبّاء نصح الآباء بربط أصابع الأطفال ليلاً لمنعهم من اقتراف “جريمة” الاستمناء. كما يقول الطّبيب الفرنسي ج. س. بيل .

على التّربية الجنسيّة العلميّة أن توعي الأطفال، منذ المرحلة الأولى للتّعليم بل وحتّى منذ الحضانة، بحقائق العلم عن الاستمناء. إذ اتّضح أنّ الرّضيع يمارس الاستمناء أيضاً خاصّة عندما يوضع في الماء الدّافئ لتنظيفه. وفضلاً عن ذلك، أن يعرف الأطفال والمراهقون أنّ بإمكانهم ممارسة الحبّ مع أطفال أو مراهقين آخرين من نفس الشّريحة العمريّة.

تبرئة الاستمناء، من هذه الأكاذيب الطبّية الهاذية، واجب تربوي لتحرير الأطفال والمراهقين وبعض الرّاشدين من مشاعر الذّنب، والخطيئة، والنّدم، واحتقار الذّات، والإصابة “بعصاب الفشل”. يبدو أن نابليون بونابرت، مصاب بعصاب الفشل الذي كان سبب هزائمه، كان في طفولته ومراهقته ضحيّة الأحكام المسبقة ضدّ الاستمناء.

في أمريكا وأوربا، يمارس الاستمناء، حسب الإحصائيّات العلميّة: 92 % من الذكور و62% من الإناث. تبرئة الاستمناء، في المجتمعات المتحضّرة، وصلت إلى درجة أنّ أطبّاء علم النّكاح، ينصحون النّساء المحرومات من الجنس أو الباردات جنسيّاً، بالاستمناء كبديل عن الحرمان، الذي هو المرض الحقيقي، الذي يسبّب غالباً أخطر الاضطرابات النّفسيّة بما فيها الجنون. وصدقاً قال النّفساني الفرنسي الصّديق، فيليكس جواتاري: “التّناقض ليس بين حبّ المغاير وحبّ المماثل، بل التّعارض هو بين الحبّ والحرمان”. أمّا فقهاء الحرمان، في أرض الإسلام، فمازالوا يغشّون الشّباب بالحديث القائل: “من لم يستطع الزّواج، فعليه بالباءة”، أي عليه بقتل جسده في ربيع العمر! علماً بأنّ نبيّ الإسلام لم يعص يوماً رغبته في ممارسة الحبّ، ضداً على شريعته التي أباحت 4 زوجات فقط، جمع بين 11 زوجة و4 نساء وهبن أنفسهنّ له فضلاً عن ملك اليمين!

 

تربية جنسيّة، تتّخذ دليلاً لها في متاهة الحياة الجنسيّة، حقائق العلم ومبادئ حقوق الإنسان، كفيلة بجعل الأجيال الطّالعة تمارس الحبّ بين الرّاشدين الرّاضين جهاراً بافتضاح. ألم يقل شاعر الخمر والحبّ، أبو نواس، لنديمه:

 

“أحسن اللذّات ما كان جهاراً بافتضاح” أو:

 

ألا فاسقني خمراً وقل لي: هي الخمر / ولا تسقني سراً إذا أمكن الجهرُ

 

هكذا تكون ممارسة الغرام، المهتدي بالعلم والعقل، أو لا تكون.

 

بالإعلام والتّعليم والخطاب الدّيني المستنير، بإمكان البشريّة، في أرض العروبة والإسلام، أن تغيّر ذهنيّاتها ونفسيّاتها لتغيير سلوكيّاتها. رهان الإصلاح الدّيني الكبير، بل كلّ إصلاح في أيّ مجال كان، هو تغيير الذّهنيّات والنّفسيّات. في القرون الوسطى، حيث كان تطوّر العلم والتّكنولوجيا بطيئاً، كانت الذّهنيّات والنّفسيّات، أي العادات والتّقاليد الدّينيّة والدّنيويّة، تتغيّر خلال عشرات السّنين وأحياناً القرون. أمّا اليوم، بفضل تسارع التّاريخ، أي تقدّم العلم والتّكنولوجيا بسرعة غير مسبوقة، فالذّهنيّات والنّفسيّات تتغيّر في وقت قياسي. بالإمكان إذن تحديث ذهنيّة ونفسيّة أمّة خلال جيل(25 عاماً).

بالمناسبة أريد شرح إشكاليّة طالما سألني بعض الأصدقاء عن تفسيرها: لماذا في الدّول الدّينيّة، كإيران والسّودان والسّعوديّة، ترى التّربية الدّينيّة، الجنسيّة والعامة المكثّفة، التي جعلت كلّ شيء ديناً أي محرّماً، تعطي عكس المطلوب منها. مثلاً، في عهد الشّاه، كان الطّالب والطّالبة المتشرّبان لأخلاق الحشمة التقليديّة، لا يمارسان عادة الحبّ إلاّ بعد 3 شهور من التّعارف. أمّا منذ تأسيس الدّولة الدّينيّة، فقد أصبح يمارسانه غالباً من أوّل لقاء؛ وتحوّلت المساكن في المدن الإيرانية إلى حانات ومواخير ومراقص تُنتهك فيها المحرّمات الدّينيّة؛ بالمثل، في ميدان العقيدة تقلّصت ممارسة الشعائر الدّينيّة إلى مستويات غير مسبوقة، وبلغت نسبة الملحدين، إلى سنة 2009 رقماً قياسياً عالمياً: 30% من مجموع السّكان! أمّا في السّعوديّة والسّودان فقد أعطت كراهيّة نادرة للشّريعة، لذلك أسباب أهمّها، في نظري، كون التّعليم الدّيني مضادّاً لغرائز الحياة المتجذّرة عند الأطفال والمراهقين والشّباب. هذه الغرائز التي لا ترضى عن تحقيقها بديلاً؛ ولأنّ هذا التّعليم يسبح ضد تيّار الحقبة التّاريخيّة، الذي ينسف كل يوم المزيد من المحرّمات الدّينيّة الغبيّة، وأخيراً، يُسقط الشّباب كراهيّتهم للحكومة الدّينيّة على كلّ ما تقوله أو تفعله. وباختصار، يعرّفون أنفسهم بعكس حكوماتهم الغبيّة والمستبدّة. تاريخيّاً، كلّ حكومة دينيّة كانت غبيّة ومستبدّة. لأنّها لا تستنير بنور العقل، الوحيد القادر على هداية صنّاع القرار إلى سواء السّبيل.

بإمكان أفكار ومبادئ التّربية الجنسيّة خلال جيل، تعديل، وتصحيح، أو إلغاء الأفكار، والعادات والأحكام المسبقة المزروعة في التّربية الجنسيّة الدينيّة أو التقليديّة. ما الهدف من ذلك؟ لتمكين الفرد، في أرض العروبة والإسلام، من تحقيق رغباته العاطفيّة وغرائز الحياة فيه بلا شعور بالذّنب. رهان التّربية العلميّة إشعار الطّفل بأنّه محبوب من أبويه أو من يقوم مقامهما. كيف؟ عندما لا يُذنّب المربّي الواعي لهذا الرّهان حركاته وسكناته خاصّة الجنسيّة. مراراً كنتُ شاهداً، في تونس، والجزائر ولبنان، على أطفال في سنّ باكرة يتعرّون أمام أمّهاتهم وضيوفهم، كرغبة طفوليّة غريزيّة في استعراض الفرج ولفت الانتباه، فيكون الردّ: “عيب”، وأحياناً، خاصّة من الأب، صفعة! وهكذا تزرع التّربية الجنسيّة الظّلاميّة، أي غير المستنيرة بنور العقل والعلم، بذور الشّعور العصابي بالذّنب في نفسيّة الطّفل؛ هذا الشّعور الذي يشعره بأنّه غير محبوب فيهدم طوال حياته تقديره لذاته، واعتزازه بذاته وثقته في ذاته، التي تشكّل جميعاً مقوّمات الحياة السّعيدة.

الشّعور بالذّنب، جرّاء انتهاك محرم ديني، سرعان ما يستولي على النّفوس العطوبة بعد إنهاء الجماع. وقد يدفع الشّريك الأقوى، الرّجل غالباً، إلى العدوان لفظياًّ أو جسديّاً على شريكه، قد يصل أحياناً إلى القتل: “يا بنت الحرام، يا ابن الحرام، ورّطتني في معصية الله في هذا الشّهر الفضيل” ثم ينهال شتماً وضرباً على ضحيّته!

كما أنّ على إصلاح الإسلام، بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان، أن يتّخذ من العقلانيّة منطلقة ومن الحداثة رائده، بالمثل، على إصلاح التّربية الجنسيّة أن يتّخذ من العلم، علم النّكاح والطبّ وعلم النّفس، منطلقة ومن الحريّة الجنسيّة غايته.

 

 

فما هي أساسيّات التربية الجنسيّة العلميّة؟

 

 

هي أساسيّات الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والوثائق المكمّلة له: من حقّ كل إنسان أن يتصرّف في جسده: يمارس به ما يحلو له من ألوان الحبّ بين الرّاشدين الرّاضين. في الحداثة، لم يعد الدّين أو التّقاليد هو من ينظّم العلاقات بين الأفراد المستقلّين في صنع قرارهم، بل حلّ العقد بين الأفراد محلّ الدّين في تنظيم هذه العلاقة.

كما أنّ العمل والفكر الرّمزي[=الديني]طوّرا القرد إلى إنسان، كما يؤكّد الأخصائي، ايف كوبنس، بالمثل، فإنّ الاعتراف بالحقّ في الحريّة الجنسيّة للجميع بمن فيهم الأطفال الرّاضين، من جميع الأعمار، إذا ما مارسوا الجنس فيما بينهم، كفيل بتحويل الحيوان الفظ، الذي يؤنّب ويذنب الأطفال، ويسجن ويجلد ويرجم الرّاشدين الرّاضين، إلى إنسان لطيف و متفهّم، ومتحرّر من المخاوف الجنسيّة والدّينيّة اللاّمعقولة، التي تدفعه قهريّاً إلى قمع الحريّة الجنسيّة، واضطهاد ممارسيها والمدافعين عنها، مثلما هو الحال خاصّة تحت “سيف وقرآن” الحكومات الدّينيّة.

في جزيرة مورا، الآباء يشجّعون أطفالهم ومراهقيهم على التّدرّب عن ممارسة الحبّ بين بعضهم بعضا. قرار حكيم، لأنّ الجنس يحتاج إلى العلم والخبرة أيضاً.

 

وصيّتي للأجيال الطّالعة، اعملوا كلّ شيء للحصول على معلومات جنسيّة موضوعيّة تساعدكم على تحقيق ميولكم الجنسيّ، بلا عقد ولا شعور بالذّنب. لهذه الغاية، كتبت لكم هذه الحلقة، ربّما غير المسبوقة: في صراحتها وطرافة حقائقها عسى أن يفوز المواطن في أرض العروبة والإسلام بـ “الحقّ في السّعادة”، المنصوص عليه في دستور الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق