صورة العرب في عيون “المهزومين”! / حازم صاغية

صدر مؤخّراً في بيروت كتاب شجاع: شجاع معنويّاً ومعرفيّاً في الوقت نفسه. إنّه “الفتوحات العربيّة في روايات المغلوبين” (دار الساقي) للكاتب والصحافيّ اللبنانيّ حسام عيتاني.

 

والشجاعة هنا لا تتعلّق فحسب بالتجرّؤ على المسكوت عنه، بل تكتسب معناها من أنّ هذا المسكوت عنه جزء من نرجسيّة قوميّة وثقافيّة ودينيّة بالغة الحساسيّة، ينبغي ألاّ تُصاب بخدش أو تُجرح.

 

الكتاب، بحسب ما يصفه غلافه الأخير بإيجاز بليغ، استعادة لـ”أصوات الشعوب المغلوبة [التي ، غابت عن المدوّنة العربيّة غياباً كانت له تبعات سلبيّة على تشكيل صورة العرب والمسلمين عن أنفسهم”. وهؤلاء المغيّبون يشملون، بقدر من التفاوت، البيزنطيّين والأقباط والزرادشتيّين الفرس ممّن ضُمّت بلدانهم إلى عالم العروبة والإسلام.

 

ونعلم كم أنّ الرواية القوميّة ثمّ الإسلاميّة للتاريخ، تاريخناً وتاريخ من احتكّ بنا أو احتككنا به، مالت ليس فقط إلى حصر اللون الأبيض فينا واللون الأسود بذاك “الآخر”، بل أيضاً إلى اشتقاق معنانا في الحاضر من ذاك الموقع الذي أعطيناه لأنفسنا في ذاك التاريخ المؤسْطر.

 

والحال أنّ الكتابة العربيّة السائدة حول “الآخر” تكاد تقتصر على مضمون هجائيّ، تماماً كما يندر الربط بين هذا المضمون المفترض وبين تاريخيّته، أي الظروف التي أحاطت بولادته وتطوّره والوظائف التي خدمها. لكنّ الكاتب هنا يمنح هذا “الآخر” منبراً كي يقول ما يقوله “فينا”، وهذا غير مألوف في تناولنا التقليديّ لذاك النمط من العلاقات والتبادل، تماماً كما يحرم “الأهل” من المنبر الذي حرص الكُتّاب العرب والمسلمون على حصره فيهم.

 

فعيتاني، بكتابه هذا، يقوم بعمل مغاير للسائد والرائج، نائيّاً بنفسه تماماً عن تجميل صورة الذات، من دون أن يقع في خطأين مقابلين: خطأ لعن الذات وجلدها، وخطأ تجميل الذوات الأخرى، أو ذوات “الآخر”، والإغفال عن قصورها الذي كثيراً ما يشبه قصور ذاتنا.

 

والراهن أنّ همّ الكتاب الذي نحن في صدده لا ينبع من “رأي” و”موقف”، بقدر ما يصدر عن استنطاق للحقيقة التاريخيّة في الحدود التي يمكن معها الاستنطاق، وعبر منهجيّة تنحو في الغالب نحواً مقارناً. والحقّ أنّ الصعوبة الناجمة عن التعامل مع حقبة بعيدة نسبيّاً، ومع كمّ ضخم من الخرافات والخرافات المضادّة في شأن تلك الحقبة، تجعل الاستنطاق أقرب إلى حفر أركيولوجيّ مُضنٍ.

 

ولهذا ثمّة عودة إلى أصول المشكلة، أو تجلّيات أصولها، وهو ما يتجسّد في التسمية، إذ ما الاسم الذي أعطته الشعوب المغلوبة لفاتحيها من العرب المسلمين، وعن أيّة مخيّلة كانت تصدر التسمية هذه؟. فحين تتعدّد الأسماء وتختلط يكون الأمر، فضلاً عن التنميط، إعلاناً عن عجز التمثّل للموضوع المسمّى والموصوف.

 

وفي رحلة الكتاب الطويلة نسبيّاً، لا يبارحنا بتاتاً همّ التاريخ الطاغي، أي استخلاص الحقيقة من الروايات الذاتيّة، المثقلة بحمولة خرافيّة، وبمعنى ما إعادة إيقاف تاريخ منطقتنا على قدميه بعدما أُوقف طويلاً على رأسه، بالمعنى الذي قصده كارل ماركس لدى حديثه عن ديالكتيك هيغل.

 

ومن هذا القبيل، مثلاً لا حصراً، “ليس ما يفسّر الاهتمام الكبير الذي حظيت به شخصيّة سلمان الفارسي سوى ملاءمتها لضرورات الإيرانيّين في احتلال موقع متقدّم في التراتبيّة العقيديّة والسياسيّة الإسلاميّة. يقابل الدورَ الكبير الذي أدّاه سلمان في التاريخ الإيرانيّ ما بعد الإسلاميّ ضآلة ذاك [الدور] المنسوب إلى صهيب بن سنان الروميّ، الصحابيّ الآخر الذي ظلّت الإمبراطوريّة التي ينتسب إليها واقفة في وجه إعصار الفتوحات، على عكس الدولة التي جاء منها سلمان”.

 

وهنا أيضاً تلوح صعوبة استثنائيّة لابدّ أنّها واجهت حسام عيتاني قبل أن ينجح في التغلّب عليها. وسبب الصعوبة كامن في تعدّد الخرافات المتصارعة، العربيّة- المسلمة والغربيّة والفارسيّة.. الخ، وفي أنّ تلك الخرافات هي تعريفاً وليدة لحظة صراعيّة، إن لم نقل وجوديّة. ذاك أنّ اللحظة التأسيسيّة لوعي “الآخر” في كلّ من هذه الثقافات هي بالضبط لحظة الصراع معها صراعَ حياة وموت. وهاتان الكثافة والحدّة هما ما قد يفسّر كيف أنّ أعمال التنميط المتبادل (عرب- فرس، عرب- غرب.. الخ) ظلّت تستأنف حياتها المديدة ولو أنّها غيّرت أشكالها بين حقبة وأخرى.

 

والفكرة الضمنيّة هنا هي أنّنا حين نعود إلى التاريخ أوّلاً فإنّما نعود إلى الذات وإلى تحوّلاتها فنمنحها الأولويّة في التأويل، ومنها نطلّ على التنميط. وهذا ما يقابل الانطلاق من التنميط، كجوهر راسخ، لبناء التحليل عليه.

 

وموضوع كالموضوع الذي تناوله حسام عيتاني لا يكتمل من دون التوقف عند الكتابة العربيّة عن الاستشراق والمستشرقين، وعند التقليد الذي أسّسه في الولايات المتّحدة الأكاديميّ الأميركيّ- الفلسطينيّ إدوارد سعيد. فمن دون أيّ دفاع عن المستشرقين، وبعيداً من أيّ تبنٍّ أعمى للاستشراق الذي تُسجّل بعض شطحاته العنصريّة، يلاحظ المؤلّف أنّ “الاعتراف [العربيّ] نادر ومتفرّق في ما يخصّ حمل استنتاجات المستشرقين أفكاراً قابلة للجدل والنقاش حول الظروف التي نشأ الإسلام فيها والشخصيّات الرئيسة في الدعوة المحمّديّة وخلفيّات الفتوحات العربيّة- الإسلاميّة. ويضاف إلى قلّة ما تُرجم من أعمال المستشرقين ودراساتهم التي تتجاوز تحقيق المخطوطات إلى اللغة العربيّة ما يبدو وكأنّه إصرار من المترجمين العرب على مسح أيّ صدقيّة أو قيمة للأعمال تلك. فلا يكاد القارئ يصل إلى متن نصّ المستشرق إلاّ ويكون قد غرق في مناخ من الريبة والشكّ بدوافع هذا الباحث الغربيّ المتطفّل على ما لا شأن له به”.

 

وأبعد من ذلك ينهي عيتاني كتابه بملاحظة بالغة الذكاء والأهميّة، حيث إن “المشروع الإمبرياليّ الذي قادته أوروبا ثمّ حملت لواءه الولايات المتّحدة، قد استخدم أجواء الفتح العربيّ والردود عليه أكثر من قيامه باختراع رؤيته النمطيّة الخاصّة التي صاغها مستشرقون يعملون في دوائره ومؤسّساته. وتكون أركان الصورة والأفكار والأحكام النمطيّة الجامدة قد أرساها المؤرّخون العرب وعاونهم الكُتّاب المسيحيّون الشرقيّون الذين انتقلت أعمالهم إلى العالم المسيحيّ”.

 

وهذا يردّنا ثانيةً إلى أصل العلّة المتّصل بالذات نفسها قبل أن يتّصل بأيّ شيء آخر، وهو ما يشرحه عيتاني بدأب ملحوظ وغنى لافت في المراجع.

 

عن جريدة الاتحاد الإماراتية 14/5/2011

 

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق