صَاحبَاتُ الحَق… الوَاقفَاتُ عَلَى الجَمر: أو هَكَذَا يُمَارسُ شَهرَيَار شَهَوَاتَهُ افتَراضًا عَلَى شَهرَزَاد مُتَخَيلَةً…



 

رغم تَنَاسل طقوس العبور التي تحَاول، منذ بدء الخَلَيقَة إلى اليوم، الاقترَابَ أكثر من أنسَنَة الإنسان، فإن تاريخ البشرية ما يزال تاريخ قَمع متَنَام… تاريخا عموديّ المشهد لا تستقيم سَيرورته وصَيرورَته إلا من خلال تصعيد فائض العنف والتسلط  والتملك والقمع والإخصاء والإقصاء والاضطهاد وفرز الأنماط والمسخ واللعن والتهميش والتحريم… والتوزيع اللاعادل، وكلّ المتواليات العدمية، مؤسّسا، بنسق تصاعديّ، لبنية الشرخ من خلال نسج شبكة خطابية سلطوية، وإدارة لعبة علاقات غير متكافئة ومتحركة تتطوّر بشكل صاروخيّ لحظة بعد لحظة.

فالهندسة الاجتماعية لتاريخ البشرية، هندسة رسم ومحو، تتطاول فيها ممحاة الممكن كلّما اشتدّ قلم الرصاص (الواقع المكرّس) صلابة في رسم الحدود فوق الورقة التي تحملها، أي البشرية… هندسة التشبث بالاستقرار داخل بنية هرمية مصطنعة واهنة في عمقها، متطرّفة في مداها، إن خَفَتَ فيها صوت السلطة هنا فإنه يولد هناك في ثوب جديد…

يولد صوت السلطة هنا قوة ضاغطة، وهناك يتناسل قانونا ملزما…

يولد صوت السلطة هناك هادئا ولا مرئيا، وهنا يتناسل أرعنَ وفظّا…

يعلو صوتها هنا ميثولوجيا، وينمو هناك أيديولوجيا…

تتجلّى صورتها هناك في مؤسّسات مستقلة، وتظهر هنا في مؤسّسات مندمجة ومنصهرة…

يعلو صوت السلطة هنا وهناك مرتبكا ومحتشما تارة وتارة أخرى واثقا ومعتدا…

ضمن هذه الثنائيات التاريخية والإيديولوجية والسوسيوثقافية، والانثروبولوجية… وتحديدا ضمن الثنائيات القانونية يتنزّل الكتاب الصادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، ضمن سلسلة تعليم حقوق الإنسان الذي طرحته أستاذة القانون بالجامعة التونسية حفيظة شقير بمعية الأستاذ الحبيب الحمدوني منذ أسابيع قليلة بين يدي جمهور القراء باعتباره منجزا قانونيا ذا صبغة تحليلية ومقارناتية بسبره لأغوار المنظومة القانونية المتعلقة بحقوق النساء في منطوقه، وملامسته في لا منطوقه لتجليات سلطة القانون هناك وقانون السلطة هنا، وقد اختارا له من العناوين: “حقوق الإنسان للنساء بين الاعتراف الدولي وتحفظات الدول العربية” (1) وقدمت له الدكتورة فريدة النقاش.

ضمّ هذا المنجز ثلاثة فصول رئيسية عالج أولها مسألة حقوق الإنسان للنساء والاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء جميع مظاهر التمييز المسلّط على النساء. وفي الفصل الثاني قدّم الباحثان مواقف الدول العربية من المصادقة أو الانضمام للاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز المسلط على النساء. وقدّم الفصل الثالث والأخير لمحة عن التحفّظات التي تقدمت بها الدول العربية وضمن هذا الفصل طرح المؤلّفان رؤيتهما النقدية للتحفّظات وتصورهما للعمل من أجل رفع تلك التحفظات.

 من دلالات العنوان:

يحمل التركيب اللفظي لعنوان هذا المنجز شحنة كبيرة من الرموز والإحالات الدالة على استمرار وضع اللامتكافئ في الحقوق بين المرأة والرجل، بل هو موغل في سخريته من انخرام المنظومة الحقوقية رغم تلبسها بلبوس الإنسانية والكونية، فذكر حقوق الإنسان للنساء لا يعني أبدا أن النساء جنس لا ينتمي إلى عالم الإنسان، وإنما في العنوان ردّ واع على التمييز اللغويّ المكرس في التعبيرة الفرنسية عن حقوق الإنسان حيث أن les droits l’Homme de  تقصي حتما ولفظيا النساء ولذلك كان لا بدّ من التصويب لكي يتحدث العالم اليوم عن الحقوق الإنسانية للنساء les droits humains des femmes   في اتجاه مساواة لغوية تمهد للمساواة في الحقوق وتستوعبها كرؤيا نحو تكريسها في الواقع.

ولكنه وبمعزل عن الاعتراف الدولي بحقوق النساء وبمنأى عن التصويب اللغويّ المشار إليه فإنّ حواجز التحفظ التي تقيمها الدول العربية على الاتفاقيات الدولية وتختلف درجات ارتفاعها بمدى انخفاض منسوب الديمقراطية والحريات من بلد إلى آخر تبقى تعبيرة “موضوعية ” تدل على تباين مواقف سلطة الحكم في كل قطر من مسألة الحريات، إذ أنه يتفاوت تشددا أو تساهلا بتفاوت مدى ديمقراطية هذا الحكم أو استبداده ومدى إعلائه أو تحطيمه لحاجز التجهيل السياسي الشاهق المضروب على أفق المواطن العربي مند قرون خلت، وحال بينه وبين إدراك الأوليات والبديهيات الأساسية المتعلقة بحقوقه في وجه السلطة.

وكأن شهرزاد فرّت إلى الطرف الغربيّ من العالم وتخلّصت من بطش شهريار وظلّ هذا الأخير في جغرافيته العربية يمارس شهواته افتراضا على شهرزاد متخيلة بما ملكت قدرته من إيمان أنطولوجي ولاهوتي ميتافيزيقيّ بتفرده بقيادة المؤسسة سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو دينية أو ابستيمية…

ويمكن أن نذهب بعيدا في دلالات عنوان هذا الكتاب فنفترض أنّ الكاتبين يقرّان بلا إنسانية البيان العالميّ لحقوق الإنسان المؤرخ في 10 ديسمبر 1948 وهذا تأويل ممكن وقريب ذلك أنّ هذا البيان الكونيّ في الظاهر يستند في عمقه إلى نظرة تراتبية أفرزتها طبيعة المرحلة التاريخية التي صدر فيها (1948)، إذ ليس لحقوق الإنسان من معنى سوى حقّ رجل الأعمال الغربيّ في التسرّب إلى كلّ ركن من أركان العالم للسيطرة على الأسواق والاستحواذ على الثروات واستثمار موادّه الأولية وتحقيق الأرباح، وهذا هو جوهر كونية حقوق الإنسان بالمفهوم البرجوازيّ الإمبرياليّ، رغم منطلقاته الفلسفية المستندة لفلسفة الأنوار ورموزها مثل فولتير ومونتيسكيو وجون جاك روسو… ويسعفنا تقديم الكتاب الذي تكفلت به الدكتورة فريدة النقاش، ما يعزز تلك النظرة التراتبية، وتحديدا من خلال الفقرة التي بينت ضمنها دور الاتكال الاقتصادي، حيث تقول أنه “في دراسة أجريت في 90 مجتمعا بشأن ضرب الزوجات تبين أن المساواة الاقتصادية عامل حاسم في منع العنف ضد المرأة، إذ يمثل حرمان المرأة من السلطة الاقتصادية والاستغلال الاقتصادي سببا رئيسيا للعنف ضد المرأة لأنه يديم وضعيتها الضعيفة بسبب اتكالها اقتصاديا.” (2)

 تعددت التوظيفات والدين واحد…

قبل أن نقف على أهمّ ما جاء في الفصول الثلاثة لهذا الكتاب المرجعيّ يحسن بنا أن نعود إلى المقدمة التي صاغها الكاتبان لتوفرها على مدخل إطاري للإشكاليات المثارة في العالم العربي الإسلامي بسبب الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء جميع مظاهر التمييز المسلط على النساء، حيث يؤكد الكاتبان على أن بروز الحركات الدينية في الدول العربية الإسلامية غذى التشكيك في المنطلقات الإنسانية للاتفاقية استنادا لطابعها الغربي ومنبعها الاستعماري وأثيرت مسألة الخصوصية الثقافية والحضارية، ومن خلال المقارنة بين اختلاف استعمالات النصوص الدينية من قطر لآخر، وتباين التأويلات والتوظيفات للنص القرآني بالأساس يتبين للقارئ التستر المفضوح للأنظمة الحاكمة بالخصوصيات الدينية الضيقة أمام الطابع العالمي للحقوق الوضعية ومنها حقوق النساء، فالعامل الديني في وجه من وجوهه يمثل “مصدرا لفرز الأنماط وبَنيَنَة المتخيل.” (3)

وقد عبرت الدكتورة رجاء بن سلامة عن هذه المسألة بشكل مدقق ضمن احد مؤلفاتها حيث بينت أن “الحجّة الدينية هي نوع من أنواع حجج السلطة باعتبارها لا تستمد قوّة إقناعها من منطقها الخاصّ أو من تطابقها مع واقع ما، بل من موقع قائلها أو من المرجع المقدس الذي أخذت منه واليه تمت الإحالة”. مبينة أنه في مجالي الأحوال الشخصية والمناصب التسييرية يبرز بوضوح جلي “تقسيم الأدوار الجندرية المكرس باسم الشريعة أو باسم الخصوصيات الثقافية.”(4) ولو أن التاريخ القريب يسعفنا بعكس ذلك، وان كان بنفس المنطلقات، ذلك أن التسيّب السياسي والحاجة إلى المال اللذين شهدتهما مصر لما كانت بيد المماليك أواخر القرن الثامن عشر مكّنا النساء من مشاركة اقتصادية متميّزة حيث “بلغت نسبة النساء المالكات للعقارات قرابة 40 بالمائة.” (5).

 تعدّدت الأنظمة والحرمان واحد…

ضمن المبحث الأوّل من هذا المنجز يقر الكاتبان بأنّ المسافة لا تزال طويلة لبلوغ المساواة مع الرجال مستندين في ذلك إلى جملة من المعطيات الميدانية كاستمرار محدودية حقوق النساء في المجال العائلي مثل الموافقة على الزواج والطلاق ومسؤولية الأطفال والسلطة داخل العائلة وإسناد جنسية الأطفال…(ما عدا تونس فيما يخص قانون منع تعدد الزوجات) وكذلك في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ما تزال المرأة مهضومة الحق في كل ما يتعلق بالتعليم والشغل والصحة والضمانات والحيطة الاجتماعية… أما في المجال السياسي فالأمر لا يختلف في مجمله، وعلى اختلاف درجات اكتساب الحقوق من بلد لآخر، فإن الحق في الانتخاب وفي الترشح وتولي المسؤوليات لا تزال بدورها مطالب تنادي بها النساء في أكثر من بلد عربي وخاصة في دول الخليج… طبعا إلى جانب الحقوق المتصلة بالكرامة وبحرمة الجسد الأنثوي وحمايته من العنف المادي والرمزي. أَوَ لَيسَت السلطة بالأخير واحدة في الزمان وان كانت مختلفة في المكان مثلما دلل على ذلك ميشال فوكو في كتابه  “نظام الخطاب”.

وكان يمكن للكاتبين ضمن هذا المفصل أن يبينا تجلّيات سلطة الحرمان المضروبة على النساء خاصة أنهما أكدا على اختلاف درجات تمتع النساء بحقوقهن، فأوجه ممارسة السلطة بدورها تختلف من بلد لآخر حيث تمارس بعض الأنظمة الكيفية القسرية في فرض توجهاتها وتمارس بعض الأنظمة الكيفية التعويضية وهناك من يوهم بممارسة كيفية تلاؤمية، وجميعهم يلتقون تحت مظلة “الهيمنة الذكورية”.

تاريخيا اعتبر ميثاق الأمم المتحدة الموقع سنة 1945 مبدأ المساواة بين الجنسين مبدأ أساسيا تقوم عليه المنظمة، وتم إقراره في توطئة الميثاق كهدف موحد من خلال التأكيد على أن الإيمان بحقوق الإنسان الأساسية وبكرامة الإنسان وقيمته بالحقوق المتساوية للنساء والرجال. وقد أكد الفصل الأول من هذا الميثاق على ضرورة التعاون الدولي في تعزيز احترام حقوق الإنسان والحياة الأساسية للناس جميعا، وهذا أيضا ما تم تأكيده بعد ثلاث سنوات وتحديدا لحظة تقديم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يوم 10 ديسمبر 1948، وقد أشار الكاتبان إلى مدى قيمة الميثاق والإعلان العالميين في تعزيز المنظومة الحقوقية الإنسانية، وفي نفس الوقت لم يفوّتا الفرصة للإشارة إلى عمومية الوثيقتين في علاقة بحقوق النساء مباشرة وبصريح العبارة، رغم أنهما لم ينصصا على نسبية مفهوم التعاون الدولي الذي نص عليه الفصل الأول من الميثاق باعتبار أن من مقاصد الأمم المتحدة تعزيز هذا التعاون لاحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس، ذلك أن مفهوم التعاون لا يرتقي إلى درجة مفهوم الالتزام مثلا.

وتجاوزا لمَ أسماه الكاتبان “ثغرات الإعلان”، وتأكيدا لبعض أحكامه وتطويرها وإعطائها صبغة إلزامية، ظهرت مجموعة من الاتفاقيات الدولية الخاصة بالنساء مثل الاتفاقية بشأن الحقوق السياسية للمرأة الصادر في 20 ديسمبر 1952  والاتفاقية بشأن جنسية المرأة المتزوجة الصادرة في 29 جانفي 1957 والاتفاقية الخاصة بالرضا بالزواج والحد الأدنى لسن الزواج وتسجيل عقود الزواج الصادرة في 7 نوفمبر 1962 ، إلا أن مجمل هذه الاتفاقيات وعلى خصوصيتها وقيمتها فهي لم تحقق تطورا ملحوظا مما دفع بالجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى اعتماد عهدين مطبقين لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وترجمة للتوازن الدولي في تلك الفترة، وهما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية …

 طفرة القانون… كمون التطبيق

كل هذه “التراكمات” القانونية والتشريعية أفضت إلى الوصول إلى ما أسماه الكاتبان “أهمّ نصّ دوليّ ينظم حقوق النساء” والمتمثل في الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء جميع مظاهر التمييز المسلط على النساء، وقد قدما جملة من المعايير لتفسير إيراد مصطلح “التمييز” دون سواه ضمن الاتفاقية محيلين على مجهودات المنظمات غير الحكومية العالمية والإقليمية والمحلية التي ضغطت بالشكل الذي معه تبلور الوعي أكثر فأكثر بضرورة الربط والتطابق بين حقوق الإنسان وحقوق الإنسان للنساء ليرتقي بذلك إلى مرتبة الحق الإنساني.

وقد اعتمد الكاتبان أجيال مدونة الحقوق الإنسانية الأربعة، حيث إلى شمل الجيل الأول الحقوق المدنية والسياسية، والثاني الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثالث الحقوق الجماعية والتضامنية وحقوق التنمية والديمقراطية والسلم والبيئة، أما الجيل الرابع فهو جيل احترام جسد الإنسان وعدم امتهانه، وهذا الترتيب يستمد انتظامه لا من خلال تطور المجتمعات، وإنما أساسا من خلال فقدان الحقوق والآليات الضامنة لها خاصة في المنتجعات المحلية المستندة إلى الخصوصيات الحضارية والثقافية والدينية كذريعة “أنطولوجية” لحرمان مواطنيها من حقوقهم، مسيطرة بذلك على “أسباب الجَمعَنَة التي تحتكرها بأجهزتها الإيديولوجية والقمعية المختلفة” (6).

ولئن قدم “أهمّ نصّ دوليّ ينظّم حقوق النساء” والمتمثل في الاتفاقية الدولية الخاصة بإلغاء جميع مظاهر التمييز المسلط على النساء جملة من التدابير القانونية  كإدماج مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الدساتير الوطنية والتشريعات واتخاذ كل التدابير التشريعية الجزائية لحظر كلّ تمييز ضدّ المرأة وفرض حماية قانونية لحقوق المرأة والامتناع عن أيّ ممارسة تمييزية ضد المرأة وإلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزا ضدّ المرأة… فإنّ هذه الاتفاقية تجاهلت الحقوق الإنجابية والجنسية وحماية النساء من كل أشكال العنف وحقوق البنات… ولذلك يقترح الكاتبان ضمن هذا المنجز الاعتماد على الآليات والطرائق العملية لحماية حقوق النساء، ولتجاوز فائض القمع المضروب عليهن، في إطار القانون الدوليّ والتشريعات العالمية من ذلك آلية السهر على تطبيق الاتفاقية الدولية بفضل دور لجنة السيداو المتألفة من 23 خبيرا يمثلون مختلف الحضارات والنظم القانونية، وأيضا عبر آلية الدفاع من خلال البروتوكول الاختياريّ الملحق للاتفاقية الدولية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ 6 أكتوبر 1999 بعد أن صادقت عليه 10 دول آنذاك ولم تصادق عليه إلا تونس وليبيا من الدول العربية، وكذلك مضاعفة العمل التوعوي والتحسيسي للمنظمات غير الحكومية .

 جلباب القداسة المزعومة

وضمن الفصل المتعلق بالمصادقة أو الانضمام إلى الاتفاقية، وبعد شرح الكاتبين لمفهوم المصادقة كشرط أساسيّ للتعبير عن موافقة الدول، وتقديم “بنود” المصادقة مثلما وردت في المادة 14 من اتفاقية فيينا، والإشارة للقيمة القانونية  والإجرائية لفعل المصادقة من قبل الدول على الاتفاقية الدولية، وبعد أن صادق على هذه الاتفاقية 185 دولة على المستوى العالمي و18 دولة عربية، فإن الدول العربية مازالت “تتجنب التعامل مع الآليات الدولية التعاقدية لحماية حقوق الإنسان وتكتفي بالمصادقة على النصوص المعلنة للحقوق دون البروتوكلات”، وقد كانت الاحتفالات الأخيرة بستينية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مناسبة ليعلن ملك المغرب عزم بلاده على العمل من أجل رفع التحفظات.

وقد قسم الكاتبان موقف الدول العربية إلى ثلاثة أصناف من حيث موجبات المصادقة ودوافعها، فهناك صنف يصادق على معظم الاتفاقيات الدولية وصنف يصادق في المناسبات عند انعقاد المؤتمرات الدولية الخاصة بالنساء، أما الصنف الثالث فهو الذي يصادق تحت التأثير الدولي وضغط المنظمات الدولية أو اللجان المعنية بالسهر على احترام الاتفاقية الدولية.

وكل الدول العربية المصادقة على الاتفاقية تكتفي في الغالب الأعم بالمصادقة الصورية ولا تعمل على احترام التزاماتها الناتجة عن مصادقتها، ولذلك تواترت التحفظات التي تقدمت بها الدول العربية، فباستثناء جيبوتي وجزر القمر، قدمت كل الدول العربية تحفظات تم التعبير عنها بثلاثة طرق، الأولى تمثلت في الإعلانات العامة، والثانية إعلانات توضيحية، والثالثة التحفظات الخاصة.

تلتقي جميع تحفظات الدول العربية بطرقها الثالث في عدم تماشي أحكام الاتفاقية مع أحكام الشريعة الإسلامية… وبذلك برهنت هذه الدول على “قلّة استعدادها لاحترام التزاماتها الناتجة عن المصادقة على الاتفاقية، بما يجعلها في حلّ من الالتزام بإلغاء جميع أشكال التمييز المسلّط على النساء”. ذلك أنّ إبداء تحفظات بشأن المواد 2،7،9، 15و16  يديم التمييز القائم على الجنس “في إطار نظام قانونيّ يدعي انه يهدف إلى إلغاء التمييز بين الجنسين وتحقيق المساواة بينهما.” مشددة بذلك على إرادتها في عدم تغيير النظام الأبوي السائد الذي يعتمد على الموروث الثقافيّ والدينيّ ويضفي عليه طابع القداسة…

 تحصين الأمل… أو المؤسسات المضادّة

من بين المبادرات التي يجب التفكير فيها لدفع الدول العربية لرفع ما أبدته من تحفّظات دور المنظمات غير الحكومية للتأثير على السلطات السياسية، وتفعيل مصادقتها على الاتفاقية، والسموّ بها من درجة الموافقة الصورية إلى الممارسة العملية المستندة إلى قوة القانون، ومن بين المبادرات المؤثرة “نداء الرباط” (جوان 2006 ) وهو البيان الصادر عن مؤتمر أقيم بالرباط بإشراف الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان والذي أطلق حملة تحت عنوان “المساواة دون تحفظ”، وأيضا اللقاء النسوي الذي تم في القاهرة في شهر مارس 2007 بمقر جامعة الدول العربية والذي نجح في حمل بعض الدول على رفع التحفظات أو تعديل بعض تشريعاتها الخاصة بحقوق النساء مثل الكويت والمغرب والجزائر، كما يشير الكاتبان إلى أهمية دور المجتمع المدني في تحسيس سائر الأطراف المدنية والشخصيات الاعتبارية بأهمية رفع التحفظات وإقناع الأحزاب بإدراج حقوق النساء في برامجها واستراتيجياتها الخاصة، كما لا يغفل الكاتبان دور الإعلاميين والمثقفين في شحن العقل العربي وزحزحة رواسبه الشادة إلى الوراء. وطبعا دور النساء قبل كل شيء في الاتصال والتحسيس والتوعية وإطلاق المبادرات.

ولتطويق التحفظات والحدّ من آثارها السلبية يقترح الكاتبان على المنظمات والجمعيات والأحزاب والشخصيات الاعتبارية المطالبة بالتطبيق الفعلي للمادة الثانية من الاتفاقية الدولية والمادة الثالثة والعمل على إقناع هياكل الأمم المتحدة ولجنة السيداو بضرورة تعديل المادة المتعلقة بتحجير التحفظات وأيضا مطالبة الدول باحترام التزاماتها المترتبة على المصادقة على الاتفاقية بناء على المادة  28 من اتفاقية فيينا، ومطالبة الدول العربية بتوحيد سياساتها في مجال المصادقة على الاتفاقيات الدولية ورفع التحفظات وتوخي سياسات متناسقة عند تقديم أي تحفظ (ولو أنها متناسقة بطبيعتها من حيث استنادها إلى الشريعة الإسلامية) ومطالبة الحكومات العربية ببعث هياكل دستورية مستقلة مختصة في النظر في احترام الاتفاقية وتطبيقها ومطالبة البرلمانات العربية باستحداث لجان متخصصة في شؤون حقوق الإنسان وحقوق الإنسان للنساء بصفة خاصة…

يخلص القارئ بعد قراءة هذا المتن القانونيّ إلى ثلاث نقاط محورية، أولها أن حقوق النساء جزء لا يتجزأ من المنظومة الحقوقية الكونية، وثانيها أن حقل الحقوق في الدول العربية ما يزال حقلا مملوءا بالألغام ومحاطا بسياجات دوغمائية ومحميا بترسانة من “الغيتوات التي يرفعها الأوصياء والحفظة” (7)، وثالثها أن مسيرة النضال من اجل إلغاء هذا الفرز الممنهج في الحقوق بين النساء والرجال مازال دربها طويلا خاصة في المجتمعات العربية، ذلك أن الطرف الموكولة له مهمة النضال، أي المجتمع المدني، لا يعد إلى الآن “مبدأ ناظما أساسيا لإدارة الجماعات أو التحكم بها. فالعائلة، والجماعات القرابية، وأخيرا القبيلة هي الوحدات التنظيمية الأساسية، في حين يعد سواها من التنظيمات التي تخترق المجتمع أفقيا، هدامة وخطيرة في أغلب الأحوال.” (8) أو بالأحرى إن هذه البنية المختلفة/الحدث لم تدشن بعد لحظة انبثاقها المؤسس والفاعل على ارض العرب

الإحالات:


(1) حفيظة شقير، الحبيب الحمدوني: حقوق الإنسان للنساء: بين الاعتراف الدولي وتحفظات الدول العربية. مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.سلسلة تعليم حقوق الإنسان (20) الطبعة الأولى القاهرة 2008.

(2) د. فريدة النقاش: مقدمة “حقوق الإنسان للنساء: بين الاعتراف الدولي وتحفظات الدول العربية”. مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان.سلسلة تعليم حقوق الإنسان (20) الطبعة الأولى القاهرة 2008.

(3) فاطمة المرنيسي: ما وراء الحجاب الجنس كهندسة اجتماعية. ترجمة فاطمة الزهراء أزوريل. المركز الثقافي العربي. الطبعة الرابعة 2005. ص 8.

(4) د.رجاء بن سلامة: بنيان الفحولة أبحاث في المذكر والمؤنث.سلسة مقام مقال. دار المعرفة للنشر تونس2006. ص ص 135 و136.

(5) النساء العربيات في العشرينات حضورا وهوية. تجمع الباحثات اللبنانيات 2001.

(6) سليم دولة: ما الثقافة؟. منشورات المستقبل. الدار البيضاء. ص 87.

(7) تركي علي ربيعو: العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية. المركز الثقافي العربي. الطبعة الأولى 1994. ص 12.

(8) د. أميمة أبو بكر/د. شيرين شكري: المرأة والجندر: إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين. دار الفكر. دمشق.سلسلة حوارات القرن الجديد. الطبعة الأولى 2002 .ص 89. 


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق