صور البطولة المعاصرة / بقلم فادي العبد الله

صور البطولة المعاصرة / بقلم فادي العبد الله
يطرح علينا تتالي الأحداث التي تتسارع من حولنا، وتهزّ أركان ما كان الظنّ به متطاولاً، ضرورة إعادة التفكر في منظومة الصور المشحونة بقيمة رمزية، وتنظّم حيواتنا وترشد الخطى. في إطار هذه المنظومة تحتل البطولة عموماً مكانة عليا، فهي حيث يتجاوز المرء ما نحسبه قدرة الإنسان، تحملاً أو تضحية أو قوة أو جرأة أو عبقرية، وتؤكد استطاعته دوماً تجاوز هذه الحدود الموقتة، وتمكين مثلٍ عليا من التحقق واقعاً ولم تكن لولا أبطالها لتتحقق.

طويلاً، كان الفارس يمثل أعلى صور البطولة غير الدينية في قواميسنا ومفرداتنا، فهو صاحب السيف الأصدق إنباءً من الكتب، وهو جماع المروءة والشهامة ومكارم الأخلاق، وإلا ما استحق أن يقرن اسمه بالفروسية. بل نقل العرب عدوى الفروسية هذه إلى أوروبا، في عصر التلاقي الحربي ما بينهما، فانتشرت قصص الفروسية وأخبارها متنفساً لأوروبا القروسطية من قيودها. وفي حين بدأ تفكك سطوة صورة الفارس هذه في أوروبا، منذ ثرفانتس ودون كيخوته، فإنها ظلت طويلاً تقيم في ربوعنا ولا تزال تدغدغ أحلام الكثيرين منا. في هذا المعنى، لم يكن هيام العرب بجمال عبد الناصر كونه يمثل مشروعاً نهضوياً، بل كونه يتماهى مع صور الشهامة والشجاعة والفروسية، وهو كان حريصاً على هذه الصور حتى وإن أودى به ذاك إلى التهلكة. ثم فرضت تقنيات الحرب الجديدة آنذاك في أوروبا صورة جديدة للبطولة، بعد الفروسية والشطحات الصوفية والرومنطيقية، هي صورة الجندي، وتحديداً صورة جندي الديموقراطية، على ما يلاحظ ألان باديو (العلاقة الغامضة بين الفلسفة والسياسة) الذي يشير أيضاً إلى أن الفارق بين الجندي والفارس يكمن في كون الجندي غفلاً، مجهولاً، لا يقام له نصب إلا في وصفه مجهول الهوية. أي أن تمجيد صورة الجندي تمجيد لإنسان يقبل بأن يصير تفصيلاً صغيراً في آلة جهنمية هائلة، مرتضياً التضحية لأجل الديموقراطية والشعوب الحرة، على ما أرست الحرب العالمية الثانية أسطورتها.
أما لدينا، فالأرجح أن إبدال صورة الفروسية، وهو غير ناجز في حالٍ من الأحوال، حصل حين طفت على السطح صورة الشهيد. عن مطلع الحرب اللبنانية الأهلية، ومن ثم الحرب الاسرائيلية على لبنان، يروي بلال خبيز في مجلة “باحثات” كيف تحوّل المناضل الحزبي، ومن ثم المقاوم، مثالاً يشتهى احتذاؤه وكيف صارت الندوب امتيازاً يجيز التشاوف ويلفت الأنظار. إلا ان ذلك سرعان ما تلاشى، حين كشفت الحرب عن وجهها، وتكشف مثال المقاوم بدوره عن عشق الشهادة التي تجيز الاحتفال بالشهيد عريساً وتنثر صورته مناطاً للغيرة والحسد على كل الجدران وتحيل الشبان مشاريع لشهداء افتراضيين، على ما يقول عنوان ديوان لعادل نصار. عادل نصار نفسه خرج من هذه المصيدة حين اكتشف، ذات ليلة ثملاً، انه كان يبول على الحائط الذي ألصقت عليه صور شهداء حزبه الذين كان يحسدهم ويمنّي النفس باللحاق بهم كي تكون صورته معهم. لكن الكثيرين منا لا يزالون يرون في الشهداء نماذج البطولة القصوى، حيث تمتزج الشجاعة بالتضحية حتى حدود الموت الصريح، بل لا يكون الموت نتيجتها بل هو شرطها الأساس.
بيد أن التحركات الشعبية الواسعة الأخيرة في أرجاء العالم العربي، أبدت تجاوزاً لهذه الصور البطولية، وأظهرتها في مظهر الفائض على الحاجة والغرض، فأنهت أحلام الزعامات وفروسياتها، وتخلّت عن منطق النضال الحزبي في حزب يختصر الطبقة أو الأمة في نفسه، كما تجاوزت عشق الشهادة واعتبرت كل شهيد خسارة لا يعدلها شيء لولا أنه لم يكن منها مفرّ بفعل عنف السلطة. تبدّل هذه الأحداث صوراً علاها صدأ الزمان بأخرى حديثة لا تزال غير ناجزة. ربما في الإمكان الآن تلمّس بذور نماذج حديثة لبطولة معاصرة، تنبني أمامنا ملامحها ولا تزال من دون اسم مكتمل. من هذه البذور، ثلاثة تلفت اهتمامنا في هذه المقالة، هي صور المرأة والناشط في الخفاء وأخيراً المهرّج الساخر.

المرأة بطلةً

في كل التحركات الشعبية الأخيرة، وبخاصة في تونس ومصر، حيث كانت التغطية الإعلامية متوافرة بشكلٍ كافٍ، كانت المرأة بارزة الحضور، تتقدم الصفوف، أو تُرفَع على الأكتاف، أو تستشهد. في لبنان، كان هناك سابقاً حضور أكيد للمرأة في العمل المقاوم، وحتى في العمل العسكري، لا يتمايز فيه عنها الرجل، ثم خفت هذا الحضور مع تراجع الأحزاب العلمانية. أما في سائر البلدان العربية، وفي التظاهرات والتحركات المنظمة، فلم تكن المرأة في السابق أكثر من عنصر إضافي في ديكور التعبئة الهاتفة بالموت أو بإعلان الولاء الأبدي. لكن تونس ومصر، ولبنان 2005 من قبل، أعادا الى المرأة حضوراً فاعلاً في التحركات الشعبية الضخمة، لا لإغواء الكاميرات فحسب، بل كمواطنات فاعلات في تقرير مصير بلدانهن.
لماذا كان هذا الحضور بطولة وأيّ حدود يتخطى؟ هو يتخطى حدود الخوف ويصير بطولة حين يحرر الرجل في الوقت عينه منه. ذاك أن المرأة في شوارع تونس ومصر، وسوريا حديثاً، وغيرها، حين تعلن كونها مواطنة فاعلة، تنتسب إلى نفسها وإرادتها، وتتحدى الخوف المزروع طويلاً فيها، ليس فحسب من الدبابات والأسلحة، بل خصوصاً من الرجال ونظراتهم وتحرشاتهم، ذلك الخوف الذي يقسم مجتمعاتنا أحيازاً يحظر عليها اللقاء ويفرض عليها التخلف. النساء، في الميدان والشوارع، لسن أمهاتنا واخواتنا وزوجاتنا، على ما يقول خطاب مكرور يزعم عليهن وصاية بدعوى الحماية الموهومة، بل نحن أولادهم واخوتهم وأزواجهم. إليهن ننسب، يوم القيامة على ما يقول التراث الإسلامي، ولا ينسبن إلينا. وهن، بتحررهن من الخوف، يحررن الرجال أيضاً من هذا الخوف المزعوم ومن قيود الوصاية التي تكبل الطرفين معاً وتمنع الجميع من العيش كبشرٍ متساوين لهم جميعاً الحق عينه في تقرير حيواتهم واستكشاف قدراتهم في ظل مسؤولية كل فرد عن نفسه وحرية الجميع.

البطولة في الخفاء

أين اختفى وائل غنيم الآن؟ الكادر في شركة “غوغل”، الذي أدار مجموعة “كلنا خالد سعيد” التي كانت من الداعين والفاعلين البارزين في الثورة المصرية بفعل نشاطها على الانترنت، ظهر في بضعة احاديث، تخللتها دموعه التي أعادت الحماسة إلى الكثيرين بالتزامن مع احداث العنف التي جرت في ميدان التحرير القاهري، ثم ما لبث ان اعتذر عن بعض مضمون ما تحدث به أو جرى على لسانه، مبدياً رغبته في العودة إلى الخفاء الذي ميّز عمله منذ البداية، ورغبته في الابتعاد عن الخوض في مضمار السياسة. أياً يكن الرأي في نظرته إلى هذا المضمار، وهي نظرة واسعة الانتشار في اوساط الناس في بلداننا عموماً، عن كون السياسة عالماً تحكمه شرائع الغاب والعنف والفساد والانتهازية، فإن ما يلفت في حديث وائل غنيم، وهو واحد من قلائل نعرف لهم اسماً ووجهاً بين مَن شكلوا الثورة في مصر، هو الرغبة المعلنة في الخفاء، التي حققها الكثيرون من زملائه بالفعل.
ارادة الخفاء هذه، والقدرة على تحدي سطوة الصورة وحدة الرغبة في الشهرة، في عالم تحكمه إلى الحدود التي نعرف، شهوات الشهرة وأحكام الصور، لا تقلاّن تحدياً للنفس وجهاداً لها عن تحدي الخوف، وليستا أدنى كرماً من الجود الواسع، كما ان الخفاء عن الصورة لا يعني الخفاء عن الحكام (الذين وضعوا غنيم في الصورة رغماً عنه) ما يعني أن هذا النوع من النشاط في الخفاء لا يستتبع شجاعة أقل من أولئك الذين يجهرون بالمواقف. فوق ذاك، فإنه يتطلب نكراناً للذات عارماً، أمام العموم، بهدف تمكينها من أن تكون في الآن عينه فاعلة في حيّز عام وذاتاً فردية حرة في حيّز خاص، في توازن نادر وجريء وجديد.

بطولة الساخر

شهدت أيام الغضب المصري والتونسي تحديداً قليلاً من الغضب العنفي، لكنها في المقابل شهدت تفجراً لطاقات الشعبين على السخرية وابتكار النكتة المرحة والعنيدة. قد تستحق شعارات هذه المرحلة ونكاتها، دراسات واسعة، لكن ما تنبغي إليه إشارة في سياق هذه العجالة هو أن النكتة السياسية في صلبها استدخال عالم الحياة الثري والمتناقض والتافه والهامشي ومفردات الجسد المحسوس بتعبه واحتياجاته إلى لغة السياسة المتعالية والمتخشبة. كيف يسعنا ان نستقبل إذاً، بسوى الضحكات، الرد على رئيس الجمهورية بالقول “امشي، عايز اروح احلق شعري” مثلاً، أو أن تذكر اليد من دون ان تكون شلواً أو مقطوعة، فيقول رافع اللافتة “امشي بقى ايدي وجعتني”… الخ.
لا تكتفي الثورات إذاً بإعادة تعريف مفردات مثل الشعب والحرية والكرامة وتحويلها عن رطانتها في لغة السياسة العربية لتصير حرية كل فرد وكرامة كل مواطن، بل هي تنسف أساس اللغة السياسية المتخشبة، أي انتفاخها بمفردات الفخامة والتعالي وهواجس العظمة والأبد والخلود، وهي تعيد احياء العقد السياسي للمجتمع، بقوة السخرية والمرح، عبر خلط المطالب السياسية والاجتماعية الواضحة والمحقة بلغة الجسد وحيويته وتفاصيل يومياته. فكيف لا يكون بطلاً، أو تكونه، من لا يكتفي حين يصوغ شعارات جديدة بتحدي العادات العقلية الراسخة وخطاب السياسة العربية المتجذر عميقاً منذ عقود طويلة ولغته المفروضة قسراً في كل المحافل وعلى كل الناس، بل يتجاوز ذلك إلى تحدّي مراتب اللغات ويخلط متشاوفها بنافلها ويعيد تعريفها واحياء وظائفها في المجال السياسي، مولّداً حدثاً تهزّ وقائعه أرجاء الأرض حتى في الصين، حقاً لا مجازاً.
قد يكون ما يلي تعريف البطولة التامة في مقبل الأيام: امرأة تعمل في الخفاء بمرحٍ على خلخلة سطوة اللغة. أو في احتمال آخر، خروج المُلهِمات إلى الفعل، فما سيكون قول الشعراء سوى تكرار القول إن المرأة مستقبل الرجل وآتيه؟

عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية 1/5/2011

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق