طيورٌ همْ آمنة… خلايا نائمة للإرهاب نحن…

يمكن لكثير من أهالي بلادنا ممن رحلوا أو رُحّلوا إلى بلاد الغرب، أن يدلوا بشهادات طريفة ومتنوعة لتجاربهم مع الحياة الجديدة المعاصرة النائية بشدة عن محلاتنا في بلادنا.

قانون الحياة اليومية في أوروبا شديد الصرامة ومطبوع على كل الجباه، إن حاولوا أن يبدلوه لن يستطيعوا. مطبوع حتى على جبين الطفل.

كنت أظن أن الهدف الأول من الاهتمام الشديد بالطفل هو جعله أكثر فرحاً، لكن تبين أن الأمر ليس كذلك تماماً… قد يؤدي إلى هذا، إنما الهدف الأساسي من العناية الفائقة به، هو جعله مفيداً لنفسه ولغيره ولمكان عيشه الذي سيكون وطنه. أول شيء يتعلّمه في روضة الأطفال، وهو ابن سنة ونصف، هو كيف يحافظ على حقه ويمنع الآخر من انتهاكه، وكيف يحترم حق الآخر ويعي حدود حريته. وإن كان النزاع على دمية بسيطة.

التسامح الذي أصرّ أهالينا على تربيتنا عليه، التسامح المستند إلى الدين أولاً، غير مفهوم من قبلهم، ينظرون باستغراب لمن يترك حقه، ويستغربون أكثر ممن يحاول أن يقترب من حق الآخر أو من هامش حريته.
ـ ما تفكرون به، أو تنوون فعله، أو ما تفعلونه في السر يكتب على الجبين. هكذا كانت طريقة الكبار في تربيتنا. كثيراً ما كنت أتساءل “كيف أستطيع أن أمنع الفكرة التي لا تروقهم من أن تلوح على جبيني، وكيف أحشد الأفعال التي يرونها حميدة فوق الحاجبين فلا يقرؤون غيرها؟”

كبرنا وليس في أذهاننا إلا كيف نكون أقرب إلى الملائكة، فأنت إما أن تكون شيطاناً تفعل ما يحلو لك، وتمنع أفعالك من أن تكتب على الجبين، أو ملاكاً تشتغل وتضحي وتعطي ويبقى الجبين ناقصاً الكتابة التي تروقهم.

وبما أن الكبار في بلادنا لا يصمتون كي يتيحوا لشعور الطفل بعض الحرية بالاختيار، فإن الطفل تحول لأداة تسجيل تكرر مواقف الكبار، السياسية والاجتماعية، فتحوّل ربما إلى كبير غريب.

فُطرنا أن هناك من سينتهك حقنا وأن هذا أمر طبيعي جداً وأننا إن كنا ملائكة جميلين، نترك حقنا، لكن في المدرسة والتي كانت تلبسنا لباس العسكر، تؤملنا كل يوم بالانتصار وتحثنا على حرب العدو، وفي الوقت نفسه تحثنا على محبة القائد، وفي بعض الأحيان يحدث أن تهرّب إحدى المعلمات توصياتها بتقديس الأم والأب وعبادة الله وطاعة رسوله. لكن لم يحدث أن عرفنا تماماً مساحة حريتنا الشخصية، ومساحة حرية الآخر، وكيف لنا أن نصفو لأنفسنا ونسعد، ونترك الآخر يصفو لنفسه ويسعد. ولم نع يوماً معنى الحق والحرية والوطن إلا كلمات مكتوبة في جمل صماء، أو قصائد تحث على حمل السلاح وسفك الدماء والاستشهاد.

كانت المعلمة في سنوات الدراسة الأولى، تقول: هاتوا جملة حول هذه الكلمة، مثلاً أحمر، تسارع الطالبة المجتهدة لتقول: جرى الدم أحمر قانيا في المعركة. تقول المعلمة: أخضر، تجيبها المجتهدة الثانية: تهاوت القذائف على البساط السندسي الأخضر، أما حين تقول جندي أو شهيد أو إلخ، فستكون الجمل أكثر حماساً طبعاً.

الطريف في منهاج تعلم اللغة السويدية:
ـ اشترى هانس تفاحة، كلفته خمس كرونات.
ـ التقى صديقته في الطريق وقضيا نهاراً ممتعاً.
ـ ربيكا تكره صوت المنبه في السادسة صباحاً، لأنه عليها أن تترك الفراش إلى العمل.

“خلايا نائمة للإرهاب أنتم. مرعبون ومملوؤون بالرعب أنتم. لا تعرفون من هذه الحياة إلا ما يلائم غرائزكم. طعام ونوم وهجوم ودفاع. مثل الوحوش، لا تلتفتون لجمال الشجرة ولا للوردة ولا تفسحون مجالاً للعصفور كي يغرد”.

هذا ما تفوهت به امرأة سويدية كانت واقفة ترش طعامها للطيور، حين ركض طفل من بلادنا بين طيورها الآمنة وأخافها. وانفجرت في وجه أمه بصياح له أول ما له آخر.

في الحقيقة امتلأتُ بالغضب من كلام هذه المرأة، ورغبت أن أثأر للأم التي أخذت تشد ابنها كي لا يكرر فعلته. راحت تشده ويشدها وتصيح به ويصيح بها، حتى اقتربت منها امرأة سويدية أخرى وقالت ناصحة:
ـ حين يكبر هذا الطفل لن ينفذ ما هو مطلوب منه أو يعرف واجبه، إلا إذا وجد الآخر غاضباً منه.
سرعان ما خجلت الأم، وأخذت تؤنب الطفل وربما هددته أنها لن تخرج معه أبداً، لأنه سبب لها إحراجاً أمام الناس.

بعد أن مرّ بعض الوقت، حاولت أن أحلل كلام المرأتين الأوروبيتين بهدوء، شعرت أن القولين مشروعان، فطيور المرأة الآمنة، هي بمثابة أطفالها الذين يتناولون طعامهم باطمئنان، وجاء وحش يقطع عليهم سلامهم ويتضاحك من خوفهم وتشتتهم، كان هذا الوحش طفلاً عربياً ابن ثلاثة أعوام. وحين فكرت أيضاً بسبب الغضب الذي ملأني وسبب الخجل الذي ملأ أم الولد، خلصت إلى أن هذه الانفعالات مشروعة أيضاً، لمن يشهد أحداث اليوم وكل يوم في أراضينا.

ترى إذا أسستْ يوماً، جمعية أطباء نفسيين بلا حدود، يدرسون سيكولوجبا ابن بلادنا، هل سيهتدون لوصفة ضد هذه التراكمات من الأذى؟

أدعوكم لقضاء يوم في إحدى روضات الأطفال في استوكهولم. الطفل ينادي المشرفة باسمها طبعاً، الروضة عبارة عن شقة واسعة مجهزة بكل ما يحتاجه الطفل، يتهيأ لمن يدخلها أنه في بيت اللعبة “باربي”، أو عالم “أليس في بلاد العجائب”، المغسلة صغيرة وعلى طول ابن السنتين، والتواليت وأدوات المطبخ والمقاعد والكراسي، هذا عدا عن الألعاب العديدة والمتنوعة والتي هدفها تعليم الطفل أولاً وإمتاعه كل الوقت. يوجد صالة للطعام وصالة للنوم، وبرنامج موسيقي حسب الأوقات، وطباخ يتقن خمس لغات.. إلخ.

جربت أن أتخيل أطفالنا ينادون المشرفات بأسمائهن وهم مصلوبون في مقاعد الخشب أربعة أولاد في مقعد واحد، ما إن يتحرك أحد الأطفال حتى يقع الطفلان الجالسان على الجانبين، ودائما يلوح في عيونهم الطفلة، نظرات الترقب والخوف من المعلمة، إن رضيت سيكون النهار جيداً وإن لم ترض فالنهار سيكون حالكاً. حديث يطول ويتشعب وربما كي نفيه حقه يحتاج وزارة خاصة وهو بظني الأهم من كل ما يدرسه المفكرون ويدونونه في كتبهم. فقد انتُهك الجيل بإجرام، وهو القادم ليملأ المستقبل مكاناً وزماناً.

وربما يحتاج الكبار إلى هذه الروضات أكثر من أطفالنا، ليجري تمشيط ذاتنا ونتخلص من تراكمات العدائية والرفض والتناقض، إما أن نكون ملائكة نضحي أو محاربون، إما زعماء جبّارون أو مناضلون، ودائما علينا أن نكون أصحاب فكر وعلى الآخرين قراءة أفكارنا والالتزام بها، فإن لم يفعلوا فإنهم أعداء أو في أحسن الأحوال أغبياء.

قام بعض المراهقين في إحدى ضواحي استوكهولم، بعد أن شربوا بكثرة ليلة السبت، قاموا بإحراق أول مبنى رأوه مفتوح الحديقة، كان عبارة عن روضة أطفال.

ولأن إعداد الروضة للأطفال في استوكهولم يحتاج وقتاً، حيث أن المبنى الذي تتجاوز مساحته المئتي مربع وعدد طوابقه أكثر من ثلاث طوابق لا يسمح بأن يزيد عدد الأطفال فيه عن أربعين طفلاً، نقل الأطفال إلى روضة أخرى احتياط، وصار بالإضافة لبرامجهم اليومية، برنامج أسبوعي هام، بل ربما هو الأهم، وهو إحضار الأطفال إلى أطلال الروضة المحروقة والتي يرممونها لترجع كما كانت… يحضرونهم ليعيدوا على أبصارهم المشهد المرة تلو المرة، لكي لا ينسوا، أو بالأحرى، كي لا تنشأ عقد نفسية. حسب مدارس علم النفس: اجعل المصيبة نصب عينيك ولا ترسلها إلى منطقة معتمة في نفسك، لأنها ستبقى وتترعرع في اللاشعور وتتحول إلى مرض أو عقدة قد تتمظهر بعد ذلك بتصرفات مؤذية لنفسك ولمحيطك.
ولأن ذاكرتنا محشوة بأحداث القتل والحرق والتفجيرات، تأبى إلا أن تنتعش وتجعلنا نقارن بين لاشعور أطفال بلادنا ولاشعور أطفال تلك البلاد المتحضرة…

ترى كم يحتاج أطفال بلادنا إلى مشاوير تنويرية؟ أم أنهم يفعلون هذا من دون مشاوير، بما أنهم يصبحون وينامون في قلب جبهات القتل والحرق والتفجيرات

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This