” ضبط النفس ” خداعٌ و” الصمود ” كلام فارغٌ

جدعون ليفي – هاآرتس – 02/03/2008

 ترجمة محمد نورالله
حتى مساء الأمس وبعد أن قتل الجيش حوالي خمسين فلسطينياً نصفهم على الأقل غير مسلح من نساء وأطفال استمرت القيادة في القدس بالإدعاء بأن “لن تكون في الوقت الحالي أية عملية عسكرية واسعة النطاق”. هذا لا يصدق. يدخل الجيش إلى عمق مخيم مكتظ باللاجئين ويقتل الناس بطريقة مروعة وسفك رهيب للدماء وتستمر إسرائيل بالتبجح بكلمة “ضبط النفس”. منذ يومين قتلت اسرائيل الفلسطينيين بأعداد أكبر مما قتلت صواريخ القسام الإسرائيليين في السنين السبع الماضية. كان بين موتى الفلسطينيين أربعة أطفال ورضيع. في اليوم التالي قتلت اسرائيل خمسة صبيان، ومن الضحية؟ اسرائيل. ومن هو المعتدي؟ الفلسطينيون.

الضحايا ليسوا أمرا جديداً، ولا خداعنا لأنفسنا أيضا. والكذبة الحالية هي “ضبط النفس”. إن اسرائيل تتحدث عن “ضبط النفس” في مواجهة صواريخ القسام. هذا الإدعاء يستمر بالخروج من أفواه المعلقين والخبراء الأمنيين ليمهد الطريق “للعملية العسكرية الواسعة”. لكن هذه العملية بدأت منذ زمن طويل وقد وصلت ذروتها البارحة.

هذه هي طريقتنا اليائسة في خداع أنفسنا عندما نقول أنه لا توجد عملية عسكرية واسعة النطاق في الوقت الحاضر، في حين أن الجيش الإسرائيلي يقتل العشرات كل يوم وهذا ليس شيئاً جديداً. كان هذا الأمر موجوداً منذ بدء “الاحتلال النيّر”، و”السلاح البريء” من خلال “العملية العسكرية الواسعة التي لم تبدأ”. كل تلك رغبات مستحيلة لدينا. عندما سئل أحد الوزراء البارحة عن حصار غزة أجاب: “حصار غزة ليس أخلاقياً تماما”. بهذه الطريقة قمنا بإنشاء نظام أخلاق وقيم نسبية مشوهة بدون أخلاق حقيقية بل فقط بمعايير مزدوجة. نحن نقول أن وراء كل عمل نقوم به في غزة – حتى ما قمنا به هذا الأسبوع – يختبئ خيار أسوأ. وحقيقة أننا “لا نختار هذا الخيار الأسوأ” تساعدنا في إظهار أنفسنا بشكل إيجابي فنتبجح بأخلاقياتنا “المزعومة”.

خلال العامين الماضيين قتلنا حوالي تسعمائة من سكان غزة نصفهم لم يكن يحمل سلاحاً أو يحارب. هذا ما تبدو عليه سياسة ضبط النفس. وفي الوقت الذي نقوم به بإحصاء صواريخ القسام ومصابيه فإنهم في غزة يقومون بإحصاء موتاهم. الطريقة التي نقدم بها الصورة وكأننا لم ندخل غزة أو نقوم بتأديبهم بعد هي وسيلة خداع – لنقول فيما بعد “نعم يمكن أن نفعل أكثر”.

لنتخيل لو أن الفلسطينيين استطاعوا قتل عشرات الإسرائيليين بما فيهم الأطفال والنساء في أسبوع واحد كما فعل الجيش الإسرائيلي بهم. سنطلق حينها صراخنا وبكاءنا الدولي المبرر. فقط بعيوننا نستطيع رؤية “ضبط أنفسنا” و”صمودنا”. إن كل الحديث عن عملية عسكرية واسعة ما هو إلا لإظهار أننا نستطيع أن نصبح أكثر وحشية وعنفاً.

هذا استنتاج مثير للشفقة بشكل كبير. الحصار والاغتيالات والغارات هذا الأسبوع مرعبة. والإدعاءات التي نخرج بها بأننا لا نستهدف النساء والأطفال والمدنيين صارت مبتذلة وخادعة. لقد صار السلاح الإسرائيلي مشهدا دارجاً. لو كان الفلسطينييون يملكون طائرات الأباتشي  والطائرات الآلية مثلنا فأغلب  الظن أنهم سينشدون أهدافاً أكثر اسراتيجية من فناء مشفى في أخيلون أو باحة للسيارات في سيدروت. إن صواريخ القسام سلاح الفقراء والعاجزين.

ما يجري في الجنوب هو حرب استنزاف بين الأقوى والأضعف ولن تحسمها الوسائل العسكرية. من الغريب والبائس أن نرى أن كل سكان النقب الغربي، سكان المدن، والكيوبتس* – الأهداف المباشرة للقسام – يقفون في صف واحد صامت مؤيد للعمليات العسكرية غير المجدية. لماذا لا نجد مجموعة واحدة من سكان سيدروت يحتجون أو يتظاهرون في ساحات المدينة لأجل التغيير نحو اتجاه مختلف فيه بعض الأمل. اتجاه مختلف عن العمليات العسكرية؟ ففي النهاية هم من يدفعون الثمن. هم يعرفون ما يجري أكثر من سكان وسط اسرائيل.

على سكان سيدروت وسكان أشكيلون أن ينظروا وراء السور الذي كان من المفترض أن يحميهم ويضع جيرانهم في سجن كبير. عليهم أن يفهموا أنه كلما زادت الأمور سوءا بالنسبة لجيرانهم – الفلسطينيين – ستسوء الأمور أكثر بالنسبة لهم أيضاً. وطالما بقينا نرفض التحدث لهم فلن يتغير شيء. عليهم أن يدركوا أن كل اغتيال يجري في صفوف الفلسطينيين سيتبعه صاروخ قسام يأتي بالخوف والقلق، وهم الذين يعرفون أن عشرات الاغتيالات لم تحسّن من حياتهم وأن الغارات الحالية لن تساعد في ذلك أيضاً. أليس عليهم أن يكونوا الأوائل في جلب التغيير الذي نحتاجه؟

العملية الواسعة الآن في قمتها. لم تساعد في شيء حتى الآن ولن تفيد في شيء. لا الحصار ولا الغارات ولا القصف أفادوا بشيء، لكن ربما سيأتي خير من الجنوب. ربما يخرج أحد ما من أجل التغيير.

***

هامش المترجم

* تجمع سكني تعاوني تضم جماعة من المزارعين أو العمال اليهود الذين يعيشـون ويعملون سـوياً، ويبلغ عـددهم ما بين 40 و1500 عضو.
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق