طائفية حديثة، أم حداثة طائفية… ( 5 ) الدولة الوطنية وقيادة المجتمعات

ورثت الدولة الاستقلالية المشرقية ما خلفه لها الاستعمار من مشكلات وجدت تعيناتها في الاجتماع والسياسة والاقتصاد… إلخ. وكان تنامي النزعة الاستقلالية عند المشرقيين، وتطلعهم الشغوف نحو بناء دولتهم، قد ساهم بتسهيل الأرض أمام مزاعمها الذاهبة ـ أي الدولة ـ إلى أنها السبيل الوحيد لتجاوز هذه المشكلات عبر احتكارها شعار التحديث والتنمية.

كانت إدارة دفة السياسة في سوريا من نصيب البيروقراطية الليبرالية المتمرسة في الحكم والإدارة منذ عهد الانتداب، والتي سجلت بالإضافة إلى شعار التحديث انتماءها إلى الأمة العربية في محاكاة واضحة لشارعٍ عروبيٍ آخذٍ بالتمدد والاتساع. مع التأكيد على أن النزعة القطرية وتثبيت المصالح القطرية على رأس الأولويات، كان ميزة لطالما وسمت الليبراليين والعروبيين معاً، وهو ما عنى أن العروبة كأيديولوجيا غدت لاحقة بالدولة القطرية تضطلع بوظائف الشرعية والحشد.

وليس للإجراء الذي قامت به حكومة العظم في 1950 من إعلان للقطيعة الجمركية بين سوريا ولبنان من معنى إلا ذلك الذي ذهب إليه البحث في الحلقات السابقة، وهو إجراء لا يخفى أنه لقي تأييد العديد من النخب السياسية والاقتصادية في سوريا ومن مختلف الاتجاهات، كأكرم الحوراني ونجيب الريس الذي طالب الحكومة صراحة بالمضي في تحقيق مطامح الشعب السوري في الاستقلال الكامل، عبر التحرر من التحكم اللبناني بالاقتصاد السوري ” … ليقول الذين سيكتبون تاريخ هذه الدولة أن الحكومات التي سبقتها قد حققت الاستقلال السياسي فقط أي نصف الاستقلال، وأنها هي قد حققت النصف الآخر وهو الاستقلال الاقتصادي ولن يعيش الأول إلا مع الثاني”. ( مذكرات أكرم الحوراني). كما أن الدستور السوري الذي أقر في العام نفسه، ينص في مادته الأولى على أن ” سورية جمهورية عربية ديمقراطية نيابية ذات سيادة تامة. وهي وحدة سياسية لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن جزء من أراضيها. والشعب السوري جزء من الأمة العربية”.

لم تهنأ الليبرالية السورية في حكمها بعد أن حصلت الهزيمة النكراء للعرب في 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل على إثرها. فهذا سيرفع من حظوظ العسكر الذين لاحظوا الهيجان الشعبي المنكوب بالنكبة، وأخذوا ـ العسكرـ يعدون العُدد لخلافة البيروقراطية المدينية الحاكمة. إضافة إلى تبلور ذهنية مجتمعية صورية ذهبت إلى اشتقاق أهمية الجيش والنصر العسكري من كون أن ما حسم الأمور على الأرض كانت الوقائع العسكرية وبالتالي فالرد الأنسب على الهزيمة يكون عسكرياً أو لا يكون. كما سيُلحظ بدء تنامي مزاج عروبي وحدوي ينادي بالثأر للكرامة المهدورة، إذ أورد الحوراني نصاً في مذكراته هو عبارة عن منشور لجيش ” الإنقاذ ” كان قد ألقي على سكان فلسطين من العرب واليهود، يذهب فيه إلى التمييز بين اليهود والصهاينة مؤكداً، أي المنشور، على أن الدول العربية لا تستهدف من وراء حربها هذه “… أي توسع إقليمي ولا هي تستهدف الاعتداء على أرواح وممتلكات الشعب اليهودي في فلسطين..” ومطمئناً إلى أنه “.. على الرغم مما اقترفه الصهيونيون من فظائع وتقتيل وتشويه وتشنيع فإن الحكومات العربية تعلن استعدادها للمحافظة على حقوق اليهود في بلدانها المختلفة وهي تحث الشعوب العربية على مراعاة مواطنيهم اليهود وبنفس الوقت تطلب من هؤلاء المواطنين اليهود أن يمتنعوا عن كل اتصال محظور مع الصهيونيين…” ( مذكرات أكرم الحوراني).

إذا كان هذا الكلام أيام العز كما يقال، فإن نقيضه هو ما سيأخذ بالبروز في أيام المحنة. إذ سينضم اليهود إلى عناصر ” المؤامرة العالمية ” على العرب، وستتفشى أمزجة شتى، تتفق في الربط بين اليهودية والصهيونية، وتختلف حول علاقة هذين الأخيرين بالاستعمار. فحيث سيذهب البعض إلى الربط بينهما جاعلاً الصهيونية حلقة من مسلسل التآمر الاستعماري على العرب، سيذهب آخرون إلى الفصل بينهما، وهو حال حركة القوميين العرب التي أعلنت بداية أنه “لا فرق بين اليهودية والصهيونية “، فهذه الأخيرة “.. جزء من تفكير أي يهودي، يرضعها طفلاً ويسير بهديها روحياً” داعية الحكومات العربية إلى طرد “اليهود الجواسيس من الوطن العربي، ومصادرة أموالهم والتنكيل بكل نذلٍ منهم “. ورغم اعتقاد الحركة بوجود تشارك ما بين الاستعمار واليهودية في المصالح، إلا أنها تؤكد أن ” الاستعمار شيء واليهودية شيء آخر” فالأول هو “نظام اقتصادي رأسمالي حديث…” أما الثانية فهي ” دعوى قومية دينية ” تدّعي أن “.. الأرض العربية من الفرات إلى النيل هي حق تاريخي لليهود، وأن الشعب العربي فيها هو شعب دخيل عليها، يجب أن يطرد…”. ( محمد جمال باروت، حركة القوميين العرب، المركز العربي للدراسات الإستراتيجية، ط1 1997، ص 94ـ 95).

ولكن أين هي الطائفية؟…

على الرغم من أن عقيدة الدولة كانت تنوس ما بين ليبرالية دولتية وعروبة توحيدية لا تأبه بما يحويه المجتمع من بناءات طبيعية ولا تعترف بها، وعلى الرغم مما يذكره الحوراني في مذاكراته من أن الشيخ السباعي المراقب العام لجماعة الأخوان المسلمين كان قد “نال من أصوات الناخبين في حي القصاع المسيحي أكثر مما ناله الأستاذ رياض المالكي… ” مرشح البعث والتقدميين في الانتخابات الفرعية النيابية 1956، والذي سينتصر في النهاية على السباعي. نقول، على الرغم من كل هذا وغيره، إلا أن انتشار المخاوف عند النخب السياسية والثقافية، والتي عبرت عنها على امتداد خطاباتها وكتاباتها، من تفجر هذه المكونات الطائفية، ولو بإحالته إلى أسباب ومؤامرات خارجية ( أميركا، بريطانيا، فرنسا، حلف بغداد، الحزب السوري القومي الاجتماعي…)، يعني أن المجتمع لم يصفّ حسابه تماماً مع هذه الاعتبارات، ولكن من دون أن يعني هذا أن هذه الاعتبارات الطائفية كان لها صفة الحسم في مسار الأمور في سوريا، آنذاك.

وكأمثلة يرغب البحث في إيرادها، يمكن العودة إلى انتخابات المجلس التأسيسي في عام 1949، حيث يشير الحوراني إلى الرسالة/التقرير التي وردت من محافظة اللاذقية ونشرت في جريدة البعث ( العدد 248، 28/10/1949) تحت عنوان “الإقطاعية في حماه يجب أن تهزم”. تذكر هذه الرسالة إلى أن عدداً من مرشحي حماه هم من الإقطاعيين أصحاب الأملاك الواسعة في ريف ” محافظة العلويين ” مما أثار مخاوف الفلاحين العلويين الفقراء “… حيث السعيد السعيد من يملك حصيرة في بيته أو ينتعل خفاً…” ويشير التقرير إلى “.. أن الجهالة والسذاجة اللتين رانتا على أذهان الفلاحين ألقتا في روعهم أن ما يحل بهم من العذاب والخسف من قبل الملاكين نتيجة لاختلافهم عنهم مذهباً…” ويكمل التقرير أن “.. هذا الظن الخاطئ حمل العلويين على الظن بأن كل من في البلاد عدو لهم، وأيأسهم من كل عدل وإنصاف واضطرهم إلى عزلة روحية أليمة وتشاؤم كان من الصعب جداً استئصاله، وربما كان له أثر في سكوتهم على مظالم الانتداب لأنها على شرها كانت أخف عليهم وقعاً من مظالم السادة الملاكين…” ( مذكرات أكرم الحوراني). ومن الحوادث أيضاً قضية دين الدولة في الدستور التي أثارت ” حواراً واسعاً في الأوساط الدينية والشعبية المسيحية والإسلامية “. وكذلك السجال الذي دار في مجلس النواب 1957 حول الطائفة المرشدية. وغير ذلك الكثير من النوع الذي يحيلنا إلى الاستعمار والصهيونية وما يخططانه للنيل منا عبر إثارة الطائفية.

أما لبنان الاستقلال الذي ولد ولادته الثانية على أساس تسوية طائفية عكسها الميثاق، فإن دولته لن تؤول إلى ما آلت إليه جاراتها من ادعاءات التقدم والتحرير… بل إنها اكتفت بكونها المرآة التي تعكس الستاتيكو الاجتماعي الطوائفي. فعلى سبيل المثال، يتكون لبنان من سبع عشرة طائفة تتوزع على الشكل التالي: إحدى عشر طائفة مسيحية وخمس طوائف إسلامية والطائفة اليهودية. وسيكون لكل من هذه الطوائف قانون أحوالها الشخصية التي تقررها حسب اعتباراتها الدينية والاجتماعية.

فالسنة والشيعة نالوا استقلالهم التشريعي عن الدولة منذ أواخر 1942 بمرسوم حمل الرقم 241، ليتبعهم الدروز في العام 1948 حيث صدر قانون الأحوال الشخصية الخاص بهم، كما صدر في 1951 قانون يحدد صلاحيات الطوائف المسيحية والطائفة اليهودية (الإسرائيلية) ويعطي مهلة لمراجعها لتتقدم بقانون أحوالها الشخصية وقانون أصول المحاكمات لدى محاكمها الروحية. وستُجمع هذه القوانين عامة على أن من موانع الزواج هو اختلاف المذهب الديني ( لمزيد من الاطلاع حول موانع الزواج يراجع، الطاقات النسائية العربية، د. زهير حطب ود. عباس مكي، معهد الإنماء العربي، بيروت ط1 1987، من ص 234 إلى 239) وهو ما يعني أن الدولة اللبنانية تخلت منذ البداية عن أهم خاصية ميزت الدولة الحديثة التي تقوم دستوريا على استيعاب قاطنيها، عبر تفكيك روابطهم الأهلية دون إلغائها، وإعادة طبخها بإدخالها في صيرورة دمجية عبر سياق مؤسسي تاريخي ينتهي بها إلى هوية عامة تجد مرجعيتها في الدولة.

لم يهنأ التعايش الميثاقي في لبنان بطول التعايش. إذ أن أدواراً إقليمية ودولية جديدة ستتداخل على الساحة العربية المشرقية. فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية سيكون من نتائجها الأولى التبلور الأول لما سيدعى بالحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية (ومن ورائها الغرب الرأسمالي) اللذين كرستهما الحرب في الصدارة العالمية. وسيكون للصراع بين هذين القطبين تفاصيله المهمة في المشرق العربي. كما أن هزيمة العرب في فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل في 1948 سيفتح الباب اللبناني أمام الرياح الإقليمية والدولية المختلفة، والتي ستجد لها في الداخل اللبناني أصداء وقبول. إذ أن مزاجاً عروبياً اقليمياً، توسعيا وتدخليا، يرفع شعارات التحرير والوحدة والثأر، سيأخذ بالبروز والتصاعد من عند الجيران وخصوصاً مع ولادة الناصرية في 1952 التي أطربت مقولاتها ورهاناتها مسلمي لبنان، وخصوصاً ما جاءت به حول فلسطين العزيزة جداً على قلوبهم. بالإضافة إلى أن لبنان غدا دار عبورٍ أو مقامٍ للمهجرين الفلسطينيين من ديارهم. هذه المستجدات وغيرها أعادت الأمور إلى نصابها القلق، وخصوصاً عند المسيحيين الذين أخذ وضعهم بالانتعاش بعد اغتيال رياض الصلح الذي خلف غيابه فراغاً في الصف الإسلامي، لن يملأه إلا عبد الناصر فيما بعد. وفي الوقت ذاته كانت زعامة المسيحيين تؤول إلى كميل شمعون الذي أمسى رئيساً للبنان في عام 1952.

وكما ملأ عبد الناصر فراغاً قاسياً في مصر دفع حتى بليبرالييها إلى المناداة بديكتاتور ” للشعب لا على الشعب… للحرية لا على الحرية..” وبرجال ” فوق القانون” كما عبر إحسان عبد القدوس، كذلك ملأ عبد الناصر النفوس المحبطة بعد الهزيمة بالأمل والعزيمة. خصوصاً أن الأخبار القادمة من مصر عن تأميم قناة السويس وما نتج عنه من عدوان عام 1956 شنته كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل على مصر وصمود عبد الناصر أمام هذا العدوان، وكذلك توجهه نحو موسكو عدوة الغرب الرأسمالي المستعمر… كل هذا جعل من مصر تتصدر الواجهة العربية من دون منازع، مما ساعد في تمددها لتلعب أدواراً إقليمية وعربية إما من خلال جامعة الدول العربية التي تمت الهيمنة عليها من قبل مصر آنذاك، أو من خلال التدخل المباشر هنا وهناك. وهو ما أثار قلق الغرب الرأسمالي ودفعه، وخصوصاً الولايات المتحدة، لإتباع إستراتيجية تروم احتواء هذا التمدد الذي رأى براديكاليته القومية تهديداً جدياً لمصالحه، وكذلك بوابة لتسلل السوفييت إلى المنطقة العربية التي تعد مجالاً حيوياً لا تجوز خسارته. لأجل هذا ستتتالى المشاريع الغربية على المنطقة، كحلف بغداد 1955، العدوان الثلاثي 1956، ومبدأ أيزنهاور 1957، والدفع باتجاه قيام منظمة الدول الإسلامية لمناهضة جامعة الدول العربية الواقعة تحت السحر الناصري، ومبدأ ترومان الشهير ” احتواء الشيوعية بالإسلام ” وما ترتب عليه من سياسات سيكون من أبرزها التدخل الأميركي العسكري في لبنان بعد قيام الوحدة بين سوريا ومصر وسقوط الملكية في العراق في ثورة 1958… لقد جاءت الوحدة بين سوريا ومصر 1958 رداً حاسماً اتجاه هذه المشاريع، كما أن تقارباً حميماً أخذ يعلن عن نفسه مع السوفيات جاء في هذا السياق.

أثارت هذه المتغيرات العاصفة والمتسارعة في المنطقة، الخوف القديم عند مسيحيي لبنان الذين رأوا أن مشروعاً إسلامياً جديداً يلبس لبوس العروبة يتقدم لابتلاعهم وخصوصاً أن غالبية الصف الإسلامي اللبناني ولفيف من القوى اليسارية والقومية في لبنان تطابقت أو تقاطعت مع هذا الوافد الجديد. فأثناء الوحدة، سيقوم فريق من هؤلاء الأخيرين بزيارة للجمهورية المتحدة لطلب ضَمّ لبنان إليها، بل إنه حتى التدخل العسكري لن توفره الدولة الجارة من خلال السلاح الذي كانت توفره أجهزة عبد الحميد السرّاج لجماعات من المنتمين لحركة القوميين العرب الذين سيلعبون دوراً بوجهين في لبنان، وجه قومي يستأنس بالتوجه الناصري، ووجه طائفي من خلال الانقياد لبعض الزعامات السنية البيروتية التي احتضنت هذه الجماعات وقدمت الدعم لها.

كل هذا دفع بكميل شمعون إلى أحضان الغرب بقوة، فهو لم يألُ جهداً ليكون له موطئ قدم في جميع المشاريع الغربية في المنطقة.. فمن تأييده لحلف بغداد ومشروع أيزنهاور إلى محاولته لتعديل الدستور اللبناني بغية استمراره في السلطة الأمر الذي وجد في مناهضته امتداداً مسيحياً داخلياً تقليدياً وإسلامياً داخلياً و ” وطنياً ” وإقليمياً. ” فمن نتائج التحدي الناصري أنه بدل أن تكون السياسة الخارجية أحد تعابير التوازن السياسي في الداخل، (…) راح التوافق مع المحيط، وهو محيط مضطرب وضعيفُ الصلة بالحياة الدستورية وإملاءاتها وثقافتها، يساهم في تكييف الحياة السياسية في الداخل عن طريق القرار الفوقي المعطل لها. (…) وبدل السياسة في معناها الأساسي الذي يسبغ الأولوية على ترتيب شؤون البيت الوطني الداخلية (…) تحظى السياسة الخارجية بتوكيد مبالغ فيه ومبالغ في التأثيرات المترتبة عليه…” ( تعريب الكتائب اللبنانية، حازم صاغية، دار الجديد، بيروت، ط1 1991، ص 26ـ 27).

سيفشل كميل شمعون في مراده، لتنتهي الأمور إلى اللواء فؤاد شهاب الذي سيحضر كتسوية لعبت ظروف عدة في إنجازها، بعضها كان إقليمياً وبعضها الآخر كان لبنانياً تجلى في التعويل على شهاب في إزالة ضروب الاحتقان بين القوى المتناحرة. ولا يفوتنا الإشارة إلى أن دوراً متعاظماً سوف تشهده الساحة المسيحية للكتائب اللبنانية بزعامة بيار الجميل، وخصوصاً منذ أيام كميل شمعون. كما أن أسماء أخرى وقوى ناشئة ستطفو على السطح السياسي ككمال جنبلاط الدرزي ورشيد كرامي السُّني الطرابلسي. سيسعى فؤاد شهاب التسووي من أجل ترسيخ دعائم مشروعه إلى سياسة تروم إعادة صياغة الخارطة السياسية والاجتماعية اللبنانية، فقام بتقريب الكتائب من خلال دمجهم بالدولة، على حساب المسيحية السياسية التقليدية وما يمثلها من قوى، كما قام باستمالة المسلمين من خلال زيادة حصصهم في الحكم والعمل على إعداد خطط تنموية للنهوض بواقع المناطق الإسلامية المهملة كما في الجنوب. إلا أن هذه الصيغة الجديدة لن تكون سوى هدنة مؤقتة بين طرفين كان كل منهما يتوجس من الآخر خطراً مؤجلاً. فصعود الكتائب اللبنانية، رغم التصاقها بدولة شهاب، إنما كان يعكس هاجساً مسيحياً كان كامناً على أثر ميثاق 1943، ثم ما لبث بعد عام 1952 أن استفاق ذلك الخوف القديم المتجدد، على ذلك الإنجاز المسيحي… لبنان. كما أن الطرف الإسلامي الذي وإن ركن إلى لبنان التعايشي الميثاقي في لحظة تاريخية ما، إلا أن حُلم الانتماء إلى هوية تجد امتدادها خارج لبنان، لم يبارحه أبداً، وما لبث أن نهض لتحقيقه خصوصاً بعد هزيمة 1948، وصعود عبد الناصر في مصر. وهو ما سيعني في نهاية الأمر، أن أسهم القوى النضالية عند الفريقين، مسلمين ومسيحيين، ستأخذ بالارتفاع.

فقد أحيت الناصرية في من يدور في فلكها من قوى وطوائف أملاً، بدا في لحظة ما وكأنه وئِدَ مع الميثاق. أما في الجانب المسيحي، فسيؤول الحضور الليبرالي الذي مثلّه التقليديون من المسيحيين من المؤمنين بلبنان المتعايش والليبرالي، إلى الهامش، لتصعد تيارات المسيحية المناضلة التي ستكون الكتائب علماً لها في الزمن المقبل. أي، وبحسب حازم صاغية، إنّ “.. الإتيان ببيار الجميل ليكون ” متراس المسيحيين ” في مقابل رشيد كرامي ” متراس المسلمين “، بحسب تسمية ريمون إدّه الشهيرة، أحلَّ قفا الميثاق الوطني محلَّ وجهه. إذ بعد أن كان ” المعتدل ” المسيحي الماروني ( بشارة الخوري ) و” المعتدل ” المسلم السني (رياض الصلح) رمزي العلاقة التوافقية، بات ” متطرّفَا ” المسيحيين والمسلمين رمزي التوافق الشهابي في زمن الصعود الناصري ـ السوفياتي في المنطقة..” ( تعريب الكتائب ص50).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق