“طريق النحل” لرامي عليق يجيب عن الأسئلة المحيرة

أسئلة كثيرة رافقت صعود “حزب الله” المفاجئ على الساحة اللبنانية، كيف استطاع هذا الحزب أن يستقطب كل تلك الجموع من الطائفة الشيعية؟ وأن ينتزع تمثيل الأكثريّة في هذه الطائفة من التّنظيم الأعرق والواسع الانتشار في صفوف الطائفة وهو “حركة أمل”؟ وكيف استطاع أن يحوّل توجه الطائفة الشيعيّة من طائفة تسعى إلى تغيير النّظام الطائفي اللبناني واستبداله بنظام ديموقراطي عادل، إلى طائفة تسعى لترسيخ الطائفيّة وتعميق وجودها؟ وكيف استطاع هذا الحزب لي ذراع الطائفة وإسقاط شعار “أن بعد 1982لن يكون كما قبله” فيصبح شعار التّحرير والمقاومة هو السّائد؟ يأتي كتاب “رامي عليق” أحد نشطاء الحزب في بدايات صعوده، “طريق النّحل، جمهورية رامي عليق “ليجيب عن هذه التّساؤلات بكل الشفافيّة والوضوح اللتان يتمتّع بهما رجل الفكر والعلم المجرد، فأنت تشعر بأنّ رامي في طفولته وفي مراهقته وفي تعلقه بهذه السنّ بالأفكار المثيرة والمتطرفة هو واحد منا،فمن منّا لم يذهب في هذه السنّ مذهب رامي في تدينه وتطرّفه ونزقه وعصبيّته، التي أبدع في سردها بهدوء وسلاسة، لقد أوضح لنا رامي في رائعته،أن المراهقين ولأسباب كثيرة يعدّدها وسوف نستعرضها، كانوا هم أدوات التطرّف والحركات المتطرفة، بجرأتهم وابتكاراتهم وقدراتهم الجسديّة النّامية، ويخبرنا التّاريخ عن حركات عديدة مسلحة كهذا المثال، كان عمادها الأساس هم المراهقون، لسهولة تلقينهم ما يطرح عليهم من أفكار، في حالة نفسيّة متوتّرة هي ملازمة لطبيعة نموّهم الفيسيولوجي، وقد تستمر حالة المراهقة عند هؤلاء مع نضوجهم في سن متقدّمة، حين يبلغون مرحلة الرّجولة والنّضج، حيث تكون الأفكار التي زرعت في عقولهم قد تمكنت من تفكيرهم، وأغلقت عليهم مناهل الأفكار الأخرى، أمّا في حالة “رامي عليق” ورفاقه فقد واجهوا كما يصف في كتابه، آفاق فكر مختلف، في بيئة مختلفة، من العلاقات المنفتحة، الإنسانيّة والفكريّة، إضافة إلى أن محدثنا هو من الأشخاص الذين امتازوا بتفوّق متميز، في دراستهم، وفي نشاطهم العملي، وتوضح لنا تجربة رامي في سعيه الشخصي للانتساب للجامعة الأميركية، وتحمل أهله أعباء المصاريف، والوعود الوهميّة التي تلقاها من قبل الحزب بالمساعدة في هذا المجال، أن الحزب لم يكن يرغب في أن يغادر رامي بيئته والانتقال إلى بيئة أخرى تكشف له زيف الأفكار التي أفرغت في رأسه، وهذا هو نهج جميع الحركات الأصولية المشابهة، التي تحرص على أن يكون لها مدارسها وجامعاتها الخاصة، فإن الانفتاح ومغادرة البيئة هو أمر يرقى إلى مستوى المحرمات، ولكن ما جعل “حزب الله” يوافق على تلك الخطوة المتفردة لرامي هو الرغبة في توسيع نطاق السيطرة على الوضع التعليمي، وليس غير ذلك، يبدأ الوعي عند رامي من عدم الاستقرار والهجرة الدّائمة من قرية إلى قرية، حين كان العدو الإسرائيل يزرع أرض الجنوب عنفا وتشريدا، كان في سن العاشرة حتى الثانية عشرة يرتاد مسجدا في القرية التي هجر إليها مع عائلته، هناك التقى بأعضاء من حزب الله الذين كانت بداية انطلاقتهم، شأن جميع الحركات الأصولية بالسّيطرة على المساجد واجتذاب روادها والتّأثير خاصّة بالأطفال حديثي السنّ من المراهقين الذين يكونون متعطّشين لأيّ نوع من أنواع المعرفة، وما دامت البيئة دينيّة والموقع ديني فإنّ من السّهل مخاطبة الروّاد بصراحة حول المعتقد الديني، حيث يكونوا قد قطعوا منتصف الطريق بالوصول إليه، عن طريق تواجدهم العفوي في المسجد، يتحدّث رامي عن جو الأسرة فالأب والأم متدينان ولكن بغير تعصّب، فقد عرف عن أهل المنطقة التي يسكنها رامي علمانيتهم التاريخية، وكونهم خزان جماهيري للحزب الشيوعي، بعد أن ينتمي رامي إلى حزب الله، يبدأ ليقدم لنا حقيقة آليّة انتقال هذا الخزّان من كونه خزّانا وطنيّا ديموقراطيّا إلى خزان “حزب أللاوي” فحين يتشبّع رامي بأفكار الحزب الإلاهية، يبدأ بالتصرّف خارج سيطرة والديه، فيذهب للاشتراك بدورات تدريب على السّلاح دون علمهم، ويقيم على محاور القتال ويشترك في المعارك التي كانت تقوم بين الحزب و”حركة أمل”، ويبدي في كل هذا جرأة نادرة لفتت الأنظار إليه داخل الحزب، وبدأ الفتى المراهق يفرض سلطته وسطوته على عائلته، ففرض على أمّه وأخته الحجاب، وبدأ ينقل الأفكار الدينيّة التي يتلقاها عن مسؤوليه في الحزب، حول ولاية الفقيه والتّكليف الشرعي، وتكفير المسيحيين واستباحة أملاكهم وأعراضهم، بل باقي الطوائف خارج الطائفة الشيعيّة، وكان استنادا لمراهقته يقوم بمبادرات اعتبرت في غاية الجرأة والإقدام، نستطيع أن نأخذ حالة رامي هذه مثالا لحالة العديدين من المراهقين الذي انتسبوا لحزب الله في تلك الفترة وفي الفترات اللاحقة، الذين فرضوا على أهاليهم التحوّل ونقلوا إليهم الثّقافة الدينيّة الجديدة التي بثّها “حزب الله” في عقولهم، بإحياء تاريخ الصّراع المذهبي ورفع شعارات الثأر والقداسة ووضعها في إطار ولاية الفقيه والعصمة لأولي الأمر والتكليف الشّرعي، ممّا خلق بيئة ثقافيّة طاغية في المجتمع الشّيعي، طغى على ما عداها من أفكار علمانيّة بدت هشّة أمام تلك الأفكار الجديدة التي تبشّر بالسّلطة وتسعى إليها.
لم يكن غائبا عن تخطيط مسؤولي التّثقيف والتّعبئة في “حزب الله” الحاجة الجنسيّة لهؤلاء المراهقين الذين بدأت تتفتّح في أجسامهم الرّغبات الجنسيّة الجامحة، فكان أن استخدم نظام “زواج المتعة” والتّشجيع عليه بصورة طبيعية وبديهيّة، أن عمق الارتباط، وأعطى النفوس الراحة والاطمئنان، ويتحدّث رامي بإسهاب عن المحاولات الأولى لمغامراته الجنسيّة، ورغبته في الفتيات المسيحيات اللواتي يلبسن ثيابا فاضحة، وهذا بعد أن أحل لهم الفقيه زواج المتعة منهن، يروي رامي أنّه كانت تنظم علاقات متعة بعد دورات للتّدريب أو بعد دورات للمعارك، ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من العمر.
وبسبب صغر سنه، فهو لم يتجاوز بعد الخامسة عشرة، وبسبب اندفاعه للقتال في صفوف الحزب، على جبهات القتال ضد حركة “أمل” اكتسب رامي شعبيّة كاسحة داخل الحزب لجرأته الجنونية، فمن المعروف أن الأولاد في هذه السن، لا يقدرون المخاطر التي يرمون بأنفسهم نتيجة التعبئة في أتونها، كان رامي واحدا من هؤلاء، لكنّه خلال المعارك الدائرة، وبناء على فطنته الظاهرة وذكائه الحاد، استطاع أن يلحظ، أن هذا القتال العنيف بين “حركة أمل” و”حزب الله” لم يكن صراعا بين فصيلين شيعيين يتمتّعان باستقلاليّة خاصّة لكل منهما، بل إنّ الصّراع كان سوريا إيرانيا، للإمساك بالسّاحة اللبنانيّة، كانت “حركة أمل” اختراعا سوريّا للوقوف بوجه المقاومة الفلسطينية، وقد اكتسبت شعبيتها في صفوف الشيعة في الجنوب، على إثر تصدّيها للمقاومة الفلسطينية، التي بدأت تفقد شعبيّتها بعد تفاقم التجاوزات غير المحتملة للفصائل الفلسطينية، ولم يكن من السّهل أن تسلم سوريا بإمساكها للسّاحة اللبنانيّة دون اتفاق سياسي واضح، استمرت المعارك بين الطرفين خاصة في “إقليم التفاح” و”الضّاحية الجنوبيّة” عنيفة وشرسة، راح ضحيّتها الآلاف من كلا الطرفين، وفجأة، هدأت الجبهات وانسحب المسلحون، فقد تمّ الاتفاق بين “طهران” و”دمشق” على تعاون الفصيلين ومن ثم ضخ الإمكانيات الماديّة المختلفة من مال وسلاح لتقوية الفصيل الإيراني، والعمل على خلق انشقاقات جماعيّة كما حصل مع “أمل المؤمنة” أو فرديّة كما حصل مع “حسن نصرالله” وعناصر أخرى، كان لوعي هذه الصورة التي عاش رامي تفاصيلها، أن أوضحت له أنّ الفصيلين مرتهنين للخارج، وبدأ منذ اللحظة يفكر بالإصلاح من داخل الحزب، وفي نفس الوقت جرت محاولات متعدّدة من قبل “الحرس الثّوري الإيراني” ليكون تابعا لجهاز المخابرات الإيرانية، ويذكر رامي معلومة، أن ضابط الحرس الثوري الإيراني قد أطلعه أن “حسن نصر الله” هو عضو في جهاز المخابرات الإيرانية، وكان ما عمّق رفضه لتلك الحالة، هو التصاق الحزب بالدّفاع عن السّياسات السوريّة، وطريقة التعاطي السوري مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسّياسي اللبناني، ودفاع الحزب عن تلك الممارسات التي وجد رامي فيها مظهرا احتلاليّا يفوق في مفاعيله الاحتلال الإسرائيلي، وكانت صدمته، حين تحول الخطاب من نقد للهيمنة السورية، التي تنزع لقمة العيش من أفواه اللبنانيين، وتتعامل بفوقية وإذلال مع السياسيين اللبنانيين، إلى تبرير لتلك الهيمنة، بل وتبنيها والدّفاع عنها.
في هذه الأجواء المضطربة، وغير المستقرة، وبعد أن أنهى تعليمه الثانوي في المدرسة الأنجيلية في صيدا، حيث بدأ بمشاهدات اجتماعية وتكوين صداقات خارج إطار المنظومة الحزبية، وعلى الرّغم من استمراره بالتعلق بالأفكار التي زرعت في السّابق، من تكفير لغير الشّيعة بل لغير المؤمنين بولاية الفقيه، حيث قاد في يوم من الأيام هجوما بالحجارة على مدرسته فحطم زجاجها، كون المدرسة مسيحية، وبالتالي فهي ضمن نطاق الخيانة والعمالة، هذا الفعل الذي سوف يؤدي إلى فصله في نهاية العام الدراسي، لكن الذي كان يجذبه إلى الحي ذو الغالبيّة المسيحيّة، هو البنات المتحررات في لباسهن، فكان وضعا يمتع فيه النظر ويعد النفس بإقامة علاقات متعة استمرأها من تربيته الحزبية، وحين كان يذهب في دورات تدريبيّة إلى دمشق في زيارة للسيدة “زينب”، أو مهام قتاليّة فيقيم علاقات مدفوعة الأجر مع بنات الهوى، تحت مسمى زواج التعة، كان لتفوّقه في دراسته، وهذا الاحتكاك الأوّلي ببيئة خارج البيئة الحزبيّة، أن فتح أمامه التطلع إلى الانتساب للجامعة الأميركيّة في بيروت، فتقدّم بطلب للانتساب وتمّ قبوله، بعد أن خضع لامتحان أثبت فيه تفوّقه، وفي الجامعة الأميركيّة، بدأت تتكشّف أمامه إدّعاءات العفة المزيفة، فقد اندفع في البداية للاعتراض على حرّية الإنفراد بين الشباب والبنات على بساط العشب الأخضر، أو الانزواء خلف الأشجار، فشكل مجموعات وعظ وإرشاد لهؤلاء، تطوّرت إلى منعهم بالقوّة عن تلك الممارسات، لكنّه لم يتأخّر ليتساءل: هل أن ما نفعله بمسمّى “زواج المتعة” هو أفضل من هذا؟ وكان الجواب بالتأكيد لا، بل إن هذه العلاقة في الجامعة تبدو أصدق وأكثر عفة، لأنّها تقوم على اتّفاق حرّ بين شخصين حرّين وناضجين، وليس الشّرط فيها أن يدفع الذّكر ثمن تمتّعه، تلك كانت الخطوة الأولى في التّمييز بين مجتمع مغلق وآخر منفتح، أمّا الخطوة الثانية، فقد جاءت خلال الاحتجاج والاعتصام الذي نفّذه طلاب الجامعة الأميركيّة ضدّ قرار الإدارة بزيادة الأقساط 10%، فثار الطلاب ضدّ هذا القرار، واستطاع بفضل شخصيته القياديّة المتفوقة أن يجمع حول هذا الاعتراض الطلاب من مختلف الأحزاب ويوحدهم تحت شعار”جامعة واحدة يد واحدة” جمع طلاب حزب الله وحركة أمل والمستقبل والتقدّمي الاشتراكي والعونيين والقوات والكتائب، لكن إدارة المعركة انتزعت منه ومن القوى التي تخوضها ليضعها “حزب الله” في يد ما يسمّى “التّعبئة التربويّة”في الحزب، وفي الوقت الذي كان فيه التوجّه لإبعاد التدخّل السّياسي عن التحرك الطلابي، كان يلاحظ تدخل نواب حزب الله للتوسّط لحل النّزاع، على إثر تلك الأحداث، حاول رامي أن يتقدم من الحزب بمشروع للإصلاح، يعتمد أخذ رأي القطاعات في الحزب بقضاياها، لكنّه اصطدم بالإهمال والتسويف والرّفض، ولم يكن حتى هذه اللحظة قد أدرك أن القرارات في جميع الأحزاب الفاشية تتخذ من قبل القائد، وفي حالة الحزب الذي يعتمد ولاية الفقيه، وعصمة آل البيت، فإن القرار يتّخذ من قبل المرجعيّة العليا وليس من قبل أحد آخر، وكان على رامي أن يدرك بفضل ذكائه ووضوح الرؤية أمامه، إنّ الاهتمام الأساسي للحزب هو للقطاعات التربويّة الابتدائيّة والثانويّة، وهذا ما تسمّية القطاع بمسمّى “التّعبئة التربويّة” وليس العلميّة، فإن تربية الأحداث والمراهقين هي التي تأخذ الأهميّة الأولى بل المطلقة في توجهات الحزب، وهذا نهج تسير عليه كل الحركات الفاشية المتشابهة، ومثالها “حزب البعث” بتنظيم يسمّى بـ”الطلائع” أو”طلائع البعث”، وهم من الصبية المراهقين في المدارس الإعداديّة والثانويّة.
“كنت مستمعا ومراقبا خلال لقاءات كثيرة، عندما سألت أحدهم مرّة عن سر الاحترام الكبير الذي لقيه شخص ما، أجابني بأنّ له ارتباطا وثيقا بمكتب القائد (الخامنئي) وبالحرس الثوري، في لقاء آخر كان اثنان من الإيرانيين حاضرين، والكل يستمع إليهما باهتمام بالغ، سألت عنهما، فقيل لي “يتبعان لوزارة الأمن، صاحبة النفوذ الأبرز على الحزب هذه الأيام، بعد أن ضعف نفوذ وزارة الخارجيّة “شكت تلك المعلومات وغيرها الكثير لدى رامي القناعة بأنّ الحزب يأتمر تماما بأوامر أجهزة المخابرات الإيرانيّة والسوريّة في أحيان كثيرة.
كان لا بد لرامي من أجل استكمال رحلة الوعي التي بدأها في الحي وفي المدرسة وفي الجامعة، أن يستكملها في السفر، والسّفر هو من ضرورات استكمال ثقافة أي إنسان يريد أن يستكمل وجوه ثقافته ومعرفته ومعارفه، وكان هذا السفر استكمالا لما بدأه رامي في الجامعة الأميركية، التي بدأ يحس فيها بنسمات الحرية والانفتاح، لإكمال دراسته في الولايات المتحدة الأميركية، تكملة لما عرف بالحلم الأميركي، ليس بحثا عن مناجم الذهب هناك أو اقتناص الفرص الاقتصادية، في مختلف مجالاتها، بل سعيا وراء الحرية التي تنسم عبيرها في تجربته في بيروت وتذوق طعمها في الجامعة الأميركية فيها، لم يخب أمله فيما كان يصبو إليه، ففي الجامعة في “فلوريدا” كان من السّهل إقامة علاقات صداقة حميمة مع الطلاب من جنسيات مختلفة عربيّة وغير عربيّة، بل وأميركيّة، وبالنسبة إلى تفوقه في الدراسة استطاع الحصول على منحة من إدارة الجامعة أراحت قلقه في تحمّل والديه أعباء مصاريف الدّراسة، كانت حياته الجامعيّة طبيعيّة تتسم بالحريّة التي نشدها وبالتردّد على الديسكوات والعلاقات الحميمة مع الفتيات، والاشتراك بنواد رياضية وثقافيّة كانت متوفّرة وفي متناول الجميع، وباختصار فقد خبر رامي أهمية الاستقرار والعلم والتنمية التي هي أسس التقدم المنشود، ثم كانت الصدمة الكبرى بعد الحادي عشر من أيلول، التي أطلقت في الولايات المتحدة قوانين التضييق على الحريات العامة للأجانب المقيمين وحتى على المواطنين في أميركا وأوروبا، وكانت محاولات سابقة قد جرت من قبل جهاز المخابرات المركزية الأميركية استهدفت تجنيد رامي للعمل معها واجهها بالرّفض الشّديد، ممّا حدى بهذا الجهاز إلى منع عودته إلى متابعة دراسته وإعادته بطريقة مذلة من المطار بعد أن قضى إجازة له في لبنان، وقد حاول توسيط معارفه وأصدقائه وطلب مساعدتهم للعودة لمتابعة دراسته بعد أن حصل على منحة لإتمام تخصّصه في التنمية الاقتصادية، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، ما دفعه لطلب متابعة تقديم أطروحته من خارج الولايات المتحدة، ولكن المنحة كانت قد توقفت بحجّة الغياب، فكان عليه أن يدفع مبلغ ثلاثين ألف دولار رسم التسجيل، هذا المبلغ الذي أرهق أهله، لكنّه حصل على شهادته بإصراره العنيد على المتابعة، والشيء المهم، أنّه خلال تواجده في أميركا، كان يتابع اضطلاعه على آخر التقنيات في تربية النحل هناك، تلك الخبرة التي اكتسبها إلى جانب خبرته عن طريق والده، هيّأت له إمكان استحداث فرع خاص لتعليم تربية النّحل في الجامعة الأميركيّة، فكان رائدا من روادها، حتّى أنّه لقب بـ”رجل العسل”، كان لموقف رامي برفض التّعاون مع المخابرات المركزيّة الأميركيّة التي دفع ثمنه بتعطيل دراسته، دليل على صدق طروحاته الوطنيّة، وعمق تجذّرها في نفسه، ثمّ كان عمله في التّدريس في الجامعة الأميركية، وممارسته لمهنة المحاماة، قد أعطته الوقت الكافي للتفكير، والعمل على طرح أفكاره، في الكتاب الذي هو بين أيدينا والذي خاض من أجل إخراجه إلى النّور معارك ضارية ومرهقة، كانت تستهدف الحيلولة دون ظهور هذا الكتاب، وسوف يكون الكتاب التالي “تحت المياه الخضراء” هو الذي سوف يروي لنا تلك الصعوبات التي واجهها، وتصدى لها بعناد ليخرج الكتاب إلى العلن.
يبقى سؤال على جانب كبير من الأهمية، ترى لماذا لم يقدم “حزب الله” على اتخاذ إجراء رادع بحق “رامي عليق” وعاد وسمح بإصدار الكتاب، بل وسمح بإصدار كتاب آخر يفصل فيه محاولات الضغط والإرهاب التي تعرض لها المؤلف، هو”تحت المياه الخضراء”؟ إنّ جوابنا على هذا التّساؤل، هو أنّ “حزب الله” بعد العام 2005، بات يلعب على المكشوف، ولم يعد يهمه، سلسلة الاتهامات التي أوردها “رامي عليق” في مؤلفيه، فهو بات يعتد بهذه الاتهامات أمام جمهوره، وفي نفس الوقت يشهرها بوجه خصومه، تخويفا وإرهابا، فحسن نصرالله، قد أعلنها صريحة، أنّه ممّا يشرّفه أن يكون جنديّا في جيش ولاية الفقيه، وأنّه يشكر سوريا على دورها في لبنان، وأنّه يصدر التكاليف الشرعيّة بكل صراحة، وأن الأمر هو بيد الولي الفقيه، فلا شورى في العلاقات الحزبيّة، ولا في القرارات الوطنية، هذا الأمر لا يقلل بشيء من قيمة التجربة النضاليّة التي خاضها “رامي” ضدّ هذا النّهج، ووعيه له وكشف الآليّة التي يعمل بها “حزب الله”، وسوف يكون لنا دراسة خاصّة قادمة لكتاب “تحت المياه الخضراء” قريبا.

محمد صالح أبو الحمايل بيروت في 322013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This