طارق رمضان: ” شئنا أم أبينا، الإسلام مرجع أخلاقي في البلاد العربية “

تفضل استخدام عبارة “انتفاضة “عوضا عن عبارتي ” الربيع العربي” أو “الثورات” لوصف الأحداث في العالم العربي – الإسلامي، لماذا؟
الثورة تغيير جذري للنظام : تعالج مسائل السلطة، ودور الاقتصاد، و التموضع العام للحكم، وكل هذا ينجم عن حركة عفوية للشعوب. والحال، فإن كل هذه العناصر بحثتها في التحليل الذي أجريته للأحداث في المغرب والشرق – الأوسط. إنها انتفاضات شعبية، هذا أمر بديهي ، لكنها ترافقت بتقنيات التعبئة اللاعنفية ، وغايتها كانت قلب الحكومات، وليس بالضرورة تغيير النظام. وإذا ما تشددنا قليلا ، فإن كل ما يجري الآن بالنسبة لهذه الانتفاضات ينبغي أن يدعونا لأن نكون أكثر حذرا في استخلاص النتائج .
لا نستطيع مقاربة مسألة هذه الانتفاضات العربية دون معالجة إقليمية:فتونس ليست مصر التي هي أيضا ليست سورية. ويمكن ، على سبيل المثال ، ملاحظة أن التنظيمات اللاعنفية معروفة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2004 وممولة من قبل الإدارة الحكومية ، وتحت إشراف غوغل التي نظمت عام 2008 مؤتمرا حول قضية التعبئة اللاعنفية في بودابست. في مصر على سبيل المثال ، نقلت غوغل للنشطاء كودات أقمار صناعية للتغلب على حصار الانترنيت ، لكنها رفضت فعل ذلك في سورية. نحن إذن في مواجهة أسئلة حقيقية تتعلق بالتأثيرات الخارجية. وفي الوقت نفسه، لو أمكن إعطاء الشرارة إلى حركات شعبية، فإنه لن يكون بالإمكان، و لأنها كذلك، السيطرة عليها. هناك إذن فعلا ديناميكية ما في طور التعبير عن نفسها وهي طافحة بالوعود. لكن لا يجب التقليل من واقع أن الولايات المتحدة  وأوروبا تقومان حاليا بمراجعة استراتيجياتهما، وأن الحضور المستجد في المنطقة لكل من الهند والصين وجنوب – أفريقيا وروسيا المستعدة للتحاور مع قوى سياسية أخرى، يؤثر في الرهانات ويغيّرها. كل هذا إذن أمر معقد جدا، ولا يتعلق ببساطة بحركة ديموقراطية مع علمانيين من جهة وإسلاميين من جهة أخرى.
تتحدث بدقة عن هذا التضاد “السرمدي” بين العلمانيين والإسلاميين كما لو كان صراعا زائفا يستر الرهانات الحقيقية المتعلقة بمستقبل البلاد العربية، اشرح لنا ذلك.
اليوم، إذا كان صحيحاً أنه يُطرح في فرنسا وفي الغرب أحيانا هذا التضاد الثنائي بين العلمانيين من جهة والإسلاميين من جهة أخرى ، فإننا نجد هذا الاستقطاب ذاته في المجتمعات العربية – الإسلامية. هناك ما أدعوه أزمة مزدوجة ، أزمة متشابكة، فيها من جهة حركات علمانية تقدم نفسها، بوصفها المدافعة عن الديموقراطية لكن ينبغي الاعتراف أنها غالبا ما تكون متحدرة من نخبة، مقطوعة الصلة بالشعوب، ليبرالية دينياً لكنها في أغلب الأحيان خادمة للديكتاتورية سياسياً؛ ومن الجهة الأخرى حركات إسلامية تلعب بورقة الشرعية بتأكيدها امتلاك المرجعية الإسلامية ونابعة من الشعب. وكل طرف في هاتين الجهتين يبني شرعيته عبر التضاد مع شرعية الآخر، وبكلام آخر، فإن العلمانيين شرعيون فقط لأنهم ضد الإسلاميين، وبالعكس فإن الإسلاميين شرعيون لأنهم يناهضون العلمانيين. اليوم ، أرى أنه يجب تحطيم هذا الاستقطاب المصطنع كليةً. يبرر اللاعبون السياسيون الحاليون تموضعهم السياسي بالتضاد فقط، لكنهم لا يقومون بالنقد الذاتي لدورهم عمليا في خمسين عاما من العجوزات في المجتمع المدني، وعلى الأخص في ما يتعلق بالطروحات. أية سياسة اجتماعية؟ أية سياسة تربوية؟أي دور للنساء؟ أي مسار للدمقرطة؟ إن مسألة معرفة أين يقع الديني بالنسبة للسياسة هي أقل أهمية بكثير بحسب رأيي من مسألة معرفة أين سيوضع الاقتصاد بالنسبة للسياسة. هل يراد وضع السلطة الاقتصادية بأيدي اللوبيات ، والشركات متعددة الجنسية وهل ستحل النقود محل الشأن السامي كما نرى ذلك في أوروبا اليوم؟ أعتقد أنه يجب على الغرب وعلى العالم العربي المسلم بغالبيته الخروج من هذه الثنائية القائمة، المصطنعة، وغير المنتجة. 
حسب رأيك ، ينبغي أن يكون الإسلام مرجعا أخلاقيا للشعوب العربية – الإسلامية.
في الواقع، أنا لم أقل أن الإسلام “ينبغي أن يكون ” مرجعا، أنا أقول أنه ليس لدينا الخيار. مع هذه الانتفاضات، جرى استبعاد الإسلاميين ناسين أن الأمر كان يتعلق ببلاد ذوات غالبية إسلامية. سواء شئنا أم أبينا، فإن الإسلام مرجع في هذه البلاد. حينما يصرح مصطفى عبد الجليل في ليبيا أنه ينبغي تطبيق الشريعة والسماح بتعدد الزوجات فإنه كان يجازف مع شعبه لكي يبرهن على استقلاله. وبالطبع لم تتصرف الدول الغربية لكي تثبت أنها غير متورطة في المصير الليبي، في حين أنها متورطة تماما في ذلك. كان عليه لكي يتمكن من الحصول على تأييد شعبه ، إسناد مرجعيته إلى معطى إسلامي . وهذا يصح في ليبيا وفي تونس أو في مصر. وأنا لا أوافق أوليڤيه روا حينما يعلن نهاية الإسلام السياسي، لكني في المقابل أوافقه الرأي حينما يصرح” بأن الأمر لم ينته مع الإسلام “. وهذا يعني أنه ينبغي علينا إيجاد مرجعية ما، وأتمنى ألا تكون مرجعية مغلقة، معادية للغرب على سبيل المثال ، وإنما مرجعية أخلاقية تناقش غايات العمل السياسي. وأنا لا أعرف ما المقصود بدولة إسلامية ، لكني وعكس ذلك أعرف ما المقصود بدولة متصوَرة قياسا إلى علم أخلاق سياسي وديموقراطي. أعتقد إذن أنه يوجد من المشترك في الغايات أكثر بكثير مما في البنى، وأننا سنلتقي مجددا عند القيم . إن المجتمعات ذوات الغالبية الإسلامية التي تستند إلى قيم نابعة من الإسلام ينبغي لها برأيي استخدامها لكي تدرجها في الواقع، في عملية الدمقرطة، في علم الأخلاق الاقتصادي، في المساواة أو العدالة الاجتماعية على سبيل المثال.
كيف تقرن منذ الآن علم أخلاق إسلامي مع مسائل حساسة مثل المثلية الجنسية وحق الإجهاض؟ 
برأيي، المثلية الجنسية في المجتمعات ذوات الغالبية الإسلامية، وحتى عند العلمانيين، هي اليوم مسألة غير مطروحة، ولا أعتقد أنه باستخدام المواجهة المباشرة يمكن للمرء أن ينجح في تطوير الذهنيات. برأيي، سيكون أفضل بكثير القول أنه في مواجهة القانون ودولة الحق، ينبغي للمواطنين جميعا أن يحظوا بالمعاملة المتساوية في الحقوق. ولا يجب لأي شخص التدخل بالسلوك الجنسي لرجل أو لامرأة. حتى لو عنى هذا أن المجتمعات ذوات الغالبية الإسلامية من أكثرها تديناً إلى أكثرها علمانية لن تقوم غدا بمنح المثليين بعض الحقوق .
أما فيما يتعلق بمسألة الإجهاض، وخلافا لعلم الأخلاق المسيحي، لا يوجد في الإسلام منع كامل، وإنما تعالج كل حالة على حدة. وتنص القاعدة العامة، التي يمكن من جهة أخرى تبريرها عقلياً ، على أنه يجب تجنب الإجهاض، ولكن يمكن للمرء مقاربة الموضوع بحسب كل حالة. وأعتقد بصورة عامة أن المسارات المتعلقة بغايات تطبيق الحق ينبغي أن تكون مرنة، وأنه باسم المرجعية الإسلامية حول مسألة حساسة مثل الإجهاض ينبغي للمرأة امتلاك الحق بأن يكون بمقدورها أن تقرر الأمر بذمتها وضميرها. 
كيف تتصور مستقبل هذه الانتفاضات؟ 
سوف يخضع هذا كثيرا للخيارات الشعبية ولقدرة الشعوب على عدم السماح بالتفريط بمنجزاتها. في تونس، أول بلد يدخل في مسار المأسسة الرسمية للانتفاضات، نرى أن حزب النهضة الفائز عرضة للأحكام ذاتها التي سمعها رجب طيب أردوغان- الذي بات الآن مقبولاً لأنه عرف كيف يكافح الفساد وكيف يصلح عددا من الأمور. وإذا لم يكن لدي ما يقلقني في ما يتعلق باحترام النهضة للديموقراطية- ببساطة لأن ليس لديهم خيار آخر إلا احترامها – فإنه عندي بالمقابل أسئلة حقيقية حول خيارهم المستقبلي في موضوع السياسة الاقتصادية. 
بالنسبة لمصر، أنا أشد قلقا، لأن الجيش ما يزال حاضرا بقوة ويمسك بالسلطة بطريقة مخاتلة وصريحة. ومن خلف شفافية جلية ورحيل حسني مبارك، يمكن للانتفاضة أن تُسرق وأن يحتفظ العسكر بالسلطة.
في ما يتعلق بليبيا، قلت لتوي أن المجلس الوطني الانتقالي مؤلف من أشخاص تبدو لي غالبيتهم غير أهل للثقة والذين من خلف بعض التصريحات حول الشريعة ، يدخلون في مساومات اقتصادية مع الغرب حول البترول.
بالنسبة لسورية، فإن الموقع الجيوستراتيجي للبلد هو على درجة من الأهمية بحيث أن القوى العظمى مثل فرنسا والولايات المتحدة وكذلك الصين أو روسيا لا تتمنى سقوط النظام. وخلافا لما يقال، فإن حكومة بشار الأسد هي عامل استقرار في المنطقة وتلعب، كما إيران، دور العدو المفيد . 
 طارق رمضان: مفكر وأكاديمي سويسري، مدرس مادة الدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة أوكسفورد. 

 مقابلة أجراها ماثيو ميجيڤان. بمناسبة صدور كتابه الأخير”الإسلام واليقظة العربية” الذي يطرح تحليلا نقديا حول الانتفاضات الأخيرة في المغرب العربي والشرق الأوسط ، ونشرت في موقع le monde des religions

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق