طائفية حديثة أم حداثة طائفية(3): عروبة وطوائف ودول طائفية

نجحت العروبة المشرقية الوليدة في تحقيق استقلالها الأول. وكان عليها أن تسير في بناء دولتها على الأسس التي سبق وأن نادت بها الجمعيات المناهضة للأتراك. وهذا ما بدأت فيه فعلاً. إلا أن الدولتين الغربيتين اللتين أيدتا هذه العروبة وثورتها، فرنسا وبريطانيا، كان لها حساب آخر، سبق وأن بدأت بالإعداد به سابقاً عبر اتفاقية سايكس ـ بيكو التي أخذت على عاتقها اقتسام البلاد فيما بينهما، دون أن تنسيا العرب حلفاءهما بحصة ما!!. إلا أن ممانعة الشارع العربي لهذا المشروع، ومعاندة فيصل وسعيه إلى تسوية الأمور على أساس ما اتفق عليه قبل الثورة، وكذلك امتلاء الدبلوماسية الغربية المنتصرة بشعور القوة والتفوق؛ كل هذا دفع هذه الأخيرة إلى نسخ سايكس ـ بيكو والعمل على استتباع المنطقة المباشر لها، دون أن يكون للحلفاء العرب أي نصيب في هذا.

رحيل عروبة وولادة أخرى…

بداية، يرغب البحث في التعرض إلى ذكر الخارطة الطائفية التي سترث الفاعلية والحضور الاجتماعي بعد زوال دولة بني عثمان عن المشرق، والتي تتحدد في السُنَّة والموارنة والدروز والأرثوذكس. أما الشيعة والعلويون فسينتظر حضورهم في تأكيد الذات إلى ما بعد الاستقلال عبر ما أتاحته الدولة الوطنية الاستقلالية من مؤسسات، وإن كان ثمة حضور سيبرز للعلويين أيام الاحتلال الفرنسي لسورية عندما أنشأت لهم دولتهم وأسمتها باسمهم، وهو ما سنأتي على ذكره. أما الشيعة، فحضورهم الكثيف لن يبدأ إلا متأخراً مع الثورة الإيرانية 1979.

ذكرنا، في القسم الأول من هذا البحث، كيف أن السُنَّة، بشكل عام، وقفوا في البداية موقفاً حذراً بالدرجة الأولى، ومعادياً بالدرجة الثانية، من الثورة الهاشمية والإيدولوجيا العروبية التي تحملها. وقد كان هذا الأمر في مصر أكثر منه في المشرق العربي. إذ أن العروبة لم تجد لها موطئ قدم ضمن ما رشح في مصر من مذاهب للحداثة. إن الهوى الإسلامي في مصر كان مجروحاً في نرجسيته نتيجة انفكاكه عن حضن الخلافة الأم وإلحاقه بالانكليز (الصليبيين)، ولهذا ظل هذا الهوى وفياً لتلك الخلافة حتى بعد سقوطها على يد أهلها. وهو ما يفسر ذلك الموقف المتشنج من الثورة الهاشمية والشريف حسين الذي سينال نصيباً قاسياً من محمد رشيد رضا، أبرز من حمل هذا اللواء، وغيره. إن أحد الأسباب في هذا الموقف، كان، كما يشير إلى ذلك محمد جميل بيهم، أن المصريين الذين “… كانوا يعانون الآلام من أعمال دولة الحماية، انكلترا، دون سواهم من رعايا السلطنة العثمانية، أنكروا على الشريف حسين أمير مكة وعلى أنصاره اتفاقهم معها خلال الحرب العالمية الأولى، وشجبوا ثورتهم على الخليفة ” (القومية والوحدة، القسم الأول ـ ج2، سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية، تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، دمشق، 1994، ص622). إن هذا الهوى ” الخلافي”، إن صح التعبير، هو ما سيدفع الملك فؤاد إلى أن يطمح بوراثة بني عثمان ليغدو هو خليفة المسلمين، ومن هنا شكل له كتاب علي عبد الرازق “الإسلام وأصول الحكم” صفعة جليلة، دفع ثمنها عبد الرازق الكثير.

يتقاطع سنّة المشرق مع المصريين في بعض الأمور، ولا يتطابقون. ويبدو أن في أصل هذا الاختلاف أمور عديدة منها ما يعود إلى التنوع الطائفي والأقوامي الذي يَسِمُ المشرق، ومنها ما يرجع إلى طبيعة الحضور الأوروبي فيه، وطريقة تعامله، وفيما بعد إدارته، لهذا التنوع، وأيضاً كون المشارقة عانوا من أتراك السنوات الأخيرة إمعاناً من هؤلاء في ضرب شخصيتهم العربية عبر تتريكهم… إلخ. إن وضع الهاشميين يدهم في يد الأوروبيين ضد العثمانيين المسلمين (السُنَّة) كان من الكبائر لهذه الثورة في نظر سُنَّة العالم أجمع، والمشارقة منهم. كما أن حضور الأقليات في هذه الثورة عنى لهم انزياحاً في المكانة لصالحها، وهو ما ستنتهي إليه الأمور. كما أن الأيديولوجيا العروبية التي حملتها الثورة، عدا عن جذرها الأقلياتي (المسيحي خصوصاً)، كان مضمونها حقوقياً نوعاً ما. أي أنها كانت ذات مضمون إصلاحي غايته النهوض بواقع الجماعة العربية مع البقاء في دائرة المواطنة العثمانية الأشمل، أي أنها كانت بعيدة عن أي هم انفصالي أو استقلالي أو مجابه. وهو ما تعكسه الأدبيات التي تضمنتها برامج الجمعيات الأدبية والسياسية التي انتشرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكذلك ما رشح من مقررات عن المؤتمر القومي الأول 1913. حيث أن أهم التعبيرات التي دارت حولها هذه المقررات وتلك البرامج تنادي (بالحكم الدستوري المقيد، اللامركزية في الحكم، المشاركة في الحكم، البرلمان…)، وهي تعبيرات لا يخفى تأثرها بالغرب. وهذا ما قد يبرر كيف أن الفكر النهضوي بشقيه الفكري والسياسي الجمعياتي لم يستطع أن ينفذ إلى عموم المجتمع، بل ظل أسير نخبه التي أنتجته، وهو ما حكم عليه أن يبقى فكراً نهضوياً لم يرقَ إلى أن يصير فكر نهضة. فهو فكر غريب أحس عموم المسلمين آنذاك بالاغتراب اتجاهه.

وبعد الاستبداد الحميدي ومن بعده الطوراني انتقلت هذه العروبة لتكتسب مضموناً استقلالياً نجح في مراده بعد إنهاء الوجود التركي على أراضي المشرق العربي لتحاول فيما بعد أن تقيم دولتها على أساس الروحية التي سادت في الجمعيات، من حيث أن نظام الحكم فيها سيعتمد الملكية الدستورية التي تعتمد البرلمان ونظام القضاء الحديث والصحافة…إلخ. إلا أن هذه العروبة الأولى لن يتاح لها المضي في مرادها، إذ سرعان ما لاحت، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بوادر الانقضاض عليها، وهو ما حصل مع دخول غورو إلى دمشق وإنهاء الحكم العربي الأول فيها.

كان هذا الحدث هو ما آذن بنهاية العروبة الأولى لتصحو بحلّة جديدة على وقع مدافع غورو الفرنسي. ولو كان للبحث أن يصف هذا الانتقال من عروبة لأخرى، لوجد أن التعبير الأوفى أنه كان انتقالا من أيديولوجيا للنهوض مثلته العروبة الأولى إلى أيديولوجيا للهوية هي سمة العروبة الجديدة. لا شك أن هذا الانتقال الذي كان يقبع وراءه جرح نرجسي وشعور بالغبن والخديعة والمؤامرة، والذي ستعكس هذه الأمور نفسها في الحوليات العروبية، وغيرها، فيما بعد… لا شك أن هذا الانتقال سيعني أن ثوباً مفهومياً جديداً ستتلبسه هذه العروبة الوليدة بعد أن تطرح عنها ثوبها القديم. إذ أن مضموناً شعبوياً جماهيرياً يستلهم مفاهيم الوحدة والانقلاب والجماهير والاستعمار والخارج…إلخ، هو ما سينسخ ذلك المضمون الحقوقي الخجول للعروبة في ولادتها الأولى. لقد فتح الحضور المجابه للعروبة الجديدة بعض المداخل إلى قلوب المسلمين (السُنَّة) في المشرق العربي الذين لطالما رمقوها بنظرات الحذر والعداء، وخصوصاً أن هذا المضمون المجابه يداعب ما كان يعتمل في الصدور اتجاه الغرب “الصليبي”، وهو ما سنشهده بكثافة عند سُنَّة لبنان ( البيارتة) خصوصاً، وباقي المشرق عموماً، وهو ما لن يلاحظ عند المصريين والمغاربة إلا بعد حينٍ من الزمان.

طوائف ودول طائفية و… عروبة
سبق وأن أشار البحث، في قسمه الأول، إلى الوضع الخاص الذي حازه جبل لبنان من خلال السياقات التي توسمتها المسألة الشرقية على أراضي الدولة العثمانية، وخصوصاً بعد عام 1860، حيث سيغدو لجبل لبنان إدارة مسيحية تتمتع بالحكم الذاتي، وإن كان تعيين هذه الإدارة سيتم بتدخل من الباب العالي. سيشكل هذا الحدث بداية تبلور وعي مسيحي، عند البيروقراطية المسيحية (المارونية) الحاكمة، يروم الاستقلال عن الآستانة وتشكيل كيانه المسيحي، كملجإ جاذب لمسيحيي المنطقة. وهو ما سيغدو البنية التحتية لوعيٍ سيذهب في دعاواه فيما بعد، إلى أن ما سيسمى بدولة لبنان فيما بعد، ما هو إلا انجاز مسيحي يستحق أن يُبذل الغالي والرخيص من أجل الحفاظ عليه. وهو ما يشير إليه وضاح شرارة، حيث يرى “… أن من في وسعه وطاقته، من الجماعات اللبنانية، أن يؤرخ لنفسه بهذه المراحل ( مراحل تكون وطن واحد، لبنان ـ أنا) وأن ينتهي بها إلى لبنان الواحد والمشترك، هو جماعة واحدة، وهذه الجماعة هي الموارنة اللبنانيون. ” (الموت لعدوكم، وضاح شرارة، دار الجديد، بيروت، الطبعة الأولى، 1991، ص 13) ليمضي في إطار إكباره لهذه الجماعة ليرى أن “… الكارثة، هي أن ما جرى داخل الموارنة لم يتعدّهم إلى غيرهم ” ( الموت لعدوكم، ص15)، أما الذي جرى، فهو برأي شرارة، أن الموارنة اللبنانيون اجتمعوا “على ما يفتت المجتمعات، ويفرقها أفراداً، ويهدم أبنيتها التقليدية و”الطبيعية”. واجتمع الدروز على ما اجتمعوا عليه منذ أن كانوا من مراتب اجتماعية وقرابية وأحلاف، ومعتقد، وتابعتهم على ذلك طوائف لبنانية أخرى لم يكن عليها إلا أن تمضي على سُنةٍ ثابتةٍ وموروثةٍ.” (الموت لعدوكم، ص 15، 16).

بدأ التغلغل الفرنسي يأخذ بعداً أكثر صرامة مباشرة بعد أحداث 1860، عندما نزل الجيش الفرنسي إلى شوارع بيروت بحجة حماية المسيحيين. وتعكس شهادة وردت في رسالة من القنصل البريطاني العام آنذاك، ن. مور، إلى وزير خارجية بريطانيا، اللورد رسل، ما رشح عن هذا النزول من مواقف، بقوله: ” لست أرى ضرورة للقول بأن المسلمين ينظرون إلى الاحتلال الفرنسي بأشد ما يكون من النفرة والكراهية. (…) من جهة ثانية نرى أن المسيحيين، عند نزول الجنود الفرنسيين إلى البر، كانوا يسرعون إلى حمل أسلحة العساكر وجرابات أمتعتهم وغيرها، فينقلونه إلى المعسكرات المعدّة لهم تخفيفاً عنهم، بينما كان آخرون منهم يقدمون للجنود الماء والتبغ والشراب وأشياء أخرى مجاناً…” (الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريا ولبنان، زين نور الدين زين، دار النهار، بيروت، 1977.، ص32).

وفي 21 نوفمبر 1919، سيتكرر دخول الجيش الفرنسي إلى لبنان بقيادة الجنرال غورو الذي حضر كمفوضٍ سامٍ على لبنان وسوريا، إضافة إلى كونه قائداً أعلى للجيش الفرنسي. حصل هذا وحكومة الأمير فيصل لا زالت في دمشق. أمام هذه المستجدات، لم يجد البيارتة السُنَّة من بدٍ لهم، إلا التأكيد على الالتحاق بالمشروع الفيصلي، مع أن هذا الالتحاق كان قد بدأ قبل ذلك عن طريق النخب الإسلامية، أي منذ 1918، على وقع أخبار التسويات بين الدول المنتصرة بخصوص المنطقة، وخصوصاً ما حصل منها في مؤتمر الصلح. وعلى ذلك، أعلن غالبية المسلمين السُنَّة، يساندهم في هذا بعض النخب الشيعية، ولاءهم للحكومة الشريفية في دمشق، وطالبوا بالاستقلال في إطار وحدة سوريا الطبيعية. لن يتغير هذا المطلب الأخير من ناحية المسلمين حتى بعد هزيمة السوريين أمام القوات الفرنسية في ميسلون في 24 يوليو 1920، وما نتج عنها من قضاء على الدولة العربية الوليدة في دمشق، ولا بعد أن أُعلن عن قيام دولة لبنان الكبير في سبتمبر 1920، بعد انتزاع ما سمّي بالأقضية الأربعة (البقاع وحاصبيا وراشيا وبعلبك) من سوريا وضمها للبنان.

وليس من غريب الأمور أن يرتبط في أذهان المسلمين، اسم لبنان كوجود ودولة بالمسيحيين (الموارنة خصوصاً ) الذين سيكون لهم وضعهم المميز في هذا ” الكيان ” الناشئ. أما في الجانب السوري، فسيقوم الفرنسيون أيضاً بتقسيم سوريا إلى مجموعة من الدول لا يخفى الأساس الطائفي لبعضها، كدولة العلويين في الساحل السوري، ودولة الدروز في الجنوب. بالإضافة إلى دولة حلب ودولة دمشق اللتين سرعان ما توحدتا بعد سنوات قليلة. أما لواء اسكندرون فقد حظي بإدارة خاصة مستقلة عن جميع هذه الدول بحجة مراعاة التنوع فيه بين العرب والأتراك. لقد كان الوجود الفرنسي في سوريا سابقاً على احتلال دمشق. إذ أن القوات الفرنسية كانت قد وطأت أرض الساحل السوري بعيد طرد الأتراك وانتهاء الحرب العالمية الأولى وأخذت تمهد لوجودها المقبل بمختلف الوسائل، بدءاً من القوة العسكرية التي كانت تستعمل في قمع أي احتجاج عليها كما فعلت مع الشيخ صالح العلي وثورته، مروراً بإنشاء المؤسسات التعليمية والخدمية، انتهاءً بتقديم المساعدات للأهالي هناك حيث أن غالبيتهم كانوا من الفقراء. مما أثر في هؤلاء الأخيرين وبعض النخب الاجتماعية هناك، تأثيراً كان من أحد نتائجه أنهم لم يبعثوا من يمثلهم في المؤتمر السوري، وذلك لأنهم، برأي يوسف الحكيم، وجدوا ” أنفسهم في نعيمٍ بعد سابق جحيم…” وهو ما أثار نقمة دنادشة تلكلخ السُنَّة الموالين لدمشق، بسبب “عطف المحتلين على العلويين الذين يؤلفون أكثرية سكان القضاء” (أول العروبة ـ تخلي الأكثرية وتولي الأقلية، حازم صاغية، دار الجديد، بيروت، الطبعة الأولى، 1993، ص 119،118).

ويُرجع محمد جميل بيهم ذلك إلى أن سكان الساحل من العلويين إنما هم “… شعب فقير جاهل مقسوم إلى عشائر وطوائف كان يحكمه زعماء إقطاعيون،…”. (القومية والوحدة، القسم الأول ـ ج2، سلسلة قضايا وحوارات النهضة العربية، تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب، منشورات وزارة الثقافة، سوريا، دمشق، 1994، ص 637). مع الإشارة أيضاً، استناداً، إلى أكرم الحوراني في مذكراته، إلى أن ما سميّ “بدولة العلويين” شهدت مقاومات عديدة من قبل قطاعات متعددة من الأهالي لمحاولات فصل وعزل مناطقهم عن سوريا، وهو ما ظهر من خلال العلاقات بين أهل حماه وثورة الشيخ صالح العلي والذين نكل بهم الفرنسيون بحجة إمدادهم تلك الثورة بالسلاح، وكذلك احتجاج فئات من العلويين على الهوية التي وزعتها ” دولتهم” ومطالباتهم باستبدالها بالهوية المعتمدة في دمشق. وكذلك ردة الفعل على المذكرة التي رفعها ” بعض أعضاء المجلس التمثيلي العلوي إلى رئيس الحكومة الفرنسية آنذاك ليون بلوم، يؤيدون فيها انفصال جبل العلويين عن الوطن السوري وبقاءه تحت الحكم الفرنسي، بينما امتنع بعضهم الآخر عن التوقيع.” ( مذكرات أكرم الحوراني ).

وفي وثيقة محالة إلى محفوظات وزارة الخارجية الفرنسية، هي عبارة عن برقية وقع عليها العديد من زعماء الساحل السوري من زعماء عشائر وشيوخ دين وزعماء سياسيين ومثقفين، مثل إبراهيم الكنج رئيس المجلس النيابي ووديع سعادة نائب رئيس المجلس والشيخ صالح العلي وإسماعيل الهواش زعيم إحدى أكبر عشائر العلويين والذي سيغدو ابنه عزيز الهواش محافظاً على مدينة دمشق بتعيين من الكتلة الوطنية بعد عودة الوفد السوري 1936، كما ينوه أكرم الحوراني؛ تشير هذه البرقية إلى نفاذ الصبر من “سياسة التفرقة المشؤومة التي مازال يسير عليها ممثلوا فرنسا حتى يومنا هذا” الذين استثاروا أنصارهم للتوقيع على عرائض تهدف إلى ” إبقاء حكومة اللاذقية على وضعها الحالي “بعد أن ادّعوا” .. أن العلويين ليسوا مسلمين ولا عربا “. وبعد الإشارة إلى سهولة إبطال هذه المزاعم، تشير البرقية إلى أن رأي الانفصاليين لا يمثل العلويين متسائلة “… كيف يمكن تفسير تواجد أكبر الزعماء ورجال الدين بين صفوفنا والذين يمثلون باعتراف الجميع الأكثرية الساحقة…” ثم تقلل البرقية من شأن الرأي الداعي إلى ضم الإقليم إلى لبنان “… وهو المرتبط منذ الأزل بسوريا ويشكل جزءاً لا يتجزأ منها ولم ينفصل عنها برغبة سكانه بل بالإرادة السياسية لحكامه الفرنسيين…”. أما عن حجة كون العلويين ليسوا مسلمين، فترد البرقية مؤكدة أنه من ” جهة لا يمكن اعتبار الديانات كقاعدة لتكوين الشعوب، ومن جهة أخرى فالعلويون مسلمون كما أن الإغريق أرثوذكس والبروتستانت مسيحيون. لماذا لا يفكر المسيحيون في طلب الانضمام إلى لبنان حيث يشكل أبناء دينهم أكثرية؟ وأين في العالم كله البلد الذي يتبع سكانه مذهباً واحداً؟”. ولم تكن دولة الدروز بمنأى عن التطورات الحاصلة في المنطقة. ويبدو أن غالبية الأهالي فيها كانوا من دعاة الاستقلال والوحدة. كما أن شرارة الثورة السورية الكبرى التي انطلقت من جبلهم 1925، لتعم باقي الأرجاء السورية، والتي قادها سلطان باشا الأطرش، كانت قد حسمت الأهواء باتجاه المسير نحو الاستقلال والوحدة. ولم تحصل هذه الأخيرة بشكلها التام إلا في أربعينيات القرن المنصرم بالنسبة لدولتي العلويين والدروز.

أما في العراق فلم يسجل احتراب بين طوائفه، وخصوصاً بين السنة والشيعة، تحت سلطة الانتداب البريطاني. بل إن المشكل الأقلاوي سيأخذ شكلاً أقوامياً. كالثورة الكردية عام 1930 المطالبة بالاستقلال عن بغداد وبإنشاء حكومة كردية في كردستان. وأيضاً ثورة الآشوريين بعدها للمطالبة بمثل مطالبات سابقتها تقريباً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق