طقوس الكلام.. والجسد

أحب الكلام على أنواعه، مكتوباً، مشافهةً، أو مسكوتاً عنه بطعم الماء، غامضاً يحمل رائحة لغة دون حروف..
أحب تلك الحشرجة التي تنبئ باستعصاء الترجمة.. وصوت حنجرة تشرق بلعاب رغبة متخيلة..

وأحب لغة الجسد… ينضح كلمات متعرّقة، تتداخل الألوان ملتفةً بحروف ناعمة.. هنا نهد عامر بحرارة آتية من الغيب، يلتهم عروق ذراع تعانق لحظة انتشاء، وهنا شفة تتوغل داخل النبيذ.. وتثمل، وهنا لزوجة تداعب نجمة تفتحت على كرز خمري.. وهنا صهيل خيول برية، تقتحم مياه البحيرات الساخنة، تراقص أفراساً في مواسم خصوبتها..

حين يخلق الجسد لغته، تتشكل لوحاتٍ مجنونة، لإله تصوّف باللذة، تنبض بالحياة والرقص على أوتار الروح.. متعة الاقتراب وفن الابتعاد، طعم امتزاجٍ يطرق أبواب القلب مقتحماً غيب المفردات وستائر اللسان.. تبهت عنده جميع قواميس الكون.
كيف يمكن للقصيدة أن تخلق جسداً، رُسمت قوامه بريشة طائر وردي، يثمل ليلاً برائحة تعرجات النبيذ، ويصحو على صفصافة تلمع ذهباً مع قمر نيسان؟..

وكيف يمكن للجسد أن يخلق قصيدته؟..
كيف يمكن لتأوهات الخلية العاشقة أن تصنع كتابها المقدس، طقوس عبادتها، وصلواتها اللاهثة بين طيّاتٍ تضجّ بجحيم اللحظة؟
لا أدري ما الذي عشقته أكثر..
النص أم الجسد؟!
طالما ظلّ حضور الفكرة يدهشني، مثل شهيق أنثى اخترقت قناة ظهرها رعشة مفاجئة.. واسترسل جسدها حقولَ قمحٍ تئن مع نسمات نوّار.

وطالما تساءلت عن الزمن الذي تعوّدت فيه السباحة في ماء الكلمات، كما تسبح الأسماك الشفافة داخل لزوجة رحم دافئ .. حين تتسرّب رائحة الحبر داخل مسامي مثل تسرّب حليب اللوز عبر المسام الخدرة.. بالرغبة…
والسباحةَ في ماء الجسد، نحو الأبعد.. الأبعد.. نحو قتل المعنى.. واكتشاف مكر اللغة داخل الجسد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق