صمت الخطاب وغيبه في تفسير “جامع البيان” لابن جرير الطّبريّ: تفسير سورة البقرة أنموذجا

سنعنى في هذا المقام باستجلاء مضمرات الخطاب وما تتضمّنه أبنيته من صمت وغياب يوقفنا أمر تجليته واستحصال مظاهره واستجماع سياساته على حدّ الخطاب الحقيقيّ الّذي يستبطنه المحاجّ ولا يصرّح به، إذ هو من مقوّمات الخطاب الاستراتيجيّة الّتي لا تبدو ولا تظهر إلاّ إذا وعى المؤوّل أنّ قوانين تصريف الكلام قائمة على ظاهر عينيّ وباطن حقيقيّ. وهذا الاعتبار يجيز لنا تفريع اتسراتيجيّات الطّبري الحجاجيّة وسياسات خطابه المضمرة فرعين: فرعا أوّل نقف من خلاله على الاستراتيجيّات الظاهرة الّتي لا يحتاج فعل استجلائها جهدا كبيرا نظرا إلى كونها وردت صريحة معلنة أو هي من مقتضيات اللّغة الواصفة الّتي يدرجها الطّبريّ من حين إلى آخر في سياق خطابه يفسّر بها غيبا دلاليّا أو يبرّر من خلالها اختيارا نهج مبادئه وأقام رؤاه عليه منطلقا وقاعدة.

وفرعا ثانيا نعدّد في إطاره أهم الاستراتيجّات المضمرة والسّياسات المبطنة الّتي لا تنجلي أنواعها ولا تستجمع مظاهرها ولا تدرك قوانينها إلاّ إذا تجاوز المؤوّل (عملنا في هذا المقام النّظريّ تأويل لتأويل، تأويل لمقاصد الطّبريّ التّفسيريّة نستند فيه على روافد العلوم الّتي تصلنا بعصرنا حتّى نمارس وفق ذلك “العمل التّأويليّ الحيّ” الّذي يكثّر دلالة النّصّ المؤوّل ويعدّد معناه) عتبة الظّاهر إلى الباطن ودرجة السّطح إلى العمق مقصدا نرتجي بلوغه وغنما نقدّر الاتّصال به.

{{الاستراتيجيّات الحجاجيّة الظّاهرة}}

لقد مكّننا النّظر في تفسير الطّبريّ سورة البقرة مدوّنة بحثنا، من تبويب الاستراتيجيّات الحجاجيّة الظّاهرة الّتي يقضي بها الخطاب المعقودة عليه نوايا الطّبريّ والدائرة عليه خلفياته إلى خمس استراتيجيّات أساسيّة تحكّمت في حركة الخطاب وعلّقت بأنساقه اللّغويّة ومشيراته المقاميّة فعلا تدرك أعمالُه وحدثا تُعاين آثارُه يأسر الجمهور المخاطب عقلا ووجدانا، فتكون الاستجابة وتكون الطّاعة.

{{أ- استراتيجيـا البيـان / الحـاصل القـاطع}}

إنّ لاستراجيا البيان في تصوّرات أهل الأثر مرتبة في تحصيل اليقين / الحقيقة من النّصّ القرآنيّ الّذي نزل حسب تصوّراتهم بلسان عربيّ مبين يفهمه أهله فهم الجبلّة والبداهة لا صعوبة في ذلك ولا معيقات. فهذا الاعتقاد في بيانيّة النّصّ ألفاظا ومعاني قضى بالتّبعيّة أن يكون الكلام عليه (التّفسير) من جنس الأصل توافقا وتوازيا، حتّى لا يجانب المفسّرتعاليم الأصول سننا وقاعدة. وقد تجلّت هذه الأشراط تجليّا صريحا في تفسير جامع البيان نظرا إلى انتماء ابن جرير إلى دائرة التّفسير الأثريّ مذهبا ومحيط المتسنّنين رؤية وتصوّرا.

والالتزام ببيانيّة الخطاب الواصف التزام صرّح به الطّبريّ في مقدّماته الّتي صدّر بها تفسيره وقد كنّا اشتغلنا بها من جهة كونها مقدّمات حجاجيّة تهيّئ للخطاب مساراته وترسم له تخومه آثارا وأفعالا. فهذا الأمر الّذي يقضي بتوافق بيان النّصّ (إيضاح طريق الإيمان– دحر عتمة الجهل- نور اليقين والحقيقة– رسم المسالك والحدود…) مع بيان التّفسير (الإيضاح في حدود ما يقتضيه ظاهر كلام الله رسما وتلاوة) قد أعلن حتميّته الطّبريّ أصلا من أصول الإيمان ودليلا من دلائل الاعتقاد في جلالة النّصّ وقداسة مأتاه، إذ لم لا يكاد سياق يخلومن بسط يورد في إطاره الطّبريّ تذكيرا مبيّنا بصريح اللّفظ وظاهرالعبارة ضرورة إحداث المفسّر توافقا في تخريجه (قولا باتّا وجزما قاطعا) مع ظاهر النّصّ حتّى يتوقّى القائل في كلام الله، مغبّة الضّلال ومخاطر الخروج على مآتي السّلامة بما هي مطلب كلّ مؤمن يجب أن ينظر بعين النّصّ ويفكّر بتعاليم الشّرع، وما الأحاديث والأخبار الّتي أوردها الطّبريّ تنهى عن تأويل النّصّ بالرّأي، إلاّ دليل على خوف من التّفريط في البيان الموصل إلى الحق/اليقين الّذي لا يدرك إلاّ ظاهرا ولا يرصد إلا سطحا.

فكأنّ صمت الكلام، شرطا من شروط كونه، لايدخل في تصوّرات أهل الأثر ولا ينتمي إلى دائرة سننهم الّتي يفهمون بها العالم ويرسمون من خلالها ملامحه معادا ومآلا. لذلك كان الطّبريّ ولوعا منذ البدء برسم حدود تفسيره وضبط ملامح جمهوره حتّى لا يحصل عقوق الخروج بوصفه ضربا من المعصية ونوعا من الكفر، العدول عن الاتّصاف به أفضل ومجانبته أسلم، وليس من قبيل البخث والاتفاق أن تربط وظيفة التّفسير بيانا وإيضاحا بمعقد إيمان الفرد المسلم، فتغدو استراتيجيا البيان والقطع حجّة تنقاد بها التّصوّرات وتجري عليها مبادئ الاعتقاد مادام البيان سلامة والظاهر حصانة إن اتّفق اجتماعهما حافظ المفسّر على أصل التّوحيد لا تعدّد ولا تكثّر.

إنّ استراتيجيا البيان الّتي عددناها سياسة خطابيّة ظاهرة تختزل اختزال كثافة تصوّرات الطّبريّ المذهبيّة والعقديّة الّتي تقول بإمرة الأسلاف وسلطان النّصّ مسلكين من مسالك الوصول إلى معدن الحقيقة التّوحيديّة أنطولوجيًّا و تصوّريّا يدعى إليها الجمهور، إن حضورا أو افتراضا يعتقد فيها اعتقاد وثاقة لا اعتقاد إمكان حتّى يتجانس بيان النّصّ مع بيان المفسّر ويقيم المؤمن/المسلم في عالم اعتقاديّ مطمئنّ، نفسا راضية وعقلا هادئا.

{{ب- استراتيجيـا نفي التّنـازع/الانتظـام والانسجـام}}

إنّ من توابع البيان نفي التّنازع بين أبنية الخطاب من جهة والذّوات المتكلّمة أو السّامعة من جهة أخرى. ونفي التّنازع يؤمّن للمحاجّ فضاء سليما تجوز فيه الحركة ويحصل داخله التّوافق بين مبادئ المخاطب وعقائده (الاجتماعيّة /السياسيّة /الدّينيّة /اللّغويّة…) وآفاق انتظار المخاطب وما يحمله هو الآخر من تصوّرات ينوي مناظرتها بما طرح على كيانه من آراء وأفكار حملها خطاب الباثّ وتضمّنتها أنساقه، وهوما يقضي بضرورة تجويزنفي التّنازع واقعيّا (مقام المشافهة حيث يكون الباثّ والمتقبّل كيانين حاضرين بالفعل) وافتراضيّا (مقام الكتابة حيث يكون الباثّ والمتقبّل كيانين حاضرين بالافتراض)حتّى يدرك الخطاب الحجاجيّ مراميه الإقناعيّة الدّائرة على جعل النّصّ القرآنيّ حقيقة متعالية، لا يجوز، كي تُدرك، أن يحصل في أذهان الطّالبين نوع من الكدر ريبة وشكّا أو نوعا من التّردّد إمكانا وجوازا.

وهذا الأمر الّذي نجد عليه إشارات كثيرة في تفسير الطّبريّ سورة البقرة مقدّمة ومتنا، يترجم حرص الرّجل على تأمين حركة جمهوره الّتي لا يريدها أن تكون حركة إمكان واحتمال (التّفسير بالرّأي)، بل يريدها أن تكون حركة جزم بوجود معنى واحد تهدي إليه تعاليم الأسلاف وتجيزه أبنية النّصّ الظّاهرة ويمكّن منه المخاطبين الأوصياء والأتباع الّذين رشّحتهم سلطة الاعتقاد الأثريّ تراجمة وحي وحملة حقيقة.

وبذلك يكون مبدأ نفي التّنازع استراتيجيا خطابيّة تضمن للطبري أن يقنع جمهوره بانسجام العالم الّذي يدعوه إلى الإقامة فيه حتّى يغريه فيتقبّل الانخراط في هذا الكون المحدث بطريقة لا تقبل التّأجيل ولا يأتيها الباطل من بين نوايا المشكّكين ولا من خلف طعونهم الّتي عمل الطّبري بشتّى الطّرق ومتباين الأساليب على نفيها ودحضها وخلخلة تناسقها وضرب انسجامها المنطقيّ وتوافقها التّداوليّ وانتظامها التّصوريّ حتّى يكون الخطاب الموضوع على النّصّ القرآنيّ خطابا واحدا في دلالته، فريدا في إحالته على ما تُسمع أصداؤه في القول المفسّر الّذي يغدو من جهة الوظيفة تمكينا لمعنى النّصّ كما نطق به الصّفيّ بيانا ونقاء وكما لهج به الأتباع أمانة وصدقا، لذلك وصل الطّبريّ الإمكان التّأويليّ والجواز التّفسيريّ بمرجعي الأسلاف وموافقة التّخريج لظاهر النّصّ، حتّى لا تتسرّب إلى المعنى/الحقيقة إمكانات التّردّد يضيع معها الصّفاء ويعدم الانسجام.

{{ج- استراتيجيـا التّقويم والتّهذيب / القبول المقنّع}}

إنّ من الجهات الجارية عليها الحجّة في تفسير الطّبري سورة البقرة خاصّة، وفي إطار الثّقافة العربيّة الإسلاميّة النّقليّة عامّة، جهة التّقويم والتّهذيب الّتي عادة ما تكون حاصل مسار إقناعيّ وعمل برهانيّ وظّف فيه المحاجّ طاقات الكلام وإمكانات الخطاب تأثيرا وفعلا في الجمهور، يستجيب ويقتنع بصحّة المضامين ووجاهة الآراء الّتي دعي لاعتناقها مبادئَ يدين بها وقاعدة يقيم عليها تصوّراته المشتقّة من تلك التّعاليم الّتي طرحت على عقله برهنة ومنطقا وبسطت على قلبه أثرا ووقعا.

والتّقويم في جامع البيان تفسيرا أثريّا له من الوجوه ما تعدّد ومن المظاهر ما تباين، إذ نجد تقويما له صلة بإصلاح الفرد المسلم إصلاحا أخلاقيّا وذلك من خلال تبصيره بما يحدثه القائلون في كلام الله بغير حجّة من طعون يدّعون صحّتها ويزعمون وثاقتها، كما يمكن أن نجد تقويما جاريا على مسائل لغويّة رأى الطّبريّ في بعض وجوهها تداعيا، حجّته في ذلك الاستعمال والتّداول وتصوّرات العلماء الموثوق برسوخ أقدامهم في علوم النّحو والقراءات والبلاغة وأسرار الصناعة.

وهذان النّوعان من أنواع التّقويم في جامع البيان مشدودان بأصل تقويميّ جامع هو التّقويم الاعتقاديّ القاضي بجعل الجمهور موجّها توجيها يتوافق ومبادئ الطّبريّ المذهبيّة، حتّى يحصل فعل الخطاب وتكون آثاره بيّنة يجليّها منتهى العمل الّذي ينجم عن إقناع المخاطب بوجاهة المحمولات الفكريّة الّتي رسّخها التّقويم وأجازها التّهذيب. وما قبول الطّبريّ بعض الأخبار الّتي أوردها الرّواة من جهة النّقل عن بعض “حجج الإسلام” من الفقهاء والمفسّرين والعلماء والصحب أتباعا كانوا أم تالين، إلا دليل على وعي الرّجل بضرورة الحفاظ على “الصّواب المؤقّت” الّذي يصادر على مطلوبه في تلك التّخريجات يجيزها ويقيم برهان انسجامها، ثمّ يبسطها على ملكة حكمه القائل بجوهريّة ما رسّخه الأسلاف من مبادئ تهدي القائل في النّصّ برأي إلى سواء السبيل وقيّم الخيارات.

فالتّقويم والتّهذيب استراتيجيّتان خطابيّتان تدخلان ضمن غايات الطّبريّ محاجّا يدحض آراء لا توافق أنظاره ويبني مقابلة وضدّا سنّة فكريّة يرسّخ مبادئها ويدعو الجمهور إلى العمل بها وتنفيق سلطانها في المحيط الاعتقاديّ والفضاء الإيمانيّ الّذي يقيم داخله، حتّى يصير التّهذيب وجها من وجوه تلازم القول بالعمل وصورة من صور إقامة عالم يضطلع فيه الطّبريّ قيّما على تعاليم الإسلام المتسنّن، بدور التّرغيب فيه سكنا نهائيّا، ومستقرّا مآليّا لا يرفضه رافض ولا ينتقض عليه منتقض، وبذلك يغدو مبدأ التّقويم أصلا من أصول استراتيجا الخطاب يحصّل به باثّه توافقا فعليّا مع المتقبّل/الجمهور الّذي انفعل واستجاب بمفعول برهنة عقّلت الاختيار ووقع أجاز متعته.

{{د- استراتيجيـا صون المعتقد / الأسيجة العـازلة}}

لقد صار معلوما لدينا أنّ المعتقد باعتباررمزيّته، يوجّه مسار الحِجاج ويمنح وجوه التّأويل، الّتي يجيزها الطّبريّ، شرعيّة تنفّقها وتجعلها لدى الجمهور الّذي صادر الطّبريّ على إيمانه مقبولة منسجمة، لذلك اندرج صون المعتقد أساس كلّ تنظيم دينيّ (باعتبار الإسلام من المنظورالأنثروبولوجيّ شكلا من أشكال التّنظيم الدّينيّ) اندراجا بنيويّا في مسار البرهنة وحركة الحجّة الّتي غدت حركة جارية إلى ترسيخ الاعتقاد في الأصول البانية كون الاعتقاد الإسلاميّ الأثريّ (الله – النبيّ – القرآن – الأحاديث الموثوقة…).

ولمّا كان الطبري لسان حال الإسلام المتسنّن ذي السّند الأثريّ في التّخريج والتّأويل، ندب نفسه كي يكون بمفعول تفويض وتزكية قائما على معتقد الأمّة صائنا له من كل طارئ يعكّر صفوه ويفسد انتاظمه، لذلك تراه يحشر ذاته في مواضع من تفسيره كثيرة ضمن دائرة الأصفياء اندماجا وتوحّدا، فكأنّه يروم بذلك خلع ضرب من القداسة الّتي لا يصرّح بها، لكن تخبرنا بوجودها أنظمة الكلام الصّامتة، على كلّ تأويل يجريه أو تفسير يبسطه قولا منتهيا، وبرهانا قاطعا ينفي كلّ إمكان ويبطل كل وجه، فيصنع بذلك من خلال استراتيجيا صون المعتقد سياجا عازلا يفصل بين الفرد الّذي أسلمته المؤسسّة الدينيّة الرّسميّة من خلال تنظيمات توجّه أنظاره الاعتقاديّة وممارسته العمليّة وتصوّراته الفكريّة الّتي غدت من جهة التّشريع أنظمة مبنينة يغري انسجامها، بكونها وحيدة الجنس مفردة الوجود لا ينوبها شكل ولا تعوّضها رؤية، وبين من عدّهم الطّبريّ تصريحا وبيانا مارقين، مدّعين، زاعمين يجترّون أقوالا في كلام الله ينقصها البرهان وتعوزها التّزكية من لدن أشراف الأمّة وعلمائها.

وبذلك يؤمّن الطّبريّ من خلال إقامة الفواصل بين جهات النّظر الرسميّة [الّتي زكّتها مؤسّسة الاعتقاد الرّسميّ فمنحتها الفعل والتّداول] وبين الجهات التّأويليّة الحادثة الّتي خرجت وشذّت، إذ طعن في انسجامها المنطقيّ الشكليّ وشكّ في جوازها التّداوليّ (العرف الاجتماعيّ – العرف اللّغويّ – العرف الإيمانيّ – العرف النّصّي (القرآن-الحديث)]، مسالك البرهان ومعابر الاستدلال الّتي عبرها يستطيع أن يجوّز أقواله في النّصّ القرآنيّ، إذ تغدو نهايات تفرّق بين الباطل والحقّ لأنّها ذات أصول (الحديث– النّصّ)، إضافة إلى كونها موسومة بالاستقامة المنطقيّة، مدعومة ببرهان العلماء والأوصياء تشريعا وسلطانا، وبذلك تكون استراتيجيا صون المعتقد مضافة إلى الاستراتيجيّات السّالفة ركنا ركينا في كوسموس الطّبريّ الاعتقاديّ المبنيّ على الانسجام الشّكليّ والتّوافق الأنطولوجيّ بين التّصوّرات الفكريّة وطرائق تأديتها علاميّا ورمزيّا.

{{هـ- استراتيجيـا الطّـاعة والاطمئنـان / المصـالحة المؤجّلة}}

تعدّ استراتيجيا الطّاعة والاطمئنان حاصل الاستراتيجيّات الّتي مرّ بك ذكرها وبسط عليك عرضها (استراتيجيا البيان/ استراتيجيا نفي التّنازع/ استراتيجيا التّقويم والتّهذيب/ استراتيجيا صون المعتقد) نظرا إلى أنّ الخطاب،أيّ خطاب، حتّى تكون نجاعته حاصلة وفعله محقّقا لابدّ أن يخاطب في الجمهور المتقبّل مرمى الطّاعة ومنتهى الاطمئنان، الأمرالّذي يحدث بين صانع الخطاب والمنفعل به ضربا من ضروب التّوافق النّفسيّ والانسجام التّصوّريّ وهو ما به تصيرمسالك الفهم ممكنة وطرائق العبور جائزة مؤمّنة المداخل، محمودة النّهايات استجابة وإجراء.

وهذه السّياسة الموجّهة بمبدأ تحصيل طاعة الجمهور المعتقد في كلّ فكرة تبسط على عقله والمنفعل بكلّ أثر يسلّط على قلبه، حاصل أمرها ومنتهى غاياتها بثّ الاطمئنان إحساسا يسري في كيان الفرد المسلم/المسلّم بأحكام التّخريج وجوازات التّأويل الّتي اصلها من النّبع وسندها من الأصل، رشّحها الطّبريّ أقوالا منتهية وحججا ضافية يحكم بمفعول تزكية الجمهور لها لأنّه أطاع وسلّم– سياسة عقول متقبّليه المطيعين المساندين (أتباع التّخريج الأثريّ) كما يؤمّن أولئك المريدين من شرور المتقوّلين على الله بغير حقّ والمدّعين علما بأسرار النّصّ بغيرسند يعقد أو حجّة تدعم.

وحتّى يحكم الطّبريّ قبضته على الجمهور مريدين/مناوئين يفترض ضربا من المصالحة المؤجّلة بين ما يدّعيه أهل الرّأي من جوازات تأويليّة لهم عليها براهين يعرضها الطّبري عرضا يفرّع ويفصّل، يوازن ويقابل، يعدّل ويجرّح، حتّى يقنع المتقبّل بتماسك نظامه البرهانيّ وصرامة نهجه الحِجاجيّ ردّا وتقويما. وما إن تحصل الطّاعة الّتي أجازتها أشكال الخطاب، حتّى يكون الاطمئنان حاصلا وتتويجا والمصالحة المقعودة بالافتراض والاقتضاء سياسة تؤمّن المسار وتحوّط الخطاب من مزالق الفرقة ومخاطر الخروج عن السّنن والقواعد الّتي أجازها العرف وأقام قوانينها التّداول ووجدت في أصول الاعتقاد (النّصّ والحديث) دعما وترسيخا.

وهذه الأمور كلّها تبني في محصّلة المسار البرهانيّ الّذي يسلكه خطاب الطّبريّ يقنع وييقّن، التّجانس المطلوب بين وعد النّصّ القرآنيّ (الجنّة– الطّمأنينة– السّكينة– الرضا– الأزل– الخلود…) ووعد النّصّ التّفسيريّ (دعم وعد النّصّ القرآنيّ وترشيح نذوره)، بطريقة تجليّ البيّن وترفع الشكّ عن كلّ مغمورصامت أو خفيّ ضامر، لتجعله بيّنا مفصحا لا تخالف ولا تعارض.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق