طاهر رياض ينطق عن الهوى

كان كافياً للرقابة أن يستوحي طاهر رياض عنوان مجموعته الشعرية من الآية القرآنية “وما ينطق عن الهوى” سورة النجم:3 ، مسقطاً النفي فيها، ومحوّلاً المعنى إلى خبرٍ يفيد تأكيد النطق عن الهوى حتى تقرّر منع المجموعة من التداول في الأسواق، فتحت العنوان العريض ((ينطق عن الهوى))، يطلق طاهر رياض آخر أعماله الشعرية، معلناً أنّه سينطق كما يوحي له هواه الشعري بمزيجٍ لغويّ تكوّنه عناصر بلورها الشاعر الراحل محمود درويش بكلمات قليلة، لكنها معبّرة عن فحوى تجربة الشاعر رياض في ديوانه هذا.

لقد تميّزت تجربة طاهر رياض الشعريّة عبر تاريخها باستحضار الرموز الدينية والمعاني الصوفية المتضمّنة في نصوص الكتب السماوية، والاشتغال على صهرها في النص الشعريّ. وها هو مع آخر ما أفرزته حصيلته الشعرية، يقدّم نصوصاً لا تخلو من تلك السمة المعهودة، إنما تتميّز بمسحةِ نضجٍ فنيّ يتجسّد في التقاط أحد تلك الرموز والمعاني وصهرها، لينتج عن عملية الصهر هذه نصوصاً مشحونة بالدلالات المستحدثة والصور المبتكرة.

ومن أمثلة استحضاراته، استحضاره لشخصية يوحنّا المعمدان، وصهرها في نصّه الشعريّ، مبتكراً انزياحاً في هذه الشخصية الدينية، فهو يقول بلسان يوحنا المنزاح:

لو أخلع رأسي وأسير به محمولاً

في طبقٍِ، لبكت سالومي

واحتفظت بلساني كي تكمل رقصتها

وهي تعضُّ عليه

بأسنان الشهوة / ص20 /

فمن أين ليوحنا -الشخصية الدينية- أن ينطق بمثل هذا لولا أنّ شاعراً يحمل تاريخاً شعرياً مثل تاريخ طاهر رياض الشعري، أعاد إنتاج قصّته، وحوّر في سياقها وحيثيّاتها؟!

والطريف أنّ الشاعر رياض يقصد منطقة الحظر ويدخلها عن طريق استخدامه لمفردات دينية، أي يطرق التابوهات عبر استحضاره للكتب المقدّسة، فهو في قصيدة (اقرأ) ـ وهي القصيدة المحورية في الديوان ـ يقول:

اقرأ باسم الله

وباسم الخلق جميعاً،

واكتب ما شئتَ

على ما شئت

لمن شئتَ،

وأفسحْ في الضوضاء ضباباً

تسبحُ فيه

الآياتُ ص68، 69

أمام هذه القصيدة وأمام شواهد كثيرة تماثلها من حيث الدلالة التخريبية المبثوثة في النصوص المقدّسة المستحضرة شعراً، والمقصود بها الدلالة الجديدة التي أبدعها الشاعر على قاعدة النصّ المقدّس المولّدة منه، لابدّ للقارئ أن يتساءل: هل القصّة قصّة عبثية؟ لاسيما وأنه يستشفّ تحريض الشاعر في أكثر من موقف على هذا كما في قوله:

لا تهدِ ضلالَ الأسماء

إلى المعنى

اعبثْ في الأخضر واليابس ص75

بل هي أكثر من عبث، سرعان ما يدرك القارئ هذا. إنها قصّة جنون، فحين يعلن طاهر رياض مشيئته قائلاً:

وأريد كلاماً خفيفاً على لمعة العين

تصغي إلى هذره امرأةٌ آخر الليل

خائفةً من تبدّل أحوالها

وتعيدُ على جسدي

كلّ ما سَمِعَتْه

بغيرِ كلام! ص98، 99

وحين تكون امرأته المشتهاة هي المرأة التي:

تشتهي رجلاً

ليس يشبهني،

وهو، بعدُ، أنا

وأنا

لن

أكونَه ص101

عندها، يكون طاهر رياض قد دخل جنونه الشعري، وبالتالي قد يسوّغ له ذلك التمرّد المبطّن بعلنيّته، والذي يظهر بين صفحة وأخرى مستفزّاً القارئ أحياناً للبحث في خلفية هذا القول الشعري الذي يستعير خلاله من حقل الدين اللغوي مفردات يوظفها في سياقات مغايرة للسياق المتضمّن لها في الأصول (الكتب المقدّسة).

وكما قد يحدث لأيّ إنسان فقد رشده فعاد إليه في لحظةٍ، يعود طاهر رياض من جنونه، ليعي أنّ شعره بات إثماً يخشى الظهور:

… كيف أكتب شعراً

وكلُّ كلامٍ أحاوله

يستحي

ويغطي فمه؟! ص112

ولكن لابدّ من الشكّ في أمر هذا الرشد العائد على مضض، حين لا يكون الذي عاد إليه رشده مجنوناً عادياً، إنما هو برتبة شاعر!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق