طُهرانية الأصولي والألم الذي يكابده / حمود حمود

بالطبع، لا يلجأ الأصوليون كلهم إلى العنف المسلح لتحقيق ما يريدونه، وليس كل الأصوليين أيضاً من يصرون على “تسييس” أصولهم، وإعادة إنتاجها في مزج غير بريء مع سياسيات حاضرنا التاريخي؛ لكن كل الأصوليين يمتلكون عنفاً من نوع آخر، على ذواتهم أولاً وعلى الآخرين ثانياً، عنف لا يبدأ بسلوكهم وثقافتهم، ولا ينتهي كذلك بالمبادئ الثيولوجية الثقيلة التي تحتكم إليها ذهنيتهم… وكلما أوغل الأصولي في أصوليته ازداد عنفاً، واغتراباً عن واقعه.

ما الذي يريده الأصولي؟ البعض يقرّ أن الأصوليين أنفسهم لا يعرفون ماذا يريدون. لكن، هناك إشكاليتان رئيستان: الأولى، قسم كبير ممن يقاومون الأصولية لم يستطيعوا إلى الآن استيعاب المنطق الذي يتحدث به الأصولي، فضلاً عن فهم الذهنية التي تقولب كيانه العقلي والذاتي والسلوكي…الخ.

بينما الثانية، ما زال معظم الخبراء والباحثين الذي عكفوا على دراسة الأصولية، ذلك العالم الغرائبي، وسواء منهم الخبراء والمستشرقين الحقيقيين والجادين، أم أولئك الذين ولدوا كرد فعل على أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 لم يستطيعوا الإجابة على هذا السؤال: من هو الأصولي؟ (رغم الإقرار بتعقد مصطلح الأصولية بحد ذاته).

يشعر الأصولي في أعماق نفسه، أنه فاقد لـ “الهوية” التاريخية والحضارية (حتى بالمعنى الأنطولوجي للكلمة). وهذا الفقد ليس وليد ما تخلفه العولمة الآن؛ إنه يمتد للمرحلة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، أثناء الصدمة الأولى مع الحداثة وأسئلتها الصعبة التي فُرضت عليه رغماً عنه. لم يستطع الإجابة على الأسئلة، حتى أنه لم يستطع إقامة مصالحة بين “أصوله” وبينها، رغم محاولة البعض مدّ جسور من التلفيق معها. وهذا ما جعله يصاب بجرح حضاري، ما زال يعاني من ألمه إلى الآن. وها هو الآن يعيش بين عالمين، عالم “الأصول” والتي يحاول جاهداً تمثلها بـ “طهرانيتها” (كما سنرى)، وبين استحقاقات الحداثة المعاصرة؛ لكنه على الصعيد الواقعي، لا ينتمي للأسف لأيّ من العالمين. هنا تكمن أزمة هوية الأصولي.

لقد كان “الاغتراب” أحد نتائج خسارة وفقدان الهوية تلك أمام الصدمة الأولى للحداثة. اغتراب في كل شيء، في سلوكه، في طريقة نطقه، في ملبسه، حتى اغتراب عن محيطه الاجتماعي الذي أفرزه، واغتراب عن ثقافته التي نشأ في كنفها.

مع بدايات منتصف القرن العشرين كان سيد قطب خير من عبّر عن هذا. إن قراءة مدققة لإنتاجه الكثيف تكشف شيئاً ما عمّا نحن بصدده. لقد نصح بشدة بالتزام الأصول، وشن حرباً شعواء لمن يخالف الطريق (Guide) الذي رسمه قطب (من أبرز ما ألفه قطب، الكتاب الذي يحمل عنواناً كثيف الدلالة ذا طبيعة ثيولوجية: “معالم في الطريق”)، واتهم بالجاهلية مجتمعات القرن العشرين ومن ضمنها مجتمعه العربي وحكّامه لأنهم خرجوا عن الأصول التي رسمتها السماء، وأوضحها قطب.

وفي الواقع هذا الهروب إلى الماضي، لم يكن سلاحاً فقط لمواجهة الفراغ التاريخي الذي وجد الأصولي نفسه فيه جراء استحقاقات الحادثة، بل هو للبحث عن الذات في رمال الصحراء، لإثبات كينونتها الوجودية . فقدان الأصولي لهويته هو أحد الأسباب القوية (وليس كلها) لمعانقة ذلك الماضي الذي لا يمضي في أعماقه الذاتية من الداخل.

لم يعد مشروع الأصولي تطبيق الأصول فقط، ولا حتى قراءتها “حرفياً” من دون مجاز، (من المهم تذكر أن أول حركة أصولية قامت، كانت في الولايات المتحدة الأميركية على أيادي البروتستانت في الحرب العالمية الأولى، وكانت رداً على المؤسسات العلمانية والحداثة، التي أيقنوا أنها ستهدم الدين. وهم كانوا يقرأون الكتاب المقدس بنحو “حرفي”) ولا فرضها على الآخرين لأن يلتزموا بها؛ مشروع الأصولي إضافة إلى كل ذلك، هو الرغبة الشديدة لـ عيش تلك “الأصول” بكل ما تحمله من ثقل مقدس، حتى ولو كلفته قساوة طهرانيتها الألم الشديد.

الأصولي لا يمثل فقط مشروعاً باتجاه الماضي، إنه الماضي بعينه، لكن من دون هوية تاريخية، أي الماضي المقدس وقد تجسّد في الأصولي كـ “كتلة مغلقة” على كل شيء سوى النكوص بعيداً. وصحيح أنّ جسد الأصولي يعايش الحاضر، لكن كيانه الذاتي والعقلي، معلّق هناك، لكن أين هناك؟ هذا السؤال بالرغم من كونه منطقياً، إلا أنه لا يتوافق مع براديغمة الأصولي الذهنية (بالمعنى المنطقي للكلمة، ماضي الأصولي في ميدان النقد لا يعدو كونه “عدماً” في مقابل حركة التاريخ المادية، لكن الماضي في ذهنية الأصولي يختلف تماماً عن المفهوم النقدي والتاريخي له؛ الماضي عند الأصولي له مركز عُلوي، وله أبطال كاريزميين مُؤيدين بأرواح، وأعداء ضدهم….الخ ولا مناص من التذكير أنّ “العقل” بصرامته يفسد القداسة الذهنية الأصولية، لأنها أي الأصولية- مشروع قائم على الالتزام والتطبيق وليس على الاقتناع العقلي).

لا نصدق في يوم من الأيام أن الأصولي يبتغي من وراء أصوليته أنه يريد أن يطبق الأصل الأسطوري في حاضره التاريخي الحالي وإن أصر هو نفسه على ذلك؛ إنه يبتغي أكثر من هذه البساطة الطفولية أمام الحداثة، إنه يريد القبض على هذا الحاضر والإمساك بشروطه الشيطانية، وتوجيهه ليس إلى المستقبل، بل إلى “الأصل” في طهره المقدس ونقائه الميثي.

والزمان الذي هو العامل الحاسم في التاريخ، ليس هو الزمان الأفقي، بل هو الزمان الدوراني المقدس الذي سيُختم حتماً في وقت ما بـ “لحظة سعيدة”، لحظة خلاصية (يحتكم ذهن الأصولي إلى منطق “يقيني” و”غائي” يتحرك بموجبه التاريخ). وهذه اللحظة هي عينها لحظة “الأصل”، البؤرة المقدسة لأصولية الأصولي. وعليه إذا هو أراد العيش فيها بطهرها المقدس، أن يخلع أدران التاريخ التي أحاطت به؛ ذلك أن الأصولي لا ينظر إلى التاريخ إلا بكونه “هامشاًً” و”مدنساً” قد أحاط بتلك البؤرة/ المركز؛ حيث هنا تتجلى أفعال المقدس، وتتموضع استحقاقاته بقوة، في حين أن تجليات الفعل المدنس تتموضع في ذلك الهامش/التاريخ.

من المهم إدراك أن التاريخ عند الأصولي، ليس حركة باتجاه الأمام تسير نحو التقدم والتحرر وما إليه (هذه المفاهيم بالأصل مدنسة). إنه كلما ابتعد التاريخ بمفاهيمه واستحقاقاته عن البؤرة المقدسة، كلما ازداد دنساً؛ أي أن التاريخ في ذهن الأصولي هو حركة باتجاه النكوص عن ذلك المركز “الأصيل” المقدس، وما على الأصولي إلا أن يُرجع التاريخ إلى “إشراقة” تلك اللحظة و”الكشوف” المقدسة التي تغلفها. الأصولي مشروع أكبر من نستالوجيا عابرة (نلحظ بعض مظاهر هذه في السينما العربية بالكيفية التي يصورون فيها الماضي في الأفلام التي يطلق عليها أنها أفلام تاريخية)، إنه طريق لـ “الخلاص” (بالمعنى الديني والروحي للكلمة)، هروب من ألم الحاضر الحداثي، باتجاه غياهب ألم آخر، لكنه ألم طاهر ومقدس.

عالم الأصولي، كثيف بالرموز والدلالات. ولمن أراد فهم هذا العالم عليه العيش قليلاً فيه، وتحمل متاعبه، كما هو الشأن لمن أراد دراسة طبيعة المخيال المقدس للأسطوري.

وربما يغدو من الأهمية بمكان، أخذ الاعتبار أن البشر عموماً لا ينتجون صورهم أو رموزهم فقط، بل إنهم حينما يقومون بذلك، فإنهم ينتجون منظومات معرفية وثقافية ويعبرون عنها بصيغ شتى؛ وهذه البنى المعرفية مبنية أساساً على حوامل تاريخية، تُباين أو يجب أن تتباين فيما بينها بين هنا وهناك- في الوظائف التي ستُناط بها، بحسب التموضعات الثقافية التي تعيش فيها تلك الرموز. والأصولي هو واحد من بين تلك العوالم البشرية الذي يحمل في ذهنه “قصراً من تلك الرموز والصور”، والتي يحاول جاهداً أن يكونها أو يتمثلها في طهرانيتها الأصيلة، رغم الألم الذي يكبده هذا التمثل والتوحد في تلك الأصول.

لكن يبقى الأصولي سعيداً بذلك الألم الطهراني، لأنه مقدس.

ملاحظة: لم تتناول هذه المقالة الأصولية كمشروع سياسي، ولا كما تجسدها حركات راديكالية متطرفة…الخ، بل تناولت إشكالاً من إشكالات ذهنية الأصولي. وهذه الزاوية مازالت شبه مهملة إلى الآن في ميادين نقد ودرس الأصولية.

 

عن ملحق نوافذ – جريدة المستقبل البيروتية 2/10/2011

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق