طابو البكارة، اليوم و في ديارنا نحن (7) ثقافة العفّة… ثقافة الاستمناء

تناقلت المواقع الإخبارية قبل حوالي شهرين نبأ النظر في دعوى اغتصاب، تقدمت بها عائلة تونسية ضدّ شاب متهمة إيّاه بمواقعة ابنتهم عبر اتّصالات هاتفيّة ساخنة ومطوّلة، كان يجريها الشاب البالغ من العمر 30 عاماً مع الفتاة البالغة 20 عاماً. وقد اعترف الشاب بأنّه، وبينما كانا في قمّة الانسجام والتواصل عبر الهاتف، انتبه إلى صراخ الفتاة التي أبلغته أن قطرات دم سالت منها. الوكالات والمواقع الناقلة للخبر انشغلت بطرافته، إذ أنّها سابقة قانونية كما توضّح محامية العائلة “مها المطيبع” فتعتبر أنّ: “جريمة المواقعة حصلت بكل تفاصيلها، ولكن من خلال الصوت فقط، أي إنّها مواقعة عن بعد. ومع ذلك فإنها ظاهرياً موجودة باعتبار ثبوت مظاهرها (فقدان البكارة)، ولكنها فعلياً غير موجودة لانعدام عنصر المباشرة”.

يلقي تصريح محامية العائلة الضوءَ على الطريقة التي يتمّ بها النظر إلى مسألة الجنس، فهي تعتبر المواقعة جريمة ارتكبها الشاب، وتلغي بذلك ما هو ثابت لجهة مشاركة الفتاة، غير القاصر، كفاعل جنسي كامل الأهلية. على الصعيد نفسه تعتبر “الجريمة” موجودة بثبوت فقدان البكارة، أي لولا فقدان البكارة لانتفت الجريمة من وجهة النظر هذه، ولا ضرر حينها من الاتّصالات الساخنة ما دامت لا تترك أثراً جسدياً ملموساً، أو بالأحرى لا تترك أثراً اجتماعياً صريحاً. لم يحز هذا الحدث على الاهتمام الذي حازت عليه قضية محكمة ليل بخصوص إبطال الزواج بسبب فقدان العذرية، مع أن القضيتين متشابهتان جداً في المؤدّى، وقد نعزو ذلك إلى الفوارق بين المجتمعات العربية والغربية، بما يتضمن أننا نستنكر ما يحدث عندهم، ونقبل بما يحدث عندنا على أنه من طبيعة الأمور. ومع ذلك، ولكي نكون أكثر دقة؛ ثمة إقرار ضمني في مجتمعاتنا بأنّ وجود البكارة، أو عدمها، بات مؤشراً باتجاه واحد، ففقدان البكارة دليل على وجود نشاط جنسي للمرأة، أما وجود البكارة فليس دليلاً على غياب النشاط الجنسي، سواء بشكله الكامل أو المنقوص، ما دامت عمليات ترميم الغشاء متاحة وبكلفة زهيدة.

في مطلق الأحوال ليست قضية البكارة، وما تستتبعه في الحالات القصوى من جرائم شرف، شأناً شخصياً. بل إنني أميل إلى الاعتقاد بأن مجتمعاتنا أقرب إلى التسامح مع هذه الحالات، ما لم تنتقل إلى الحيز الاجتماعيّ العام، أي حيث أمكن “درء الفضيحة بالستر”، وعلى هذا تغدو العذرية قيمة ثقافية أخلاقية مفارقة للواقع الملموس، وفاعلة في الفضاء الثقافي الاجتماعي. التخوف التقليدي ينبع من تحوّل ما يُفعل سرّاً إلى العلانية، فيزعزع الفضاء الأخلاقي المستقرّ، أي إنّ التسامح ممكن مع ما يعدّ “خطأً”، على ألاّ يكتسب هذا “الخطأ” مشروعيته كحقّ شخصيّ أو عامّ، وألا يُطلق العنان للمرأة تحديداً في ممارسة حرّيتها الجسديّة. علينا هنا ألا نُغفل أيضاً ما تُفصح عنه الأدبيات الذكورية التي تصوّر المرأة كائنا جنسيّا كلّيّ القدرة؛ ثمّة وهم متولّد من عدم حاجة المرأة إلى الانتصاب، ما يجعل نشاطها الجنسيّ أعلى من نشاط الرجل، أو حتى يجعلها في جاهزية دائمة للفعل الجنسيّ، وعلى ذلك ينبغي لجم أو تحديد هذه المقدرة بالعذرية أولاً، وبالزواج تالياً. ضمن هذا الوهم يبدو الرجل أكثر خصاء من المرأة، ما يدفعه إلى إثبات فحولته بحجبها، فكيف إذا أسعفته الطبيعة بذلك؟!

لا أدري إلى أي حدّ تنفع الحجج في دحض ما هو غير عقلانيّ، فالمنظومة الأخلاقية لثقافة العفّة مبنيّة أصلاً على قهر الرّغبات الطبيعيّة للجنسين، وما يتولّد عنها من آثار يطال المجتمع ككل، ولاستحالة إبطال الرغبات فإنها تتجه إلى التصريف عبر قنوات ملتويةٍ مبددةً في طريقها الكثير من الطاقات والوقت. ثقافة العفّة تعني ثقافة الاستمناء بالنسبة للجنسين، وتعني تالياً المشاكل الناجمة عن صعوبة التواصل مع الآخر عندما يتحقق التواصل، المحصلة النموذجية هنا: رجل يعاني من سرعة القذف، وأحياناً من ضعف في الانتصاب، بسبب الاعتياد على العادة السرية، وامرأة معتادة على المتعة البظرية، بحيث لا تجد طريقها إلى المتعة، وتبقى مستثارة في حين أتمّ الرجل استمناءه، بواسطة المرأة هذه المرة. ولن نأتي بجديد أيضاً إن أشرنا إلى العلاقات المثلية المبنية بغالبيتها على انعدام التواصل مع الجنس الآخر، لا على خيار شخصيّ كما في المجتمعات الغربية. وبالطبع يُمارس الجنس قبل، أو خارج، الزواج بسرّية، وغالباً بانقطاعات لا تجعل منه فعلاً مشبِعاً على الصعيدين الجسديّ والنفسيّ، ولا تمنح الوقت الكافي للتعرّف على الجسد.

تُظهر ثقافة العفّة انحيازاً أخلاقياً إلى الرجل، فتتسامح معه في الحقل الجنسيّ، وكما رأينا يصرّح الكثير من الرجال بممارستهم الجنس خارج المؤسسة، على العكس من النساء حيث لا تتجرأ إلا قلة منهن على التصريح بذلك، لكن المنطق يقول إنّ الفعل الجنسيّ يقتضي تكافؤاً في النسب، إذ لا يعقل أن يمارس 70% من الرجال الجنس مع 8% من النساء مثلاً. الفعل يتمّ إذن، شاء من شاء وأبى من أبى، أمّا الرهان الاجتماعي على منعه فهو يتآكل تدريجياً بحكم عوامل اقتصادية وثقافية متعددة، ومع الأسف هناك شرائح اجتماعية واسعة لا تزال غير قادرة على الإقرار بحكم الطبيعة أوّلاً، وبالمتغيرات الواقعية ثانياً، وتبدو هذه الكتلة صمّاء تجاه الحجج التي تسوقها الدراسات والإحصائيات، وهي قليلة بدورها، وكأن يوتوبيا العفّة، شأن أيّ يوتوبيا أخرى، تملك من التأثير ما يعجز أمامه العقل أحياناً.

لا جدال في أنّ المرأة أكثر تضرّراً من ثقافة العفّة، خاصة عندما تتعرّض إلى التمييز القائم على انتهاك جسديّ فظيع، كما في حالة البكارة، لكن علينا ألاّ ننسى أنّ هذه الثقافة تضمن استمراريتها بإيهام الذكور بأنّهم مستفيدون من دوامها، على الأقل إيهامهم بأنّهم الجزء الأقلّ ضرراً بكثير. تحرّف الثقافة السائدة الذكورَ عن طبيعتهم بتنشئتهم على متعة السيطرة، بدلاً من تبادل المتعة مع الآخر، وفي غياب بارز لمفاهيم الصحّة الجنسيّة يستمرّ الإيحاء ببديهيّة الفصل بين الجنسين، على الرغم من أنّ الفعل الجنسي منافٍ بطبيعته للفصل، وعلى الرغم من أنّ غياب الفعل أو اضطرابه يتركان آثاراً مرَضيّة على الطرفين. لا دراسات لدينا تتقصّى مثلاً الآثار الناجمة عن التأخّر في ممارسة الجنس، وعدم انتظامه، عند الطرفين. ولا دراسات عن الجسد تقدّم معرفة معمّقة في جسد المرأة وجسد الرجل، وهذا ما يجعل المرأة مجهولة لدى الرجال وقليلة المعرفة بذاتها، كما يكرّس إقصاء الرجال عن جسد المرأة وعن أجسادهم أولاً، حتى أصبحت كلمة “جسد” مرادفة فقط للمرأة!

لقد أقصت ثقافة العفّة التفاعلَ البدنيّ باطّراد، ووضعت الجسد برمّته في دائرة الإثم، ونستطيع الجزم بأنّ الاستمناء، البديل عن التواصل، يتوالد ليصبح ظاهرة ثقافيّة عامة، أي لا يقتصر على الفعل الجنسيّ المباشر، فحيثما يغيب التواصل تنعدم الفرصة لاختبار الذات، وتنمو تصوّرات غير واقعية عنها. عندما يهمّش الجسد تضمر حواسّنا، وتتضاءل معرفتنا بالعالم، أو على الأقل نفتقد المعرفة الحسّية وهي جانب ضروريّ للتوازن النفسيّ، ولعلّ التواصل الجنسيّ هو الأهمّ من حيث أنه قائم على بذل الحواسّ جميعاً. يدرك سدنة العفة خطورة الجسد، ويخشون فعله التخريبيّ للأنماط الثقافية القائمة، ولهذا يصرّون على معرفة مبتورة بالعالم. بالمعنى الاجتماعي لا تعود البكارة غشاء يخصّ كل امرأة على حدة، بل هي غشاوة على أعين الجميع رجالاً ونساء.

من المنطقيّ أن نطالب أوّلاً بإزالة التّمييز بين الرجال والنساء بكلّ أشكاله، وخاصّة عندما يُبنى على علّة طبيعيّة كالبكارة، لكنّ هذه النقاشات سرعان ما تستدعي إلى الذهن مشهداً يتكرّر كثيراً في السّينما؛ سجاّن يقود سجيناً والقيد “ذاته” يربط بين معصميهما.

مقالات ذات صلة: أنظر ملف: طابو البكارة، اليوم وفي ديارنا نحن (قسم ملفات الأوان)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق