صورٌ من كوبنهاغن.. وتساؤل عن موقف الشارع العربيّ إزاء تغيّر المناخ..؟!
هيثم حسين

انعقد في الشهر الماضي في كوبنهاغن مؤتمر دوليّ ضخم على أعلى المستويات من أجل معالجة قضيّة المناخ التي تعدّ من أخطر القضايا المستقبليّة في العالم. كثرت المظاهرات والاحتجاجات، تعدّدت البرامج والرؤى والطروحات. اهتمّ العالم بالبحث عن سبل ناجعة تكفل التقليل من الآثار الكارثيّة التي تخلّفها الأطماع البشريّة على البيئة، وهي ملك جماعيّ، لا تملّك فيه.. وبالتالي لا أثرة ولا إيثار. الكلّ سواسيّة من ناحية التأثّر بالأضرار الناتجة التي قد تختلف من منطقة إلى أخرى. لكنّ الثابت أنّ أحداً لن يكون بمنجىً عمّا ستؤول إليه الوقائع المتنبَّأ بها علميّاً، ومنها ارتفاع منسوب المياه جرّاء ذوبان ثلوج القطبين المتجمّدين اللذين لم يعودا كذلك تماماً، وبالتالي غمر المياه لكثير من المدن والعواصم الشاطئيّة. والإنذار الخطير بتخليف الكوارث المناخيّة ملايين المهاجرين الذين سيكون عددهم أكثر من عدد لاجئي الحروب كلّها، أي أنّ الإنسان مرّة أخرى أمام استبداد الطبيعة التي ظنّ أنّه قد روّضها شيئاً ما، وذاك الترويض المظنون ناقضه غرور وجشع لا يرتويان، فألّب ذلك الطبيعة، وأرغمها على التحرّك والتحوّل، فانبعاث الغازات والحرارة الناتجة، لا تضيع وتندثر في الجوّ، بل تؤثّر فيه بطريقة شرسة وتراكميّة وسريعة، مقارنة مع عمر الأرض المفترَض.

ففي حين كانت التبدّلات والتغيّرات في الأرض تأخذ ملايين أو ألوف السنين كي تنجز، هاهي ذي تتسارع وتيرتها، ويكون مداها الأقصى المجدي/ المُفجِع أقلّ من نصف قرن، حتّى تقضي على مدن وحضارات برمّتها..

وسط هذا الصخب والضجيج حول المناخ، وسط الثورة الواجبة للقيام بها من أجل البحث عن مقترحات للحؤول دون وقوع الكوارث المتوقّعة التي ظهرت بوادرها إلى السطح، ما الذي يقوم به الشارع العربيّ..؟! هل للشارع العربيّ موقف إزاء تغيّر المناخ..؟!

لعلّ سؤالاً كهذا يثير حفيظة البعض، كما قد يثير استهجان آخرين، ولا شكّ أنّه سيثير السخرية عند بعض آخر. وذلك لأكثر من سبب، منها أنّ الشارع العربيّ تعوّد، بحكم طول الممارسة، على التلقّي فقط، على التأثّر فقط، على التباكي والاستبكاء فقط، على انتظار الآخرين كي ينقذوه فقط، أمّا أن يقوم بمبادرات خلاّقة فهو ما لا يتوافق مع تركيبته التي دأبت الأنظمة على أسره وحصره وتقييده فيها.. لأنّ التفكير قد يكون دلالة الوجود، والوجود يحيل على الحرّيّة ويستوجبها، وهذا نقيض الذهنيّة العربيّة السائدة المتحكّمة.. وسبب آخر كي يبرّره بعض متشاطر، هو أنّ الغرب والدول الصناعيّة الكبرى هي سبب تخريب الأرض وتغيير المناخ وعلى عواتقهم تقع مسؤوليّة الإنقاذ، وربّما يظهر سعادته في أنّ العرب لم يصبحوا من أرباب الصناعات، أو دولاً عظمى تقع على عاتقها مسؤوليّات جسام، وأنّ الرضا بالحال والقناعة الزائفة كانتا إيجابيّتين هذه المرّة، وأنقذتا من مهمّة الإنقاذ الشاقّة.. فحيث يعجز العربيّ عن إنقاذ نفسه من ويلاته وكوارثه التي ابتلي بها، وفي بدايتها الجهل والتخلّف، فكيف به سيتفهّم المشكلات الكبرى، ليساهم في إنقاذ نفسه وغيره، من كوارث تغيّر المناخ، وهو الذي لم يدرك بعد ما يعنيه المصطلح بدقّة.. كما لم يثر الموضوع اكتراثه ومبالاته..

وهذا لا يأتي من باب تقريع الذات، بل هو الواقع تماماً، فنظرة على الشارع العربيّ، أو استطلاع بسيط، يفضح حجم الجهل السائد فيه، ولا يكفي أن يكون هناك بضعة مثقّفين يبرزون حجم الخطر المحدق الذي يستدعي خططاً جماعيّة جبّارة، ووعي حكوميّ مسؤول، لتساهم في نشر توعية وإشعار بالمسؤوليّة بين فئات الشعب.. وقد يكون في البحث عن الخطط بيت الداء، لأنّ الشارع العربيّ بدوره اعتاد على تأخّر وضع الخطط، أو عدم تنفيذها في حال وضعها.. ومن هنا يجب علينا أن نعي بأنّ الأرض لنا جميعاً، وليست للدول العظمى فقط، وأنّ التملّص من المسؤوليّات يجعلنا أوّل الضحايا ككلّ مرّة.. كما علينا إدراك أنّ التفرّج و«التشفّي» يعودان بالضرر علينا بداية..

مثال بسيط على بداية اللجوء المناخيّ ففي الجزيرة السوريّة مثلاً هناك مئات الألوف من المهاجرين والمهجّرين واللاجئين إلى العاصمة دمشق تحديداً جرّاء مواسم الجفاف التي سادت المنطقة منذ سنوات، ما أجبر الناس على البحث عن العيش، وقد شكّل ذلك ضغطاً كبيراً على المدينة لا تستوعب هذا الكمّ الكبير من الوافدين إليها، علاوة على اللاجئين العراقيّين الذي يتجاوزون المليون والنصف وفق الإحصائيّات الرسميّة.. ولا يعكس الاهتمام بحجم الأمطار في السعوديّة من قبل السعوديّين الاهتمام بالمناخ العالميّ، بل بتقلّبات مناخيّة محلّيّة لم يدرك، بعد، تماماً بأنّها لا تنفكّ عن التغيّر العامّ العارم. ولا تكون مؤازرة لاجئي السيول بالرقص والغناء مجدية، بقدر ما تستلزم توعية وعملاً دؤوباً..

كما أنّ الوعي بأهمّيّة البيئة ما يزال غائباً عن أذهان الشعوب العربيّة التي تتواكل في هذا الأمر، ككّل الأمور الأخرى، على الغرب، بحجّة أنّهم – الغرب – مَن يتسبّبون في المشكلة وعليهم البحث عن حلول لها، مدفوعين بذلك من الجهل المطلق بالوعي البيئيّ، والرغبة عن كلّ ما من شأنه الحديث عن شؤون كونيّة، مفضّلين الانزواء والتراجع إلى الوراء وانتظار الفرج من الآخرين، ولا ضير إن كانوا أوّل الخاسرين..

البيئة التي هي صديق وأم الإنسان تتحوّل إلى عدوّ شرس ينبغي ترويضه.. وإلاّ فسينقضّ غير مفرّق بين هذا وذاك.. العالم يثور ويحتجّ والعرب يتفرّجون كالعادة، ولا يستنكرون كالعادة، وكأنّ الأمر لا يعنيهم..

خرج المؤتمرون بخطط ومشاريع مستقبليّة أرضت الجميع ولم ترضِ أحداً.. وهنا الكارثة الوشيكة..

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق