صُوَر باريس في الوعي العربي الحديث / فيصل دراج

ربما تكون دراسة خليل الشيخ «باريس في الأدب العربي» الأكثر جدة وشمولية في مجالها ، لأسباب ثلاثة على الأقل: المجال الزمني الذي غطّته ، الممتد من الربع الأول للقرن الثامن عشر حتى اليوم تقريباً، والتوثيق الواسع الذي قامت عليه، نثراً كان أو شعراً، والملاحظات النبيهة المقتصدة، التي أضاءت البحث من وجوه مختلفة. أعطت هذه العناصر وثيقة «نظرية» خصبة الأبعاد، أضاءت تكوّن الثقافة العربية الحديثة، ورصدت تناقضات «المثقف العربي» الوليد، الذي احتفى بـ «اسم المدينة»، أكثر من وقوفه على الأسباب المادية التي جعلتها «الجنة التي تجب محاكاتها».

أعطى المؤلف، وهو أستاذ في جامعة اليرموك في الأردن، في الصفحة الأخيرة من كتابه، وعنوانها «المحتويات»، أربع عشرة صفة، تترجم دلالاتها في وعي العربي الذي تعرّف عليها: فهي «منبع العلوم والفنون والصنائع، رمز التقدم الحضاري، القبلة الحضارية، منبع التجديد الفني، مكان تحقيق الذات أكاديمياً…». تحمل الصفات دلالتين: تحيل أولاهما على العلم والفن والصناعة والحضارة، وعلى ما يجعل من باريس مدينة مزدهرة متفوقة، وما يقيم بينها وبين «المدينة» العربية فرقاً زمنياً شاسعاً. وتحيل ثانيهما على تصو يقيني، يؤمن بفرادة المدينة ويضعها فوق غيرها من المدن، ويرى تفرّدها بداهة لا تحتاج إلى برهان. تتراءى البداهة في كلمة «منبع»، التي تعني بداية لا بداية قبلها، وكلمة «رمز» التي تنسب إلى المدينة كل فضيلة محتملة، وصولاً إلى «القِبلة» التي هي «إناء لغوي» يجمع بين المكان والقداسة. تملي صفات المدينة، التي تنوس بين الكمال والقداسة، على خارجها القبول والامتثال، فالكامل لا يُساءَل والمقدس يُلبي من دون تقصير. وسواء كانت «باريس» موقعاً لتبجيل لا اقتصاد فيه، أو مكاناً دنيوياً موفور الجمال والنجاح فهي، في الحالين، مكان استثنائي، يقصده الباحث عن المعرفة، ويتعلم منه الراغب بالتقدم، ويستفيد منه المتطلع إلى حياة أكثر رقياً. وباريس في الحالات جميعاً مدينة تُحاكى، وتجب محاكاتها، ولا تحتاج إلى التعلم من أحد، طالما أنها نبع ورمز وقبلة، و «جنة» توحد بين السماوي والأرضي.

الجنة

استعمل خليل الشيخ ، وهو يحلّل موقع باريس في الفكر العربي النهضوي، صفة الجنة خمس مرات: جنة النساء ثم معدن اللذات والعلوم، الجنة ومكان تحقيق الذات، جنة الأوروبيين، الجنة المنبثقة من الذاكرة، الجنة التي تجب محاكاتها. تصف كلمة الجنة، التي اطمأن إليها الباحث، وعياً عربياً دينياً مثقلاً بتناقض ينتهي إلى لاشيء: فالجنة إشارة إلى مكان سعيد، مؤثث بما يلبي الرغبات جميعاً، وصفه القرآن الكريم وضمن وجوده. يضمن القول القرآني وجود الجنة ويضمنه، لاحقاً، إيمان المؤمنين بالقرآن وبما جاء فيه. تتعين باريس، في الوعي الإيماني، مكاناً معروفاً عرف المسلم بعض وجوهه، وآمن بهذه الوجوه جميعاً. غير أن المدينة، في اللحظة ذاتها، غير معروفة على الإطلاق، لأن في الجنة، كما جاء في القرآن الكريم، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. قاس الوعي الديني الدنيوي الملموس على السماوي المحتجب، منتهياً إلى «معرفة متخيلة»، تشرح أحوال الوعي المعطى ولا تشرح من أحوال باريس شيئاً. وصل الوعي الديني، الذي يقيس الملموس على المجرد والمادي على الذهني، إلى لا شيء، لأنه عاين ظاهرة تاريخية بمعايير غير تاريخية. وبسبب ذلك قال بمحاكاة واجبة وباستحالة المحاكاة الواجبة في آن: على المسلم أن يحاكي باريس، فهي صورة عن الجنة وتجسيد أرضي لها، وعليه أن يمتنع عن انجاز ما رغب به ، لأن في الجنة إعجازاً يقصّر عنه المخلوق.
تفضي مساواة باريس بالجنة إلى ثلاث نتائج: اختصر الوعي التقليدي باريس إلى ظاهرة دينية معروفة قبل معرفتها، وقرأ الوعي الديني باريس في وهمه الذاتي لا في الشروط المادية التي أنتجتها، وساوى الوعي الموروث بين إنتاج المدينة ومحاكاتها البلاغية. مع ذلك، فإن الجوهري لا يقوم في هذه النتائج، شكلانية كانت أو غير شكلانية، بل في موقع آخر أكثر وضوحاً عنوانه: اضطراب الوعي الموروث أمام مدينة غريبة عنه ومتفوقة عليه. ففي مساواة المدينة الفرنسية بالجنة، بالمعنى القرآني، ما يبرئ «الكفرة» من كفرهم ، وما يفترض وجوداً أرضياً للفردوس الإلهي، بل إن فيه ما يضع «الفرنسيس» غير المسلمين فوق المسلمين، وما يطلب من المؤمنين أن يقتدوا بإبداع غير المؤمنين. أكثر من ذلك أن تلك المساواة المفترضة تجعل الفردوس الأرضي تَفْضُل الفردوس السماوي لأكثر من سبب: تسمح الجنة الأرضية بالدخول إليها والخروج منها، خلافاً للفردوس الإلهي، الذي يأمر بذهاب لا عودة منه، فنعيم الجنة سرمدي ولا تحوّل فيه. وإلى جانب ذلك لا تفترض هذه الجنة تجربة الموت والانبعاث، فوعد الجنة يصبح حقيقة بعد الموت والنشور والحساب، بينما باريس مدينة حية من أجل الأحياء. وهي إضافة إلى هذا وذاك تجربة روحية فريدة، تتوسط بين الأرض والسماء، وبين الدنيا والآخرة، وتتيح للإنسان أن يعرف النعيم الأبدي، وهو موجود في الدنيا الفانية.

قادت فكرة باريس ـ الجنة، كما قال بها خليل الشيخ، إلى اتجاهين: قراءة الوعي المضطرب بمنظور خصيب ، يشتق باريس من تربية دينية، والقيام بهذه القراءة بشكل مضطرب أيضاً. فواقع الأمر أن الوعي العربي المرتبك لم يكن يهجس بالجنة، بقدر ماكان مشغولاًَ بتجاوز وضعه المتخلّف ، الذي كان يدفعه إلى الربط بين «مدينة اللذة»، والصنائع والفنون، وإلى اعتبار تعلّم الفرنسية خدمة للإسلام. لا غرابة والحال هذه أن يغيب عن مراجع الباحث، وهي غزيرة متنوعة، كتاب رئيف خوري الشهير «الفكر العربي الحديث» ـ 1943 ـ الذي أظهر آثار فكر الثورة الفرنسية على المفكرين النهضويين العرب، الذين أفادو منها أفكاراً كثيرة: العداء للإقطاع والكنيسة والاستبداد ونقد التخلّف والجمود والنزعات الماضوية، درس هذا اللبناني النجيب فكر الثورة الفرنسية، في مراجعها الأساسية، وقرأ آثاره على أسماء نهضوية متعددة: الطهطاوي، فرح أنطون، أديب اسحاق، الأفغاني، محمد عبده، الكواكبي، الريحاني، جبران، نجيب مراد، شبلي شميل، سلامة موسى، وفرانسيس المراش، ولي الدين يكن،… وأوضح أنّ هؤلاء المفكرين ذهبوا، بوعي، إلى أفكار يحتاجونها، تأتلف مع روح الإسلام ولا تخالفه، وتجيب عن أسئلة مجتمع قصّر عن المجتمعات الأخرى. تأخذ الإشارة إلى كتاب خوري، في هذا المجال، أهمية خاصة. فقد كان بدوره نهضوياً ويعرف، قبل غيره، غايات النهضويين وطموحاتهم، وكان قريباً، زمنياً، من دعاة الفكر النهضوي، ومؤتلفاً مع أسئلتهم، وكان ، وهو التنويري الموسوعي، يعرف موضوعه معرفة كافية. وبسبب ذلك أدرك، ببساطة، العلاقة بين الأفكار النظرية وآفاقها السياسية، بعيداً عن «فكر مدرسي»، ينشدّ إلى مقارنة النصوص ولا يميل، كثيراً، إلى «الفلسفة الأساسية». لم يتوقف خوري أمام «الجنة»، بل أمام واقع عربي يحتاج إصلاحه إلى فكر من خارجه.

الجديد

جعلت العلاقة بين الحاجة الوطنية والفكر الخارجي من استقبال أفكار الثورة الفرنسية عملية فكرية متفاعلة، جمعت بين التعلّم والتأثر والمساءلة والتحويل. ولعل هذا الانفتاح، الذي حرّض عليه واقع داخلي يهين الإنسان وواقع خارجي يستفزّه ويعلّمه ما لا يعلم، هو ما وضع في الفكر النهضوي العربي، في علاقته بـ «باريس»، أكثر من تباين واختلاف، فلم يكن بين أمين الريحاني وسلامة موسى قرابة فكرية شديدة، وما كانت القرابة أشد بين فرح أنطون وطه حسين،.. دار السؤال حول الصراع بين القديم والجديد، بقدر ما دار داخل دعاة الجديد، الذين نشروا أفكاراً متعددة. ولهذا تبدو صيغة :«استعارة الفوز عن طريق الآخر»، التي تحيل على وعي مقيّد مأزوم، أكثر موضوعــية من مجاز «نسيم الجنة»، الذي وسع مجاله خليل الشـيخ. ذلك أن المجاز الفردوسي يستدعي أرواحاً فردية مهجوسة بالحوريات والماء النمير، بينما تقول الصــيغة الأخرى بمشروع تحويلي، يخلق مجتمعاً تظلــله الديمقــراطية والمعرفة، مثلما حلم طه حسين في لحظة سعيدة، لن تستعاد.

يمكن تأمل الوعي العربي الذاهب إلى باريس بطريق آخر، يكشف عن عجزه وحيرته معاً. فعلى خلاف الوعي الذي اشتق «عاصمة الثورة» من الموروث الإسلامي، قرأ الشاعر الألماني هنريش هايني باريس بشكل مغاير، حين زارها في أيار 1931، أي في فترة إقامة رفاعة الطهطاوي فيها. قرأ المصري المسلم باريس آنذاك، انطلاقاً من مراتب الأديان، حيناً، ومن وجهة نظر تفوق غير المسلمين على المسلمين، حيناً آخر، قبل أن يعترف بأن في باريس شيئاً من روح الإسلام. أدار حديثه المضطرب في مجال ديني، مفتشاً عن معنى الإسلام في باريس وعن معنى باريس في ديار الإسلام. أما الشاعر الألماني، المنتمي إلى زمن تاريخي آخر، فقرأ باريس بوعي حديث، أخذ من هيجل بعض مفاهيمه، واستكمل ما تبقّى من واقع المدينة ومعيش الفرنسيين. كان هايني تلميذاً لهيغل، حضر دروسه في برلين 1821 ـ 1823 ، وقرأ على يديه : «فينو مينولوجيا الروح» ، التي وحدت بين الزمن ومصير الفكر، إذ الأول مصير الثاني، وإذ الثاني يُستكمل بصيرورة تاريخية، تعينه فكراً اجتماعياً وسياسياً في آن. رأى الشاعر في باريس تجسيداً إبداعياً للفكر ، في حيويته وتناقضاته ونزوعاته، فهي الفكر كما تحقّق، وكما سيتحقق، وهي مرآة العالم المتمدن، والمكان الجميل الذي يستضيف جميع العقول المبدعة. تأمل هايني باريس، الذاهبة إلى تحقّق أعلى مرتبة، بمقولات الإنساني والمستقبلي و «فجر الأفعال القادرة»، والفضاء السعيد الذي يجمع بين الضحك والرقص والسخرية المرحة. فلا مكان لـ «الحوريات» وما تستدعيه من بهجة سماوية، فالمكان كله لتطور تاريخي لا يكف عن التجدد، ولا مكان لمرجع ديني يقف فوق الزمن لأن الإنسان، في هذا التصور، أداة للزمن، أو أنه الزمن، الذي يسمح للفكر بالاكتمال وتجاوز اغترابه. فسرت فلسفة التاريخ المتفائلة، المستقاة من هيغل، كل شيء. قرأت الفكر في تجسده الخارجي، وحلّلت الخارج المتجسّد بإشارات إنسانية، وأذابت الأزمنة الماضية جميعها في حاضر معيش، قلق وعارض ومجزوء، ينتظره مستقبل أكثر تفتّحاً وثباتاً. تصبح باريس في هذا التصور، مسرحاً شاسعاً تدور فوقه ملحمة هائلة عناصرها الفكر والزمن و «الأفعال القادرة»، التي تشخصن الفكر والزمن في آن.

ليست باريس، في النهاية، إلا جملة تحولاتها الاجتماعية والعمرانية والاقتصادية التي قادتها برجوازية مهيمنة منتصرة، أنجزت ثورة سياسية وقومية وثقافية معاً. وهذه التحولات هي التي جعلت منها «عاصمة القرن التاسع عشر» ، بلغة فالتر بنيامين، الذي قرأ المدينة في «ممراتها» وشوارعها ومخازنها وسلعها، وفي «المتسكع الطليق»، الذي ينتقل من زحام إلى آخر ولا يلتفت إليه أحد. أعلنت باريس عن وجوهها المتعددة، مصرحة بشيء محدد هو :الحداثة، التي أعطت المدينة أشكال حياتها وأشكال وعيها وأشكال فنونها، وأعطتها أسطورتها المستمرة حتى اليوم. إنها المدينة التي توحدت مع الوعي الحديث، الذي يعيشها ويعيش فيها، فهي مرآة ما أراده وهو مرآة لما أصبحته. لم يحتفِ هذا الوعي بفردوس مؤجل، لأنه اعتقـــد انه قادر على خلق ما يريد.
يطرح الفكر النهضوي العربي ، في علاقته بباريس، السؤال التالي: كيف تعامل وعي ما قبل حداثي مع مدينة هي الحداثة في وجوهها كلها؟ تعامل معها كما أراد له مورثه، حيناً، وكما سمح له سياقه التاريخي حيناً آخر، وتعامل معها برغبات طليقة، تكسّرت أجنحتها سريعاً.

إشارات:

1ـ خليل الشيخ : باريس في الأدب العربي الحديث، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1998
2ـ رئيف خوري: الفكر العربي الحديث…، دار المكشوف، بيروت ، 1943.
3ـ K.stierle: la capitale des signe, paris , 1993

عن جريدة السفير 12/6/2009

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق