طرائف ونوادر على هامش الانتفاضة التونسية.

 
 
   يُبدع التونسيون في هزلهم كما يبدعون في جدّهم، ففي خضمّ الأحداث العاصفة التي مرّوا بها خلال هذه السنة الاستثنائية في تاريخهم لم تغب عنهم روح الفكاهة، بل ربما ازداد حضورها كي تشكّل ملمحا من ملامح الانتفاضة التونسية .
إنّ النكات والنوادر والطرائف غير منفصلة عن وقائع الحياة، وعادة ما تفرضها أحداث لم تكن في الغالب منتظرة، وقائع بائسة لا يستطيع الناس تغييرها في الإبان فيحوّلون حملها الثقيل إلى حمل خفيف من خلال التندر بها، فللنكتة وظيفتها السياسية والاجتماعية والإيديولوجية، كما أنّ التهكّم أسلوب قديم في المحاورة قدم الإنسانية نفسها، مقصده تحويل الوقائع الباردة في جدّيتها إلى وقائع ساخنة طافحة بالهزل والمرح . 
 
يمثّل التهكّم والسخرية واسطة من وسائط التواصل بين الناس، تفترض محاورة ما، بغضّ النظر عن طابعها، محاورة الآخر فردا أو جماعة للكشف عن حقيقة غائبة، أو حقيقة يراد لها أن تغيب، كي تحلّ محلّها حقائق زائفة يراد لها أن تسود وتتربّع على عرش الوعي الجماعي للشعب .
يتعلّق الأمر هنا بموقف ما، يبحث له عن سبيل للانتشار، للتعبير غالبا عن رفض ما هو سائد. ففي وضع مضطرب، صاخب، ذي إيقاع عنيف، مثل وضع الانتفاضات والثورات، تبلغ حدّة الصراعات بين الطبقات في السياسة والفكر والاقتصاد ذروتها، وكثيرا ما يقترن خلال ذلك الجدّ بالهزل، فالمأساة والملهاة في التاريخ تتجاوران. 
 
وخلال الأحداث الكبرى في حياة الطبقات والأمم ترتسم ضمن مشهد الصراع بيداغوجيا الجماهير المنتفضة، التي تعلم وتتعلم في معمعان المعارك القاسية، فتكون النكتة دليل استفاقة، وعلامة يقظة، لكي تسري سريعا بين الناس محدثة مفاعيلها .
إنها تمثّل بمعنى ما احتجاجا على واقع بائس، وفي تونس يقولون “كثر الهم يضحك”، ووقائع تاريخ تونس خلال هذا العام تزدحم فيها الانتصارات مع الانكسارات، وبإمكان المرء أن يشتمّ في نفس الوقت رائحة الثورات ورائحة المؤامرات، وهنا تتحوّل المبكيات إلى مضحكات، فالمضطهدون بارعون في تدوين سخريتهم على دفتر معاناتهم. 
قال كارل ماركس يوما : يجب أن نجعل الاضطهاد أشدّ وطأة بأن نضيف إليه وعى الاضطهاد، وعينه على المسافة الفاصلة بين ما تعانيه البروليتاريا في المجتمع الرأسمالي من ويلات، وبين وعيها بتلك المعاناة، ففي حال ظلت تلك الطبقة دون وعي باضطهادها فإنها ستكون كرة لعب تتقاذفها أرجل مستغلّيها، وفي حال حدوث عكس ذلك فإنها تدرك شروط تحررها، وتتحول من طبقة في ذاتها إلى طبقة لذاتها، فترسم طريق خلاصها وخلاص البشرية قاطبة، فهي لا يمكنها التحرر دون تحرير المجتمع ذاته .
  أن نجعل الاضطهاد أشد وطأة هو أن نعي به، على نحو يصبح فيه جحيما لا يمكن المكوث فيه، وتحويله إلى مادة للتهكّم والسخرية هو شكل من أشكال ذلك الوعي، الذي يجد في النكتة إحدى أدوات التعبير عنه، وسواء كان الفضح فلسفيا أو فنيا أو من خلال النكتة الخ… فإنه آلية نقدية تحريضية مهمة، تمهّد السبيل لتغيير واقع بائس، وهنا فقط تكفّ النكتة عن أن تكون مجرّد بلسم يداوي مؤقتا جراحات المقهورين لكي تكون سلاحا لتحريرهم .
 
تعبر النكات والنوادر المتداولة عن حال تونس الآن، وتقدم لنا لوحة يمكن التمعن في أدق تفاصيلها من خلالها، مما يستدعي وجوب إدماج دراستها في فهم الانتفاضة، وهي لا تنوب بالتأكيد عن النظرية ولكنها ترافقها لكي يكون الفهم اكبر وأشمل. ربما لهذا السبب اهتم الفكر النقدي بالنوادر والنكات والأمثال الشعبية جمعا وتحليلا، فهي تكشف عن الوضع السياسي والاجتماعي على طريقتها، وتساعد بالتالي على المساءلة واستنطاق الوقائع، إنها مجال بجدر ارتياده للقبض على المسكوت عنه الذي يفصح عنه المزاج الشعبي ويفضحه، فتكون له وظيفته المعرفية المخصوصة .
وغنيّ عن البيان أنّ سيل النكات والنوادر كان دفاقا زمن بن على وبورقيبة، وقد عبّر في إبانه عن حالة الحرمان والقهر والاستغلال ومثّل أداة في يد المضطهدين للتشنيع بمضطهديهم، وهو اليوم مثل الأمس يحرج أصحاب السلطان والصولجان .
 
وإذا كانت النكتة فيما مضى تقتصر على المشافهة فإنها الآن تجد في وسائط الاتصال العصرية أداة لكي تنتشر بشكل مكتوب حينا، وفي شكل صورة أحيانا أخرى، وهناك اليوم كمٌّ كبير من النوادر والنكت التي انتشرت على هامش الانتفاضة، ولكني سأقف عند بعضها فقط أي عند منتخبات منها تساعد على الإحاطة بمزاج المسحوقين .
 
 عندما هرب بن على انتشر رسم يظهر فيه بائع متجول وهو يجر عربته وتحته تعليق يقول : بائع متجول يسقط قائد التحول، ولما قام بعض الشبان في القصرين بمحاولة انتحار جماعي جاء التعليق سريعا : في تونس أصبح كل شيء جماعيا : انتخابات جماعية، فساد جماعي، زواج جماعي، ختان جماعي وحتى الانتحار أصبح جماعيا…
 وخلال الأيام الأولى التي تلت هروب بن على، خرج اليمين الديني من قمقمه مركزا دعايته وأنشطته على المسائل الأخلاقية، ووجد ضالّته في الهجوم على الخمارت وبيوت اللذة المنتشرة في عدد من المدن التونسية منذ زمن طويل، حتى أنه سيّر مظاهرة في أزقة مدينة تونس العتيقة، اتجهت صوب المحل المشهور بماخور عبد الله قش، وكان المتظاهرون الملتحون في أغلبهم يكبّرون ويرددون : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لبيك !!! و هم على أبواب المحلات التي تؤوي البغايا .
وعلى سور مدينة سوسة التاريخي وضعت لافتة كتب عليها بخط كبير لا للماخور وبائعي الخمور، وتردد أن بائعات الهوى قمن بمسيرة بعد غلق المحل الذي يعملن به كان من بين شعاراتها : لا خمار و لا خموري أنا حرة في …(جسدي)، وذكر أحد الإسلاميين الذي يشتغل محاميا أنه فوجئ في صبيحة يوم من الأيام وهو يهمّ بدخول مكتبه بمجموعة من بائعات الهوى اللواتي قدمن للاحتجاج على حرمانهن من مورد الرزق الوحيد الذي يوفر لهن قوت يومهن .
وفي خضم الأحداث عرفت تونس إضرابا طويلا لعمّال جمع القمامة فانتشرت نكتة تقول على لسان القطط والكلاب : لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة، في تحويل لوجهة قول ذلك الشيخ يوم 14 جانفي : لقد هرمنا من أجل هذا اليوم التاريخي !
وللتنبيه إلى فساد جهاز القضاء وكشف زيف محاكمة بن على في تونس جاء التعليق : مبارك يطالب بأن يحاكم في تونس. وعندما وصف الوزير الأول المؤقت عناصر الأمن بالقردة، مما أدى إلى تنظيمهم مظاهرة في القصبة ومحاولتهم اقتحام مبنى رئاسة الحكومة، خرجت إحدى الجرائد التونسية بعنوان معبر يقول : انتهت ثورة الشعب وبدأت ثورة البوليسية، وتناقل الناس على الفايس بوك خبرا يقول : عاجل: أعوان الأمن والحرس الوطني يعتصمون في القصبة، والشعب يتدخل لتفريق المظاهرة باستعمال الغاز المسيل للدموع، واتحاد نقابات الأمن يندد بالاستعمال المفرط للقوة من طرف الشعب في تفريق المظاهرة… وذكر الناطق باسم الشعب أن قوات الأمن أقدمت أولا على رشق الشعب بالحجارة.
وعندما أصبحت الانتفاضة في قبضة أعدائها وانتشرت ظواهر غريبة مثل فرار المساجين، والاقتتال بين المواطنين المعدمين، وقطع الطرقات وحرق المعامل وتخريب المؤسسات العامة، راجت بين التونسيين عبارة ” البلاد دخلت في حيط ” ) البلد ارتطم بحائط ( فقد سدّت المنافذ أمام الشعب الذي تفاقمت معاناته .
 ولمّا جاءت انتخابات المجلس التأسيسي، وعلّقت قائمات المرشحين على طول الحيطان وعرضها علقوا : أخيرا عرفنا الحائط الذي ارتطم به البلد! كأنما لتأكيد أن تلك الانتخابات لم تكن حلا ولا تتوفر فيها النزاهة، وهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية فقد تحكم فيها أباطرة المال والإعلام، ورعتها الامبريالية العالمية والرجعية العربية، كما علقوا على كثرة القائمات المرشحة التي بلغت ألفا وخمسمائة قائمة بالقول “التوانسة كلهم رشحوا أنفسهم لانتخابات المجلس التأسيسي والموتى هم من سيصوّت لهم” في إشارة ذكية إلى كشف اللجنة العليا للانتخابات عن وجود مليون ميت مسجل في قائمات الناخبين .
وعندما اندلعت مظاهرات في الولايات المتحدة الأمريكية تحت شعار : احتلوا وول ستريت، كتبوا على صفحات التواصل الاجتماعي : أنباء عن هروب أوباما إلى السعودية، ووقفوا طويلا عند ترديد المتظاهرين الأمريكيين شعارات باللغة العربية تقول : الشعب يريد إسقاط النّظام …الشعب يريد إسقاط وول ستريت، وصوروا الرئيس التونسي المؤقت في شكل رئيس دولة عظمى و كتبوا : المبزّع لا يستبعد الحل العسكري لإنهاء الأزمة الأمريكيّة، ويقول إن ساعات حكم أوباما صارت معدودة، وهو يطالب السفير الأمريكي بالانشقاق والانضمام إلى صفوف الثوار، في إشارة إلى تعامل الامبرياليين الأمريكيين مع الانتفاضات العربية، وبالأخص تعاطيهم مع نظامي القذافي وبشار الأسد بالتهديد والوعيد، وقالوا في خبر يراد منه المزاح أن قوارب تقل مهاجرين أمريكيين تتجه إلى تونس، تلميحا إلي مأساة المهاجرين التونسيين في ايطاليا وفرنسا، وأن حاملة الطائرات التونسية “لبلابي”(أكلة تونسية شعبية) على مشارف الشواطئ الأمريكية .
وفي نكات تستهدف جماعة النهضة الإسلامية قالوا إن ستيف الغنوشي يعود إلى أمريكا من منفاه بالفاتيكان للركوب على الثورة الأمريكية المباركة وأنصار حركة “rise up” المسيحية تستقبله في مطار أكلاهوما الدولي بأغنية “ذو مون رايز اب” في تلميح إلى واقعة عودة راشد الغنوشي من منفاه في لندن، واستقبال مريديه له في مطار تونس قرطاج بنشيد : أقبل البدر علينا، المخصص في الأصل للرسول محمد، وسعيه منذ ذلك الوقت لاستثمار الانتفاضة التونسية لصالح حركته .
وقد تردد بشكل واسع خلال انتخابات المجلس التأسيسي أن جماعة النهضة قدمت رشاوى للفقراء من أجل كسب أصواتهم، ومنها توزيع أضاحي العيد الذي تزامن مع تلك الانتخابات، فرفع بعضهم على شبكات التواصل الاجتماعي شعار : يا غنوشي وينو علوشي ؟، أما جمهور الترجي الرياضي الذي كان فريقه المفضل يخوض مباراة حاسمة مع الوداد البيضاوي المغربي فقد رفع و هو في المدارج شعارات من قبيل : يا غنوشي الزطلة (النوع الأكثر رواجا من أنواع المخدرات في تونس) في المغرب بلوشي !! ، كما هزج بأغنية : آش مقربك للشعب يا غنوشي !!!
 وللتعبير عن الامتعاض من محاولة البعض السطو على مكاسب الانتفاضة وتوظيف انتصاراتها لصالحهم، والتنكر لكفاح الشعب والاستهانة بدماء شهدائه وجرحاه، والانقلاب على المطالب السياسية والاجتماعية، وخاصة مطلبي إسقاط النظام والقضاء على البطالة ترددت كثيرا عبارات الروائي نجيب محفوظ القائلة : “الثورات يدبًرها الدهاة، وينفذها الشجعان، ثم يكسبها الجبناء”، غير أن بعض التونسيين اختطفها من الروائي المصري لينسبها إلى شهيد الكفاح النقابي والوطني فرحات حشاد، فأمام تسارع الوقائع المتمثلة في تسمية الرئيس ورئيس الوزراء وأركان الحكومة من بين بطانة بن على، ثم ظهور اليمين الديني كبديل لليمين الدستوري، أحس كثيرون أن الانتفاضة لم تحقق أهدافها وأن الحديث عن انتصار الثورة كان كذبة كبرى فأخلى الشعور بالتفاؤل والحماس المجال أمام الشعور بالإحباط والتشاؤم .
إن استحضار فرحات حشاد ونسبة تلك الكلمات إليه له رمزية غير خافية، وكان القصد منه إضفاء المزيد من المرارة على شعور مفعم في الأصل بالخذلان تجاه الانتفاضة المغدورة، حتى يكون لتلك الكلمات تأثير أشد وقعا وإيلاما ، وكأن فرحات حشاد يقف في صف المقهورين ليفتح عيونهم على المآل الذي آلت إليه انتفاضتهم، ربما أملا في نهوض جديد، فتونس الحبلى لم تضع وليدها بعد وقد تطول فترة حملها وآلام ولادتها أيضا، وإذا كان النساء يحملن أشهرا فإن الأوطان تحمل أعواما . 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This