صُوَر الإعلان

في المدن الكبيرة والمزدحمة، في البلدات الصغيرة والنائية والمهملة، في الشوارع وداخل المحطات الكبيرة، بل حتى في الأحياء الفقير منها والبائس، على الأرصفة وعلى الأسطح والجدران، على صفحات الجرائد والمجلات، ومواقع الانترنيت، ثمّة الآلاف من الصور الإعلانية والدعايات التجارية كلّ يوم. بدل أن يحظى المرء بمرأى زهور صغيرة، أو يمضي قليلاً في ظلال الأشجار على أرصفة مريحة، أو يتلقّّى ضياء الشمس على طول شوارع نظيفة، مكتفياً وحاسَّاً الإحساس الفطريّ بتحوّل الفصول والأشكال الأليفة، بالقرب الحميم من الكائنات والأشياء، فإنّ الصور تحبس عينيه أينما التفت ونظر. إعلانات بلا حصر وغالباً خالية من الذوق والجمال والتفرّد. إنها الصور تتكرّر وتتجدّد لغاية واحدة هي العرض بلا توقّف، الجذب والإغراء بكل السبل المثيرة. التنافس اللاهث تجاوز الغاية إلى السبل والأساليب، ومع تجاوز كهذا تستغلّ الصور والفنون البصرية على كلّ حال ومن كلّ صوب.
ما من وسيلة عدا الإعلان المصوّر يمكن أن تتكرّر بهذه القوّة اليومية المتزايدة والكثافة المستمرّة والتنافس القاسي المجدب ! وعبر التاريخ لم يسبق أن واجه مجتمع مثل هذا الكمّ من الصور ومثل هذه السيولة المتدفقة من الرسائل البصرية واللوحات العملاقة. أيمكن أن يتحوّل الإعلان إلى ذاكرة للمستقبل؟ ألا نتخوّف من هذه الذاكرة المفترضة إن بنيت على محض صور، مجهولة الأصل غالباً، ستحيل عمل الذاكرة الحميم إلى آلة فوضى وتشتت سرعان ما تنسى أو تنكمش، ما لم تسبّب اختلاطاً يفسد الذوق ويعجّل بانهيار الاختيار الفرديّ للأشياء والتلقّي العفويّ لرسائل الطبيعة العريقة؟ وما هي نتيجة ومدى بقاء ونماء استمرار هذه الصور في الذاكرة العامّة المشتركة؟ إنها صور لحظية وعابرة لأناس عابرين، لكنّ كثافتها وضخامتها وكثرتها تدفع اللحظة العابرة إلى الديمومة الفظّة والتعدّد المنسوخ والضخامة الطاغية. ورغم تكرارها المتجمّد تبدو كأنها تولد من جديد! إنها بلا عمر رغم كونها يومية ومتبدّلة ومدفوعة ثمن العرض! إنها تستولد نفسها من نفسها مثل مرآة وحيدة فارغة يمكن لأيّ صورة أن يكون انعكاساً داخلها دون أن يغيّر من المرآة شيئاً كوسيلة عرض وإغراء.

هل بإمكان الصورة الإعلانية أن تتحدّث عن اللحظة نفسها التي تعرض فيها؟ هل بإمكانها أن تكون أختاً للمكان الذي تعرض فيه وتحتكره؟ أبوسعها توسيع الفضاء البصري العام إلى مدى أكثر حيوية وحميمية وألقاً؟ أم إنها تجبر المكان وتلغيه لصالحها فقط؟ هل بإمكانها أن تحمل الحاضر في وجهها، هل ترغب حقاً أن تكون شاهدة على ما يحدث فوق سطح الأرض؟ إنها لا تتحمل ذلك ولا تريده، فهي تتوجه نحو الغد الذي يستأنف تحوّله كذلك إلى غد لا يتحوّل يوماً إلى حاضر ممسوك ومعاين ومرئيّ. إنها سيولة غرق كماء في الماء. ومع مرور الوقت نعتاد الصور كاعتيادنا الغرق، نعتاد الرؤية الإجبارية والتلقّي المتحجّر، والكسل الجاهز، والنزيف البصريّ المستمرّ. نعتاد حدَّ أننا نتساوى في التأثّر بها بسبب الملل والتشابه واستغلال الفضاء المرئيّ كله والهواء الصامت النزيه. في الغالب تتحدّث الصور عن المستقبل، إنها تدفعنا إلى الترقّب والتوقع والانتظار. ومع ذلك هي لا تفكّر فينا إلا كمستهلكين مفترضين، كأرقام ينبغي أن تزداد يوماً بعد آخر. ذلك أنّها تستمرّ في العرض بلا توقّف ولا استئذان ولا حرج، وهي ضمناً تلغي فسحة الانتظار وتحجّر التردد الإنسانيّ إزاء أبسط اختياراته اليومية كما إنها تلغي الحسّ بالتوقع والتخمين وتسلب الاختيار من مداه الرحب إلى أضيق مدى ممكن .

يجري تسويغ الإعلان التجاري كحاجة اقتصادية. إنه وسيلة للعرض والبسط والإقناع والجذب والتنافس. يرى البعض أنّ الإعلان مرتبط إلى حدّ بعيد بفكرة حرية المجتمعات الديمقراطية الليبرالية، حرية الاختيار للمشترين والزبائن، وكذلك حرية المشاريع لرجال الصناعة والأعمال والتجار. لكن قليلين يلتفتون إلى أثرها الجمالي وخطورتها على النفس. إنها لا تلغي الفضاء المرئي فقط. الخوف الحقيقي هو في قدرتها على تشويه المرئيّ حدَّ عزوف العين، ولو عابرة وغير مهتمة، عن الإحساس البسيط والتلقائي بما يحيطها كل يوم كضباب لونيّ ليس ملغزاً قدر ما هو بلا ذات وبلا ذاكرة. إلغاء الفضاء الطبيعي للرؤية هو إلغاء قسري لذاكرة طبيعية عامة، ما يمكن أن تكون حال المرء إذا غدا بلا ذاكرة شخصية. إن تجريد المحيط من ذاتيته، وهي بالأساس ذاتيةٌ مجهولة ومتحولة معاً، يفضي إلى تجريد الكائن من البراءة التي جزء منها هو الجهل ورغبة التعرف والاكتشاف. المقدسات جردت الفرد غير المنتمي وحولته إلى ابن للتعالي والماوراء، جردته من طبيعته العضوية الحيّة رافعة إياه إلى مدى غيبيّ لا يمسّ ولا يُعايَن. الصور تجرّد الفرد الحرّ والبسيط من حريته وبساطته عبر إغراقه بصور تفعل ما فعلته المقدسات من قبل: حصر الكائن وتقزيمه وتجويعه كيفما نظر.

لدى الأديان تتمّ تلبية الجوع بالصبر، والشهوة بالمجاهدة، والقلق بالطاعة، والخوف بالثواب، ولدى السوق يتمّ تلبية الجوع بالاستهلاك والمزيد من الاستهلاك. في أحد أفلامه يعلق براد بيت: نحن نعمل ونعمل لنكسب مزيداً من النقود، وبعد أن نكسبها نصرفها فيما لا نحتاج إليه. قوة الصورة ترافق بؤسَها. حين تستفحل الأولى وتتراكم بلا اكتراث، يتجذّر البؤس البصري كنخرٍ في العين. وإذا كانت الصور أسبق على الكلمات، وإذا كانت الكلمات مدار الفكر، فإنّ حاضر الفكر يتحوّل إلى صورة سابقة عليه. الصورة تثبت وتسيطر من خلال سيطرتها الكلية كمرايا عابثة وعمياء. مرايا تذكر بإحدى حكايات أندرسون (queen of snow ) حيث كل ما هو جميل ينعكس في المرآة متحوّلاً إلى كلّ ما هو قبيح. إنها الخرافة معزّزة بصورة الحاضر بعدما فقد الحاضر قدرته على التحكّم بكلامه وحساسيته إلى الإصغاء.

الصورة لا تتكلم، وإذا تكلّمت فإنها تجعل من الكلام محض تزيين وزخرفة، أو على أفضل حال إثباتاً لما هو عليه فحوى الصورة مما يجعل الكلام نفسه صورة إثر صورة، صورة تمحو صورة. إنه السطح، أما ما يختنق فلا يظهر. تنجح الصورة دائماً في الهروب من الاختناق عبر إغراق المشاهد نفسه في بحرها الأعمى. وإذا كانت القصيدة ذروة الاختناق الشعوري وقاع المعاناة النفسية، بتعبير محور عن موريس بلانشو، فإنّ خضوع الكلمات للصور، كيفما حلّت وتكوّنت، هروبٌ من الشعر بما هو صعوبة قصوى في البقاء تحت الصدأ وتحت النخر وتحت الرغبة الفوّارة. الصورة قوية وقادرة، لكن من جهة الرداءة الفظَّة النَّهِمَة لا من جهة الجمال المتحوِّل.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق