ضحية أنفي – Victime de mon nez

لقد سبقت قديسية “كيبهو ” العذراء إلى التنبؤ بهذه الكارثة من خلال صوت “سيقاشا” ولكن من كان يسمع في ذلك الوقت لنبوءات راع جبلي متصوف يرعى الأبقار ؟

أنا الذي طفت المدن حيث نشبت المعارك وانتهت بصوت المدافع ربما ألقى هنا حتفي وأترك جسدي هنا وسط هذه الحرب الأخوية التي لا دخل لي فيها في نهاية المطاف .

كانت المعلومات المتسربة من “كيغالي” سيئة للغاية، فعاصمة بلاد الألف قمة تهلك تحت وقع القنابل. أما الصحف الطامعة فهي فرحة للحدث لأنها ستجد حتما ما تكتبه وما تقوله. أما الإذاعات فهي تتفل على العالم أصوات النعال الحربية وأصوات شك السلاح وهي أمور محبذة لدى اللاهثين وراء الأخبار. ولكن بواسطتها نتابع أيضا يوما بيوم تقدم المتمردين وحجم المجازر .

إن تقدم المتمردين أصبح واقعا، وقدرتهم أمرا مفروغا منه وخير دليل على ذلك آخر مواجهة لهم مع القوات الحكومية.

في “كنيانزي” حيث كنا متسمرين خلف الجدران العالية التي تحفها الأسلاك الشائكة في مدرسة “القلب المقدس” كان الناس متفائلين ، فهذا المعقل بين الجبال يبدو هادئا وملجأ كل الفارين من المجازر الجماعية، ولكن يبدو أن نار الحقد والضغينة القاتلة التي تغطي “رواندا” تريد القفز على الأسوار والتسلل إلى هذه المناطق الآمنة ببطء . ولكن إلام ستُواصل هالةٌ القداسة البابوية للمدير (الأب اولفار) فعلها السحري في القاطنين ضد التفرقة والضغينة ؟ فها قد كان مثواها جدار المدرسة التي أصبحت سجننا المؤقت وهذا ما يفسر خطورة وضعنا .

كنت الأجنبي الوحيد في هذه العزلة المفروضة التي يخضع لها أساتذة هذه المدرسة، وكنت بعيدا عن التسليم والاطمئنان إلى هذه الهدوء شبه الأولمبي الذي يُظهره زملائي (الهوتو والتوتسي) في مواجهة الأحداث الدامية في الأيام الأخيرة خاصة أنه الموت الأليم للرئيس قد سرت حدة مسترابة بين الإخوة الأعداء ويمكن أن يحولها أي حدث بسيط إلى كارثة.

كانت هذه الفكرة ماثلة في ذهني تؤجج حنقي . ففي إحدى الأمسيات شاهدت بعض الطيور الكاسرة آكلة اللحوم وقد جاءت إلى مدينة كانينزي تترصد بعض اللحوم البشرية، ولكنها مرت تنشد ضالتها في أماكن أخرى بعيدا وقد اتجهت نحو الجنوب. لقد كان طيرانها طالع شؤم عليَ فهو إعلان بداية محنتي. فقد سرى نبأ مشؤوم يقول إن مجزرة توتسية مقبلة الليلة. سرت هذه الأخبار قائلة إن الهوتو سوف ينزلون من أعالي الجبال البعيدة القصية مدججين بالسلاح لارتكاب مجزرة.

لقد فاجأنا هذا النبأ وكل منا يلتهم بضع قطع من “البوقالي ” ذائنا الوحيد،ودوره إيهام القعقعات التي تطلقها بطوننا جوعا بالطعام ولا طعام. ومنذ ذلك الحين لم يعد ثمة مجال للعب الورق ولا لمباريات “السوميين” التي كانت تبقينا ساهرين إلى آخر الليل فتنسينا هموم تلك الحرب الوقحة . لم يعد من رهان عندئذ سوى رهان السرعة . فما إن علم زملائي التوتسي حتى اجتمعوا خلسة لتنظيم المقاومة ولاح أنَ الليلة ستكون ملأى بالأحداث.

أما أنا فقد آثرت أن أخلد إلى الراحة باكرا علني أستعيد عافيتي بعد إرهاق هذا النهار الطويل كما يتعلق الأمر بإراحة أعصابي التي أنهكها الضغط المرتفع.

أخذت أطمئن نفسي، وأنا اتخذ مخدعا لي مكانا وراء أحد الأبواب التي تشرف على المدخل ، بأنني أجنبي ولا داعي إلى أن أشغل نفسي بهذه المشاكل الروا – رواندية على حد تعبير وسائل الإعلام.

ألقيت هامتي على الفراش الحقير أنشد الراحة في نوم عميق دون تغيير ملابسي.

قدم أحدهم ينبهني ، عند منتصف الليل ، فأفقت قفزا أفرك عينيَ من فرط الكرى، وكدت أصرخ لما وجدت نور مصباح يدوي يستكشف ملامح وجهي، وميزت من خلاله جسدا عملاقا واقفا بجانب سريري.” آه يا إلهي لعله أحد الهوتو” بهذا حدثت نفسي وسرعان ما تذكرت الهجوم المرتقب الذي بلغني خبره عند الظهيرة ، ولكن الصوت كان مطمئنا فقد كان الرجل يهمس في أذني وهو ينحني “أأنت نائم أيها الزميل ؟” إني أبحث عنك منذ ساعات !

هل علمت …؟ أسرع … يجب أن تأتي معنا إنك تخاطر بحياتك إذ تبقى هنا…”

سألته بصوت متوجس: ” هل هوجمنا ؟” وكنت رغم ذلك مطمئنا لما عرفت أنه ” نستور ” أحد أصدقائي الروانديين القلائل.

لقد دخل القتلة المدينة بعد، ألم تسمع طلقات الرصاص ؟ بكل تأكيد كنت نائما كأهل النعمة والرخاء.

أخي أسرع لا أريد أن أتركك هنا فريسة للرصاص

ولكن لم يقتلونني ؟ وصحت به ” إنني زائيري لا تعنيني مشاكلكم الوقحة ”

أفقد صوتي صديقي نستور السيطرة على أعصابه ولكنه حاول إقناعي قائلا : ” لا أريد أن أنقض كونك زائيري ولكن أنفك … إنه أنفك الذي … الذي …

تردد نستور وأخذ يبحث عن الكلمات فقلت ” ماذا ؟ أنفي … ما به ؟

ترى هذا الأنف إنه يوشك أن يجعلك واحدا منا،من التوتسي .وهؤلاء الذين يعميهم الحقد لن يتثبتوا من هويتك . سيقتلونك قبل أن تفسر لهم ويعسر أن تبقى في هذه المدرسة… إن ذلك يعني إمضاء وثيقة موتك … إن شاحنة مستعدة لترحيلنا من هنا … هيئ أمتعتك … أتمنى أن تكون قد فهمتني أيها الصديق.

نعم لقد فهمت جيدا. هذا الأنف البارز على وجهي يمثل خطرا قاتلا بالنسبة لي.

غادرني نستور وبقيت مستلقيا على سريري كالمشلول تراودني الأفكار حول القنبلة التي أحملها والتي تستطيع نسف جثتي في لحظة ما.

تزايد ذعري بفعل الأحداث العديدة المتسارعة إلى ذهني فقد تذكرت مثلا أيام طفولتي عندما كان أترابي في المدرسة يتسلون بملامحي الرواندية فكانوا ينادون “هيراهو هيراهو” عندما أمرَُ فيعطون لهذا اللفظ الغريب معنى مَا لم أكن لأبحث له عن تشكيل في ذلك الحين. وبعد فترة عندما زاولت مهنة التدريس كان شبهي الصارخ بأحد المتفقدين (من أصل رواندي طبعا) يسمح بمجال فسيح من السخرية كنت ضحيتها. كان بعض مديري المدارس الذين تضعهم الصدفة في طريقي ينحنون لي وتترادف تلك الحركة اللطيفة مع عبارة “صباح الخير سيدي المتفقد ” وهو ما يتركني صامتا من فرط المفاجأة. وعادة ما كان هؤلاء السادة الفضلاء يتفطنون إلى الخطأ بعد مرورهم فيلتفتون وينفجرون ضاحكين وقد عرفوني وكان ذلك مما يزيد ارتباكي .

استعدت هذه الذكريات طويلا في الظلام منزويا في الفراش الوضيع الذي وجدت صعوبة في التخلص منه.

كيف السبيل إلى الخروج من هذا الداء؟

إن الرحيل مع زملائي التوتسي والاحتماء بهم قد يمنحني أمنا ذاتيا ولكن ذلك لا يعني شيئا إزاء الفخاخ المتعددة التي ما انفك الهوتو يضاعفونها في كل مكان والتي أودت بأرواح عدد من الروانديين. ولم يكن ثمة مجال للمخاطرة خارج هذه الجدران الأربعة لأن القتلة في كل ناحية.

في هذه اللحظة فكرت في تبذير أولئك الأثرياء الذين يفرطون في أموالهم جريا وراء الجراحة التجميلية لتغيير ملامح وجوههم . كنت أفكر ” بمايكل جاكسون” خاصة ذلك الذي جعله الحب المفرط للتشبه بالبيض يخسر وقتا طويلا وقد استطاع تغيير انفه وهو أمر آلمني في ذلك العهد . ربما أقلد يوما ما مطرب الروك هذا لأجعل أنفي أفطس.

ملأت هذه الفكرة وغيرها ذهني حتى الفجر ولكن لا حيلة للخروج من الهاوية وفجأة عنَ لي ما يشبه النور في ذهني وفي مخيلتي المعتمة. انبجست فكرة من رأسي ومعها بصيص من الأمل ” لم لا أحاول الاتصال بقنصلية الزايير في جزنيي ؟ ثمة خط هاتفي في بيت القس.

حدثت نفسي بذلك وأنا أحسب إمكانياتي في الوصول إلى الأب أوليفي دون أن أرى من قبل هؤلاء الهوتو قاطعي الرؤوس.

قفزت من سريري وانتعلت مسرعا وخرجت في برد الصباح ولكن عندما وصلت ساحة المدرسة الرملية عدلت عن ذلك وأنا أفكر في أنفي. عدت مسرعا ورحت أبحث في أمتعتي فاستللت طربوشا قديما طويل الأطراف وغطيت به رأسي بحدة ، وفي نفس اللحظة أخرجت مرآة جيب صغيرة لأرى أثر تنكري ” هذا الطربوش لا يناسبني ولكن يمكنني من إخفاء أنفي ” بذلك حدثت نفسي وأنا أتوجه إلى مكان القس.

كانت مفاجأة تنتظرني :لقد كانت كل النوافذ مهشمة ولا يظهر أي أثر للحياة داخل المكان. فقفلت عائدا إلى المدرسة وأنا ألعن القدر الذي بدا لي أنه يسخر مني.

كان وهني شديدا إلى حد أني لم أتنبه إلى وجود نستور بجواري كان يحمل حقيبتين صغيرتين ميزت دون جهد حقيبتي من بينهما.

من أين جئت ؟ ألا تخشى الترنح في الطريق بهذه الأنف ؟ أتدري إن الأمر بالغ الخطورة ؟

قلت : “كنت أحاول الاتصال بقنصلية بلدي ”

ولكن هذا مستحيل ياعزيزي لقد قطع هؤلاء القتلة كل الخطوط الهاتفية كما أن القس وعائلته كانوا من أوائل المغادرين ليلا.

كانت ثمة محطة خلف المدرسة تجمع فيها عدد من المثقفين التوتسي معهم أمتعتهم استعدادا للرحيل فأخذني نستور إلى هناك. ولكن قلت له : ” لن أذهب معكم ” بصوت حاولت أن اجعله حازما،” وسأحاول البحث عن مقر الصليب الأحمر للبحث عن المساعدة “.

إنك حقا لجاهل لقد قرر الصليب الأحمر إيقاف نشاطه لفترة في هذه البلاد بعد مقتل خمسة من أفراد طاقمه في الأيام الأخيرة ” فمسحت هذه المعلومة آخر ما بقي لي من أمل ، فتحاملت على نفسي كي لا أنهار أمام زملائي.

بعد لحظات قدمت عربة وتوقفت قرب المحطة. كنت وقتها في النزع الأخير …

سنذهب باتجاه الشمال محاولين الوصول إلى الأراضي الأوغندية حيث نصيب السلامة.. إلى هناك كان مسيرنا دون مشاكل حقيقية، كنا مكدسين على بعضنا شذر مذر ومعنا أمتعتنا لا نفكر في الراحة ولا يشغلنا إلا الخوف من الوقوع في كمين . ومن حين إلى آخر يصيح أحدنا من وقع حقيبة ملقاة بقوة ويأخذ آخر يلعن الطرقات السيئة معلنا أن الجبهة الشعبية الرواندية قد أصابت في صراعها مع النظام الذي حكم ثلاثين عاما منفردا ليعلن بعد ذلك إفلاسه…

كنت أعلم أن هذه الأخشاب المنصوبة في الطريق بطريقة فظة يحرسها جنود مدججون بالمدافع والدبابات.

لقد تحولت هذه الحواجز بمرور الأيام ، ومنذ بدء الاضطرابات إلى أماكن للتعذيب هلك فيها عدد من الهوتو ضحايا الأنف الأفطس.

تأتينا فجأة لرؤية العلم يتلألأ من بعيد يحمل ألوان الجبهة وأسرع إلينا عدد من الجنود وقد صوبوا أسلحتهم نحو الشاحنة . انفصل أحد الجنود عن المجموعة وأشار إلى السائق أن توقف ثم أسرع يصعد الشاحنة ليتأكد من هويتنا.

تكفي نظرة دائرية واحدة عادة لإقناعه أن لا أحد من الهوتو معنا. وسرعان ما يستحيل الموقف إلى الألفة. فنتبادل بعض الكلمات مع المتمردين ونمنحهم بعض السجائر وبعدها يسمح لنا هؤلاء الجنود ذوو الشعر المجعد بمواصلة الطريق.

ولكن رغم هذه السهولة التي تنفتح بها الحواجز فإني لا أنسى أن أطلق “آهة” معبرا عن الراحة ممتنعا عن الصياح فرحا. والحق أني لم أتوقف عن الارتجاف خوفا من هجمة من الهوتو قد تكون متربصة في ناحية من طريقنا.

تظهر لنا أحيانا ، وبعد أحد المنعطفات ، فظاعة إحدى المجازر في شكل جثث آخذة في الانحلال والتعفن على حافة الطريق. وكان البعض من هذه الجثث قد شوه بطريقة فظيعة، فهذه أعضاء مبتورة وحفر مكان الأعين وذلك يعني أن طيور جارحة قد جاءت تتسلى في هذا الحفل المأتمي.

مررنا بجانب قرى محترقة. كانت المنازل تشتعل والمعادن تدوي وأكوام الملابس تتحول إلى رماد . لم يكن ثمة شك في أن لا شيء قد نجا من هذه المنازل التي آثر أصحابها الهرب مسرعين مذعورين.

فاجأنا دويّ لم نتوقعه ، بعد أن طوينا مسافة شاقة في الجبل ، رفعت هامتي فوق حافة الشاحنة لأعاين مشهد تلك المياه المتدافعة بهيجان. واسترعى شيء غريب انتباهي سريعا فصحت بزملائي “الدم”. هناك سيل من الدماء يعلو الماء ،فوقف نستورليري وقال بكل بساطة ” هناك مجزرة متأكدة في إحدى نواحي النهر المرتفعة ” . وكأن الأمر يتعلق بتأييد رأيه ، شاهدنا جثة تجرفها المياه تحت القنطرة التي تجاوزناها للتو. ولم يفت المشهد العملاق الذي يقود الشاحنة فتوقف (ضاغطا على المكبح بحدة) فالتوت الشاحنة التواء حادا قبل أن تتوقف على بعد أمتار من القنطرة.

كان سائقنا يضحك فرحا لرؤية المجزرة. وها قد تدافع عدد آخر من الأشلاء البشرية لا تشكل سوى كومة من اللحم المتراقص فوق الأمواج تصفع الصخر قبل أن تواصل رحلتها نحو مستنقع فكتوريا. صاح السائق مشيرا إلى القنطرة معلقا على هذا المشهد المثير “الكلاب الهوتو يستحقون جميعا الموت على هذا النحو”.

كان هذا السيد يضحك ! وكنت مذهولا بشعور الضغينة هذا وعدم احترام الموتى. صاح أحدنا ، وهو لم يستطع مثلي ، تحمل المشهد الأليم. ” لنواصل طريقنا” فاستعاد السائق مجلسه في غرفة القيادة وظل ضحكه ينبعث وهو يقول: “سنقضي عليهم إلى آخر فرد منهم وسنبقى وحدنا أسيادا. أسيادا لهذه الأرض”. فبدا لي أني لن أنسى هذه الضحكات مدى الحياة.

كنا نسير في الطريق بمحاذاة مسلك صخري ثم أشرفنا فجأة على منبسط صغير مزروع أشجارا فهي ذات أشكال مختلفة. في تلك اللحظة بدأ إطلاق النار. وسمعت في هذه الضجة صوت كسر بلور.

صاح صوت “لقد أصيب السائق”. لم نجد وقتا لرد الفعل إزاء هذا النبأ المذهل فألقتنا رجة عنيفة بعضنا على بعض كالصناديق وبدت الشاحنة كمارد فك عقاله ولم يعد خاضعا للسيطرة ، وحادت حيادا خطيرا عن مسارها ثم توقفت تماما عند شجرة كلتوس عظيمة خدشت حباتها وجوهنا ونحن نرتمي في أرجاء الشاحنة.

أسرعنا بالنزول خشية ما هو أفظع. وكان السائق يصيح صياحا مخيفا وقد ارتمى على كرسيه ، وكان ثقب صغير قد ارتسم على بلور الشاحنة مما يدل على أن رصاصة قد خرقته . كان نستور منهمكا بجوار المصاب مبديا قدرة فائقة على الإسعاف لم أعرفها لديه من قبل. وكان صوت السائق يرتفع ونحن نحاول رفعه فيقول : “أبناء الأفاعي . أصابوني … آه ! ” ورغم الموقف الدقيق لم تفتني ملاحظة الاتهام المجاني فهذه السهولة في توجيه الاتهام إلى طرف دون آخر تثيرني حقا.

قفز رجلان مسلحان من أجمة قريبة وأسرع عدد من الزملاء المعافين إلى حقائبهم ، وكنت مذعورا لفكرة أننّا ونحن بصدد إسداء الإسعافات الأولى للسائق قد أصبحنا أهدافا سهلة الإصابة بعد أن زاغ عن رؤيتنا هؤلاء القتلة.

أطلق أصدقاؤنا النار جزافا محاولين إصابة الهاربين اللذين هربا باتجاه مكان كثيفة أشجاره. لقد كان رفقاء الدرب مسلحين إذن !

لن أعود إلى هذا الموضوع ثانية ! ولكن عدوَينا ، وقد ساعدتهما معرفتهما بالميدان ، رشقانا بالرصاص واختفيا وراء الأعشاب العالية.

أما أنا فقد قمت بدورة حول الشاحنة لمعرفة حجم الخسائر. الحمد لله لقد كانت طفيفة ! إذ لم تصب أي عجلة بأذى.

قال لنا نستور العليم بالأحوال . ” لسنا بعيدين جدا عن المقر العام للجبهة الشعبية الرواندية ومع قليل من الحظ سنصله قبل أن يهلك سائقنا متأثرا بجراحه.

عاد إلينا أصدقاؤنا لمد يد المساعدة بعد أن بحثا دون جدوى في الأجمة حيث اختفى القاتلان فوضعنا الجريح بصعوبة على أريكة داخل غرفة القيادة واهتم أحدنا بمواساته فيما تولى آخر القيادة وقد تلطخ بقليل من الدم.

كنت أنظر إلى سائقنا الجديد وأنا أفكر. ” بهذا الأنف … إنه يعرض نفسه لنفس مصير السائق السابق” ونبهته إلى ذلك وأنا أمد له طربوشي طويل الأطراف ليحجبه به ، فوضعه مستحسنا هذا الكسب الذي قد يكون مجنبا للأذية.

أسلم السائق روحه فيما نحن نحاول فك الشاحنة من الشجرة التي التصقت بها وكان مثواه الأخير حفرة حفرت بسرعة بجانب شجيرة.

لم تسكب دمعة واحدة على هذا القبر المفاجئ في هذا المكان المعزول من الغابة. ففهمت أن زملائي ، وقد تعودوا على فقد أناس أعزاء ، لم يجدوا داعيا إلى البكاء في صورة غير مجدية ليعبروا عن الألم .فالمهم بالنسبة إليهم هو الإسراع بطي الصفحة والشروع في أعمال تعجل الوصول إلى رواندا متحررة إلى الأبد من هؤلاء البرابرة. وفيما كنا نتقدم في الطريق محاولين الوصول إلى المقر العام حيث كان يمكن للهالك أن يحظى ببعض الإسعافات لم تتوان أفكاري عن الذهاب مذاهب شتى.

يا للقدرة ! هذا الرجل الذي أبرز موقفا فظا أو لنقل كاثوليكيا أمام الموت منذ لحظات خلت ، هذا الرواندي المقتنع بتفوق التوتسي لقي حتفه للتو ضحية أنفه الطويل وهو الذي صاح بقوة مناشدا تحقيق حلم التوتسي الأكبر. ها هو يموت ضحية حلم الهوتو غير القادرين هم أيضا. فتساءلت : ” أي القدرين سينتصر على الآخر إذن ؟ “.

إننا نقترب من المقر العام للجبهة الشعبية الرواندية ولم أعد أشك في علمهم الأحمر والأزرق لقد رأيته بغبطة معبرة . هنا العلم يخفق على راية وسط ساحة تحيطها دور تلمع لون جدرانها البيضاء وتزيدها قتامة لون غابة فيرونقا تلألؤا وإشعاعا.

هذه الحديقة كانت المسكن الطبيعي للغوريلا الجبلية إحدى نقاط جلب السياح لرواندا وها قد استولت عليها الجبهة الشعبية الرواندية لتجعلها مقرا لمعسكرها.

كان الليل يجن ونحن نصل إلى أولى الدور . سمعنا زمجرة تهز المكان يصاحبها عدد من الأحداث الغريبة وكانت الشمس الغائبة تلقي على الجدران خيط أضواء متراقصة .

استرعى انتباهي شيء ما غريب . كان عدد من الرجال مشدودي الأرجل إلى حافة حاجز حديدي جاثين وسط العشب وراء منزل. وقد ميزت ضمن هذا القطيع عددا من الهوتو.

خضعنا لمراقبة شديدة لهوياتنا وقد سبقني نستور إلى مكتب معتم صغير فألقى إليّ نظرة خاطفة قرأت فيها حزنا غير معلن وفهمت أن خطرا محدقا يهدد هناك في الظلام. ولكن أي خطر ؟ لقد كانت كلّ وثائقي قانونية.

أخذ صديقي يقترب مني وهو يعود إلى مكانه بعد لحظات . جذب يدي بقوة وهو يهمس في أذني “تخلص من جواز سفرك بسرعة قبل المثول للتثبت ” كنت أتأمله دون أن أفهم شيئا وقد كان بجانبي جندي يدفعني بفوهة بندقيته وهو يصيح : “ماذا تنظر لتدخل هاي ؟ ودفعني بقوة إلى الباب. ماذا كان نستور يود أن يقول لي ؟ تساءلت : ” آه يا إلهي ما الذي يحدث ؟ ” ولم ألبث أن أخذت أفكر في المصير الذي ينتظرني فقد جعلني الصياح المنبعث أتسمر عند الباب.

استدرت مسرعا فبدا لي من الناحية الأخرى رجل لا يلبس غير خرقة ملوثة عرقا ودما ووراءه رجلان يلوحان بالعصيّ في الهواء ويصفران فوق رأسه ، فجعلتني العبارات التي كانا يلوحان بها وهما يضربان المسكين أتسمر في مكاني ، كانا يقولان : ” ابن الحكومة ” فار دمي فورة لسماع عبارة “زائيري” وفهمت الآن عبارة نستور ولكن الآن ! لقد فات أوان التخلص من وثائق هويتي . كان باب المكتب مفتوحا على مصراعيه ولكن لا سبيل إلى الهرب وكنت أتضرس وأنا أدخل مثل ذئب.

في تلك اللحظة هزني وابل من الرصاص ظننته تحت قدمي فرجع الصدى في أرجاء المعسكر. لقد أطلق المتمردون الرصاص على الهارب. إنه مواطني كنت متأكدا من ذلك . إنه يهلك بعيدا عن أهله ووطنه ! تجمدت وأنا أفكر في جثتي التي ستعطى للحوت العظيم (من نوع صبوتوا) في بحيرة فيكتوريا.

تقدمت للمراقبة المقدرة. وخضعت عندئذ للاستنطاق المضيق طيلة ساعة. . حاولوا إجباري بواسطة التعذيب والمساومات المختلفة على الاعتراف بأني كنت في الحقيقة ، منضما إلى القوات الحكومية.

لم تجد تأكيداتي بالبراءة نفعا فاقتادني جندي لألحق بالموقوفين في الساحة. ورغم محاولات زملائي الجريئة صرت موثقا إلى حافة السرادق مثل الآخرين وصاح بي الجندي ” في انتظار أن يثبت اتهامك شكليا” ولم يسمح لي حتى بوقت للإتيان بحقيبتي.

علمت بعد ذلك أن سلطات بلدي وقع اتهامها بتسهيل تموين القوات الحكومية بالأسلحة. ومنذ ذلك الحين اعتبر كل زائيري موجود فوق التراب الرواندي متهما بالمشاركة في العملية بطرق معقدة تصعب على أية مراقبة. ولكن كيف السبيل لأثبت لهؤلاء أني لم أكن سوى أستاذ غير مهاجم لا يستطيع إيذاء ذبابة.

استقر رأي زملائي الواهنين على مواصلة الطريق مخلفين إياي بين مخالب هؤلاء القساة.

ولم أر لي، وأنا أتعرض إلى حقد الهوتو بسبب انفي وأتعرض إلى الخشونة الحيوانية للجبهة الشعبية الرواندية ، سبيلا للخروج من هذا المأزق.

في الحقيقــــة . كنت جاثيا وحيدا في قصب السكر.

*المصدر:

جــوزاف سينيهوا مومبار

أقصوصة مجهولة الزايير

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق