ظهور الفلسفة الديكارتية (2 من 3)

د- الدواعي النظرية لمطلب المنهج:

هكذا بدأت المنظومة النظرية الجديدة تتأسس عن طريق إضعاف خصمها القديم (الأرسطية)، ويتضح مما سبق أن الصرح النظري الأرسطي لم يكذب ولم يدحض فلسفيا ولا ميتافيزقيا، بل علميا، فلا فلسفة تسقط إلا بسقوط دعامتها العلمية.
أصبحت هذه المنظومة ترتكز على فلك كوبيرنيك، وعلى فيزياء جاليلي، وذلك بعد انسحاب الفلك البطليمي والفيزياء الأرسطية، لم يتبق من التقاليد الفكرية القديمة إلا ميتافيزيقيا أرسطو، ويتوجب أن تخلي الساحة النظرية مادامت دعاماتها العلمية قد انهارت، ولأنها لا تتماشى مع العلم الجديد ولا تستجيب له، فالمرحلة تتطلب فلسفة جديدة، هذا هو ما فهمه ديكارت DESCARTES جيدا، ففي هذا الخضم كان بصدد تأليف”كتاب العالم”، وقد تمكن من إتمام هذا العمل سنة 1633، غير أنه امتنع عن نشره عندما علم بنبأ محاكمة جاليلي، وذلك لأن كتابه هذا كان يتضمن فزياءه كاملة، وهي لا تقبل بحركة الأرض فقط، بل تبرهن عليها إلى حد أنه يعتبر أن فلسفته باطلة إذ لم تكن حركة الأرض صحيحة.
قبل محاكمة جاليلي سنة 1633، ومنذ سنة 1616، كان كتاب كوبيرنيك”دوران الأجرام السماوية”، قد دخل قائمة الكتب المحظورة والممنوعة، ومن يومها صدرت عن الكنيسة مجموعة من القرارات تجرم التعاطي مع الكوبيرنيكية والدعوة لها، ذلك لأنها اكتشفت خطورتها بعدما تعززت بفيزياء عدة علماء، أهمهم جيوردانو برينو وجاليلي وبراهي وكبلر. ومن ثمة أعلنت أن التشكيك في ثبات الأرض مسألة لا يمكن التغاضي عنها، وقد ظهرت صرامة الكنيسة عندما قادت جاليلي وهو مفخرة إيطاليا نحو المحاكمة، وعندها وجد نفسه أمام خيارين: إما الحرق وإما التراجع، فاختار التراجع، وتعهد بألا يعود لهذه المسألة، وبقية القصة معروف.
هكذا لعبت محاكمة جاليلي الدور الأكبر في عدم إخراج كتاب “العالم” LE ” MONDE” إلى الوجود، لأن ديكارت لم يكن يريد مخالفة الكنيسة، وهو الذي اختار البقاء في هولندا رغبة منه في أن ينعم بالطمأنينة والسلام. لهذا ظل في انتظار أن ترفع الكنيسة رقابتها عن الكوبيرنيكية، وطال انتظاره حتى بلغ اليأس به مبلغه، وفي هذه المرحلة (ما بين 1632 و1637) كان يراسل صديقه الأب مرين، يستطلع منه الأحوال في روما، إلى غير ذلك من الأخبار التي كان يبلغها إياه، ويستقبل عبه الرسائل والردود التي كانت ترسل له من طرف عدة علماء ومهتمين.
غير أن ديكارت لم يبق مكتوف الأيدي، بل سارع إلى تدعيم الكوبيرنيكية عن طريق آخر، لقد فهم أن الثورات الفكرية لا تكتمل بالاكتشافات العلمية فحسب، بل إن هذه العلوم الجديدة، تظل في حاجة إلى سند يكملها ويدعمها، وديكارت هو من سيعطيها هذا السند، والذي لن يكون سوى الفلسفة الجديدة. عندها ركز اهتمامه على مسار الفكر وطريقه، أي على الطريقة التي يهتدي بها العقل إلى الحقيقة العلمية، هكذا لم يعد الاهتمام منصبا على موضوع المعرفة، وإنما على أداة المعرفة نفسها، ولم يعد السؤال هو “ما موضوع المعرفة؟” بل أصبح:”كيف أتوصل إلى معرفة ما أعرفه؟”. هذه هي مشكلة “خطاب المنهج”، أو “حديث الطريقة”، هنا سيبدأ تتويج العقل.
بتاريخ 8 نونبر 1633 كتب ديكارت إلى مراسله وصديقه “الأب مرسين” يقول:
“كنت قد عزمت على أن أبعث إليك بكتابي “العالم” في أعياد الميلاد هذه..، غير أنني سأخبرك أنه وبينما كنت أبحث هذه الأيام عن كتاب”نسق العالم” لجاليلي… أخبرت أنه قد طبع حقا، غير أن كل النماذج أحرقت في روما، وأن صاحبه قد أدين. وهذا ما أثار دهشتي حقا، إلى حد أنه جعلني أعزم على حرق جميع أوراقي – أو على الأقل- أن لا أطلع عليها أحدا. وذلك لأنني لم أكن أتخيل أن يجرم لا لشيء إلا لأنه أراد أن يثبت حركة الأرض… وإني لأعترف أنه إن كان هذا باطلا فإن كل فلسفتي ستكون باطلة، لأنها تبرهن على حركة الأرض بوضوح، إن هذه الأخيرة مرتبطة على نحو وثيق بكل أجزاء رسالتي Man traité، بحيث لا أستطيع فصلها عن هذه الأجزاء، دون أن يختل الباقي، ولكن لما كانت لا أريد أن يصدر عني أي خطاب تستهجنه الكنيسة، فإني أحببت أن ألغيه على أن أجعله يبدو ناقصا”([1]).
من خلال هذه الرسالة يظهر أن فلسفة ديكارت سليلة الكوبيرنيكية، بل وترتكز عليها لدرجة لو ثبت أن الكوبيرنيكية باطلة فإن كل فلسفته ستنهار، يتجلى هذا الترابط في التدعيم الذي قدمه ديكارت لها فيزيائيا وفلسفيا في نفس الوقت، لهذا لم تتوقف مسيرته بمجرد علمه بقرار تجريم ومصادرة أعمال كل من يتبنى الكوبيرنيكية، بل دعم هذه الأخيرة بطريقة أخرى، فإذا كانت الكوبيرنيكية(*) كإطار نظري قد طردت المنظومة القديمة عندما زعزعت ثقة الناس في النظام القديم، فإن المرحلة التالية يجب أن تكون زعزعة لطرق تفكير الناس.
ديكارت كان على وعي تام بأن العمل الثاني الذي يتبع الثورة العلمية هو اجتثاث أنماط التفكير القديمة وتقديم منطلق جديد. فالفكر السكولائي بتقاليده الأرسطية، وباعتباره ممثلا للبراديجم القديم لم يستسلم، ولم يخل الساحة النظرية بعد، بل كان يقاوم الفكر الجديد مقاومة شرسة مادام أنه كان يحظى برعاية السلطتين الدينية والسياسية، من هنا كان العمل على إضعاف أساساته وتقويض دعاماته هو السبيل إلى إبعاده أيضا.
المشكل بات الآن واضحا، ويتعلق بالطريقة التي عبرها يمكن التخلص من الموروث القديم، وبناء ميتافيزيقا جديدة تتلاءم مع العلم الجديد، جديد ديكارت هو وعيه بضرورة تأسيس الفيزياء الحديثة على أسس ميتافيزيقية. فبدون ميتافيزيقيا لا يمكن أن تقبل الفيزياء الجديدة. ديكارت كان يسعى لغاية خفية، لهذا لم يكن يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع الكنيسة، وذلك لأنه كان في حاجة إلى مباركتها لتحل فلسفته محل الميتافيزيقيا الأرسطية، إذ لابد أن تغادر هذه الأخيرة المجال، وهذا سيخلف فراغا على مستوى الجامعة التي تنهج في تعليمها اعتمادا على طرق قديمة.
كان هم الميتافيزيقا الجديدة هو الإعلان عن المنهج المتبع في العلم، ذلك لأن كل مجتمع ثبت لديه أن الإحتكام إلى الطرق القديمة المعمول بها لم يعد مفيدا يختمر لديه السؤال الأول، وهو سؤال المنهج، فأول ما يجب التركيز عليه والانطلاق منه هو المنهج، وهذه المسألة ألح عليها ديكارت كثيرا.
في كتابه مقالة الطريقة([2]) يقول،”أول ما ينبغي أن يتوفر لدى الفيلسوف، قبل أن يخوض مغامرة البحث عن الحقيقة هو مطلب المنهج، ففشل الفلاسفة وعجزهم عن بلوغ الحقيقة مرده إلى أنهم لم يكونوا ممسكين بمنهج سليم وواضح… ومن الأفضل للإنسان أن يعدل عن التماس الحقيقة إذا لم يكن لديه منهج واضح”.
3- دور المنهج:
تبين لديكارت أن بإمكانه أن يعيد بناء صرح العلوم من جديد مادامت قد انهارت بانهيار أسسها، وقد تأدى إلى هذا نتيجة لتأمله مزايا الأعمال العظيمة التي ليس وراءها إلا مؤلف واحد فقط:”فالمدينة التي صممها مهندس واحد تكون أحسن معمارا وبناء من مدينة شيدت تدريجيا، وطوال قرون من قبل بنائين دون تشاور بينهم”([3]). ونفس الشيء يقال عن المنهج والقانون، إذ أن وحدة مجموع ما تضفي عليه التناغم والانسجام والمتانة، ومن ثمة فإن توفر منهج جديد يعني إمكانية إصلاح مجال ما وإعادة بنائه باتت متاحة، مادام أن الممارسات الإنسانية المتعددة والتاريخية في هذا المجال قد طبعته بالتعقيد والتناقض.
إن إعادة بناء العلوم وفق مخطط يوحدها ويربط بين أجزائها المتفرقة، ويكون بعضها متوقفا على بعضها الآخر، يفترض سلفا أن يحصل القيام بمسح للطاولة وإفراغها من الشوائب التي علقت بها، لكن بطبيعة الحال بعد الإمساك بالمنهج الذي يجعل الأسس التي تنبني عليها العلوم صلبة ومتينة.
ه: قواعد المنهج
وسعيا من ديكارت إلى تفعيل قاعدة البساطة في التفكير لم يكثر من قواعد المنهج، إذ وقع في ظنه أن انصراف الناس عن المنطق القديم يعود إلى تعدد قواعده لدرجة تصعب معها مراعاتها في التفكير، لهذا اقتصر على أربع قواعد([4]):
أ –قاعدة البداهة: أن لا أتلقى شيئا على أنه حق ما لم أتبين بداهة أنه كذلك. وأن أتجنب التعجل في إطلاق الأحكام والتشبث بها، وأن لا ادخل في مجموع معارفي إلا ما تمثل لعقلي في وضوح وتميز، بحيث لا يبقى هناك مجال للشك في صحته.
ب- قاعدة التحليل: أن أقوم بتبسيط كل واحدة من المعضلات التي أبحثها إلى أبسط أجزائها حتى يسهل علي فهمها وحلها على أحسن وجه.
ج- قاعدة التركيب: بعد أن يكون الفكر قد حلل وفكك يعود للتجميع والتركيب بين العناصر المبسطة، وبالتالي يسير من البسيط نحو المعقد، ومن المبدأ الواضح إلى نتائجه.
د- قاعدة الإحصاء: بعد القيام بالتحليل والتركيب، يتطلب الأمر ضرورة العودة إلى سلسلة القضايا المدروسة وتجميعها دون إغفال أي عنصر أو واقعة محايثة للمسألة.
و- الشك وإعادة التأسيس:
بات الفكر الآن يتوفر على معيار لفصل الصواب عن الخطأ بين ما يتلقاه من آراء، أي ممسكا بالمنهج ومتسلحا بالقواعد التي تعصمه من الوقوع في الزلل، وأمامه فرصة حقيقية لإعادة تشييد صرح العلوم، غير أن البناء يتطلب أن يتم على أسس جديدة، وبالتالي فقبل البناء لابد من تحطيم البناء القائم الذي أصبح متداعيا قابلا للانهيار في أي لحظة. وهذا لن يتم إلا بالشك، فالشك هو الأداة الأنسب للتخلص من كل الآراء المسبقة دون استثناء.
كان كتاب”الخطاب حول المنهج”، موجها لعامة الناس، وتاريخ نشره يكشف على أنه نشر في عز الرقابة التي فرضتها محكمة التفتيش العليا المقدسة على كل من يتبنون الكوبيرنيكية، وبما أن جاليلي جر إلى المحاكمة بطريقة مذلة ومهينة، رغم أنه كان محميا من قبل أسرة المديتشي التي كانت تحكم فلورنسا، وصديقا للبابا نفسه، ومفخرة إيطاليا، فإن أي مغامرة من ديكارت كانت ستكلفه غاليا، كل هذا كان يخيفه ويزعجه، لهذا لم يتحدث صراحة عن الشك في معناه القوي، لأن الشك الذي يعتقد أنه منطلق البناء العلمي الجديد، إنما كان موجها إلى الموروث السكولائي، وما كانت الكنيسة لتقبل بهذا في هذه اللحظة، فالأوصياء على هذا الموروث والراعون له كانوا ممسكين بزمام الأمور في الجامعة وفي السلطتين الزمنية والروحية معا، كما أن العامة تفتقر إلى المناعة الفكرية التي تجعلها قادرة على خوض مغامرة الشك حتى النهاية، وهي التي ما تزال ترزح تحت نير وصاية الكنيسة وتعاليمها.
غير أن هذا سيتغير في كتاب التأملات الميتافيزيقية (1642) الذي كتب باللغة اللاتينية، والذي كان موجها إلى العلماء والمختصين، وفيه تحدث ديكارت صراحة عن الشك المطلق. ما يميز الشك الديكارتي هو أنه شك منهجي مختلف تماما عن شك الشكاك، فهؤلاء كانوا يشكون فيما يثير الريبة والشك أصلا، كما أن شكهم كان محدودا، لهذا أقاموا فيه ولم يستطيعوا الخروج منه، أما الشك المنهجي فهو إرادي يهدف إلى أن يستعيد العقل زمام المبادرة ويتخلص من سلطة المعتقدات، الشك هنا شك مطلق، وصفته الإطلاقية هي التي قادته إلى الخروج منه، لأنه لم يبق بعد الشك إلا الشك ذاته، وبالتالي فعملية البناء أصبحت ممكنة مادام أن المجال خال من الركام والأنقاض.
لقد مدد ديكارت صلاحيات الشك ووسعها ليطال كل شيء، ولم يكن هذا التمديد اعتباطيا، بل كانت هناك أسباب ودواعي وراء ذلك، وأهمها أنه مادام الإنسان عرضة للخطأ دوما، فإن هذا يعني أنه “ومنذ نعومة أظافره وهو يتلقى من الأفكار صحيحها وباطلها في وقت لم يكن فيه قادرا على استخدام عقله بوضوح”([5]). هذه التراكمات المختلطة من المعارف والأفكار أصبحت بمثابة عائق يحول بينه وبين بلوغ الحقيقة، وبالتالي فواجب الشك هو أن يزيحها من طريق الفكر ويبعدها عنه ليرى بوضوح.
فالعقل أصبح يمتلك خاصية الحرية، فأول ما يلتقي به العقل بعد الشك هو حريته في أن يحكم أو يمتنع عن ذلك، وبإمكانه أن يعلق الأحكام، وأن يسقط من حسابه كل القضايا والأفكار التي لم تكشف عن نفسها بوضوح وتميز، لهذا عندما استخدم قواعد المنهج وأعاد النظر في ما يتوفر عليه من معارف لم تصمد أي منها أمام قوة الشك، بمعنى أنه كان يحتفظ بتلك الأفكار دون برهان، وهذا يعطي للشك مشروعيته في أن يطال كل شيء، وجود الأنا، وجود الله، وجود العالم، حقائق الرياضيات، لا شيء صمد أمام الشك.
وفي ظل وضعية الشك هاته التي سيطرت على العقل فقد ثقته في كل شيء، لأنه لم يعد يلوي على أي شيء، وبالتالي لم يبق هناك ما يركن إليه ليحكم ويفكر ويبني، يحتاج إلى نقطة ثابتة يستند إليها لينطلق مجددا. كانت هذه مشكلة فجرتها الكوبيرنيكية، ولم تجد لها حلا، وهذا الحل لم يكن علميا وإنما فلسفيا، وهنا يظهر تلازم الفلسفة والعلم، فبعد تحريك الأرض التي كانت ثابتة قبل، لم يعد هناك مركز يعتمد عليه الإنسان مجددا، لهذا كان الفكر في حاجة إلى نقطة ارتكاز لن يقبل العقل أن تكون هذه النقطة مادية، مادام أن المادة قد خذلته من قبل. فالأرض التي يعتمد عليها تجوب الفضاء، ومن ثمة فالحواس لا يمكن أن تكون أساسا لبناء العلم والفلسفة، لهذا سيعود العقل إلى ذاته بحثا عن هذه النقطة الثابتة.
هذا هو الدرس الإبستيمولوجي المستفاد من الكوبيرنيكية، بدلا من البحث عن الحقيقة في العالم الخارجي يجب رصدها داخل الذات، كما لم تعد الجماعة مصدرا للحقيقة أيضا، لقد درج الناس منذ الأزل على الإعتقاد بأن الشمس تدور حولهم، وكانت هذه حقيقة لا يمكن التفكير في نقيضها، لكن كوبيرنيك، وبسبب توفر شروط نظرية افترض العكس، وثبت أن فرضه هو الصحيح، وبالتالي فإجماع الناس لا يعطي مشروعية تذكر للحقيقة، بل قد يكون عائقا يحول دون بلوغها.
ز- اليقين الأول: الكوجيطو
إذا كان الشك قد طال كل شيء، فإنه لا يمكن الشك في الشك نفسه، بهذا عاد الفكر إلى ذاته الخالصة بعيدا عن كل تمثلات الأشياء الطبيعية حيث كان تائها، وعبر هذا الشك تبين الحقيقة الأولى، وهي “أنه موجود مادام شيئا مفكرا”([6])، هكذا وصل إلى نقطة الارتكاز التي كان يبحث عنها، وهي الفكر.
” في بداية التأمل الثاني([7])، يصف ديكارت وضعية الفكر إبان تفعيل الشك، فيشبهها بوضعية من سقط في جب ماء عميق، فلا هو ظل طافيا، ولا هو بلغ العمق فيتخذ منه ركيزة يضرب عليها برجليه ويدفع بنفسه إلى أعلى”. مما يعني أن الفكر في هذه المرحلة كان في حاجة إلى سند يعتمد عليه للبناء، كان في حاجة إلى حقيقة يقينية ثابتة، وتلك هي الكوجيطو.
الكوجيطو هو الفكر الذي يدرك كينونته ووجوده في فعل التفكير، إنه الأنا الذي يشك ويفكر، وبما أنه كذلك فهو شيء ما،”أنا شيء مفكر، أي أنا إدراك أو عقل”([8]). الكوجيطو هو الأنا الذي انطلق من الشك، والذي أدرك أن طبيعته هي الفكر، في هذا الصدد يقول:”لقد اقتنعت قبلا أنه لا يوجد في العالم شيء على الإطلاق، لا سماء، لا أرض، لا نفس، لا أجسام… ولكنني متيقن من أني موجود… ولا يمكن لأي كائن مهما كان قويا وشديد القوة أن يضللني ويجعلني لا شيء، مادامت أفكر”([9]).
إن إدراك الذات لذاتها تم بناء على الفكر فقط، لا على الجسم، فيقين الوجود أعطي له من قبل الفكر، وهذا يعني أنه لكي يعي وجوده لا يحتاج إلى شهادة الحواس أو إلى الجسم، في كتابه”مبادئ الفلسفة”، يؤكد ديكارت على أن المعرفة بالفكر أوضح وأيسر من المعرفة بالجسم([10])، ذلك لأنه لو كانت المعرفة بالأجسام والأشياء أيسر لانتهى إليها الشك أولا، لكن أسبقية المعرفة بالفكر جعلته يهتدي إلى أن المعرفة بالأشياء الأخرى تبقى منقوصة وفاقدة لليقين.
فالكوجيطو خالص مكتف بذاته، إذ يمكن أن يوجد ويشتغل ويؤدي مهامه حتى في غياب الجسد، من هنا فالفكر أصبح هو النقطة الأولى والحقيقة التي سيتم الاعتماد عليها لتلمس مسار الفكر نحو الحقائق الأخرى في مسلسل البناء هذا.
الأنا فكر خالص، والنفس جوهر وظيفته التفكير فقط، وهي ذات طبيعة فكرية تجعلها متميزة عن الجسد الذي هو امتداد عاطل فحسب، بهذا الكشف وبهذا التمييز بدأت مبادئ الفكر القديم، في جانبه الميتافيزيقي تنهار، إذ يسقط التحديد القديم للإنسان بكونه مزيجا من “المادة والصورة”، لم يعد الإنسان حيوانا عاقلا، لأن الحياة خاصية للجسم، وهذا الأخير ليس شيئا ثابتا وقارا مادامت الأرض التي يقف عليها تسبح في الكون. ما يتبقى هو الفكر الخالص، والإنسان لا يقاس بامتداده وإنما بالفكر. هنا تظهر قيمة الشروط النظرية التي أتاحت لديكارت إمكانية التصريح بهذا القول، ذلك أن في هذا القول مخالفات خطيرة تكشف عن مدى خطورة الموقف الديكارتي في مرحلته التاريخية. فالقول بأن الإنسان فكر فقط، كان بمثابة رجة تهز أركان الفكر السكولائي، لأن الإنسان في نظرهم يتموقع في منزلة وسطى بين الفكر أو الصورة الخالصة (الإله) وبين المادة الجامدة، وهو مزيج من الماد والصورة، والقول بأنه فكر خالص يعني وضعه في منزلة الإله، وفي هذا كفر وزندقة، وبهذا القول استحق غصب وسخط القائمين على الميتافيزيقيا القديمة.
“أنا أفكر إذن أنا موجود”، كانت هذه هي الثورة الكوبيرنيكية في ميدان الفلسفة، وهي تدين بظهورها إلى الثورة العلمية، لأن كوبيرنيك هو من مدها بمفهوم الملاحظ (الذات)، وظهور الأنا المفكر كمحدد للإنسان، إنما كان أثرا من آثار الكوبيرنيكية في ميدان الفلسفة، النطق بكلمة “أنا” كان بمثابة تمرد على الجماعة، لأنه يدل على أن الذات هي كل شيء، وهو إعلان على الانسحاب من دائرة الخاضعين للكل، وهذا كان قمة التأليه للذات في وقت لم تكن فيه تعاليم المشائين قد انسحبت بعد.
نحن هنا إزاء قيمتين: أولاهما أن الإنسان فكر خالص، بات مساويا لله، والثانية هي ظهور مفهوم الذات، وهاتان القيمتان وليدتا الإطار النظري الجديد (الكوبيرنيكية)، بهذا لم بعد للامتداد حضور في مفهوم الإنسان، كان يحضر عندما كان الفكر يستند إلى الكوسموس كخلفية نظرية له، أما الآن فلم تعد الأمور تقاس بالأحجام، لأن الإنسان بجسمه لا يساوي شيئا أمام قوة الطبيعة، كما أن امتداده ليس سوى نقطة ضئيلة جدا في عالم ممتد لا متناهي، لا يتبقى له إلا الفكر، وهو وحده ما يجعل من الإنسان رقما في معادلة الوجود، هذا هو معنى مقولة باسكال:”ما الإنسان إلا قطعة قصب، وهي أضعف ما في الطبيعة، بيد أنه قطعة قصب تفكر، ولا حاجة لأن يهب العالم بكامله لسحقه، فبخار أو قطرة ماء تكفي لقتله، ولكن حتى عندما يسحقه العالم، فإن الإنسان يظل أنبل مما يقتله، لأنه يعلم أنه يموت، وأن العالم متفوق عليه، أما العالم فلا يعلم شيئا عن ذلك، فمكانتنا بأكملها إذن تتمثل في الفكر- ليست تعود إلى المكان أو الزمان اللذان لن نتمكن من ملئهما، فلنسع جهدنا إلى أن نفكر جيدا، ذلك هو مبدأ الأخلاق”([11]).
ك- الدواعي النظرية والنسقية للبرهنة على وجود الله:
بعد أن استند الفكر إلى الحقيقة الأولى، وبات ممسكا بمعيار الحقيقة الذي هو الوضوح والتميز، كان بإمكانه أن يسترسل في مسلسل الكشف عن اليقينيات الأخرى، لأنه كان في حاجة إلى نقطة يرتكز عليها ليرفع البناء ككل، وهذا أصبح متوفرا له الآن في الكوجيطو، غير أن ديكارت يفاجئنا بتقديم عدة فروض، غايتها الزيادة في حدة الشك والحيطة حتى تكون الحقائق آمنة من كل تشكيك. يتعلق الأمر بفرضية الأحلام، وبفرض أقوى هو الشيطان الماكر([12])، يفترض ديكارت أنه ربما يقع العقل فريسة شيطان ماكر يمك القدرة على تضليل العقل والتلاعب بالحقيقة وإظهار الزيف والباطل صوابا وحقيقة، والمحال واقعا. هنا يصبح المسار الفكري في ورطة مجددا، وللخروج من هذا المأزق لابد من استدعاء كائن أعلى وأقوى من الشيطان، بحيث يكون قادرا على شل حركته وطرده تماما، ولن يكون هذا الكائن إلا الله.
هنا نفهم السر في حضور الله داخل النسق الديكارتي، يتجلى هذا في تعداد الأدلة على وجوده والحرص على البرهنة على ذلك، ولم تكن هناك ضرورة دينية ولا أخلاقية تتطلب استدعاء الله، بل كانت ضرورة فرضها النسق، وهي الحد من امتدادات الشك الجارف، لم يخرج الفكر عن ذاته ليصل إلى الله من خلال سلسلة العلل الطبيعية كما كان سائدا في الفكر المشائي، ففي هذا التصور كان المحرك مفارقا للعالم يتموقع خارجه ولا يخضع لعلة ما بل هو نهاية العلل. أما حديثا فالله أصبح محايثا مادام أن الفرق بين الفوق والتحت قد انتهى وتوحد العالم، ومع هذا التوحيد لم يعد الله موضوعا مستثنى من الطبيعة، وضرورتها السببية، وبالتالي فحتى البرهنة على وجود الله اتخذت طابعا حديثا لم يخرج الفكر عن ذاته، بل عاد إليها ينقب عن خيط ناظم يمكنه أن يقوده إلى الله (وهو ما كان يمكن أن يعمد إلى العالم، لأن الشك قد هدم العالم من قبل وهو لم يصل إلى وجوده بعد). ولم يكن هذا الخيط الناظم إلا الأفكار الفطرية التي يحملها العقل، تمتاز هذه الأفكار عن بعضها البعض في كون بعضها أعلى قيمة وأوفر حظا من كمية الوجود والكمال من بعضها الآخر.
من بين هذه الأفكار فكرة الكمال([13])، فهي أعلى وأرقى الأفكار التي تملك أوفر حظ من الوجود والكمال، لدرجة أنها أكمل من الإنسان نفسه، وإذن فلا يمكنه أن يكون أكمل منها ولا يمكنه أن يكون صاحبها، إذ يفترض أن يكون للعلة ما للمعلول من كمال، ولو كان الإنسان أكمل منها لأسبغ على نفسه كل الكمالات، وبالتالي فهي من صنع كائن أعلى، وبما هي فطرية ولدت مع الإنسان، فلا شك في أن الله هو من زوده بها مسبقا لتقوده إلى الحقيقة، فالقول بفطرية الأفكار كان من جملة الدواعي التي تطلبت من ديكارت استحضار الله، وبما أن النسق لا يقبل من الأفكار إلا ما كان منها واضحا ومتميزا، أي مبرهن على صحته، فإن هذا فرض على الرجل أن يبرهن على وجوده، وبعد الوصول إلى أنه الكائن الكامل لم يعد هناك مجال أمام الله ليوظف كمالاته وقدراته لخداع الإنسان وتضليله، لأن الخداع والمكر دليل نقص، وهذا لا يتوافق مع طبيعة الله التي تختص بالكمال، لهذا تحمل الله مسؤولية العناية بالعقل الإنساني وحمايته من كل أنواع التضليل والخداع. فالله هو ضامن ما يتوصل إليه الفكر من حقائق، شريطة أن يحرص الفكر على قاعدتي البداهة والوضوح (المنهج) كمنهج دائم، في هذا الصدد يقول:”من البديهي إذن أن الله لا يخدع، لأن النور الفطري يرشدنا إلى أن المخادعة تصدر عن نقص”([14]).
ل- في الصواب والخطأ:
بعد أن حصل العقل على الضمان الإلهي استعاد ثقته بنفسه،”فالله لا يخدع، إذ الخداع نقص… ودليل ضعف وخبث، وهما أمران محال أن يكونا في الله”([15]). ولكن المشكلة التي يواجهها النسق هي البحث في أسباب ودواعي الخطأ، فالفكر يمسك بالمنهج، ويحظى برعاية وضمان الله، ومع ذلك يخطئ، هنا سنصل إلى أحد المفاهيم التي أنتجها النسق النظري الحديث، وهي الحرية والمسؤولية، فالإنسان يخطئ لا لأن الله أراد ذلك وقرره:”فالله قد وهبني ملكة من خصائصها أن تحكم وتميز بين الصواب والخطأ ولما كان لا يريد خداعي فمن الثابت أنه لم يهبني تلك الملكة لتقودني إلى الخطأ، إذا ما استعملتها كما هو لازم… فالخطأ من حيث هو كذلك ليس شيئا واقعيا يرجع إلى الله”([16])، ولا لأن هناك شيطانا ما يوسوس في صدره، بل هو المسؤول عن أخطائه طالما أنه لا شيء يحول بينه وبين ذلك.
ينشأ الخطأ عن صراع ملكتين في الإنسان هما العقل والإرادة:”لقد وجدت أن أخطائي تنهض من إشراك قدرتين، قدرتي على المعرفة، وقدرتي على الإختيار أو حرية الحكم، أي قدرتي على الإرادة والحكم معا”([17]). فالعقل محدود، إذ ليست كل أفكاره واضحة ومتميزة، أما الإرادة فهي قدرة غير محدودة على الإختيار، وعلى الإثبات والنفي، والإنسان مسؤول عن أخطائه لأنه قد يستعمل قرار الإرادة ويخضع لمتطلباتها فينفي ويحكم على ما لا يتصوره العقل بوضوح وتميز. فالحكم مهمة العقل، وهذا الأخير محكوم عليه أن لا يحكم إلا على ما بدا له واضحا وتمثل أمامه بديهيا لا شك فيه، وإذن فهو قادر على أن يمتنع عن الخطأ إذا ما توقف عن الحكم على الغامض من الأفكار، الخطأ هنا نتيجة للإستعمال السيء للحرية، وهنا نتناسى أن عظمة الإنسان تكمن في تحكمه في حرية اختياره، ولذلك عليه ألا يتذمر لان الله لم يجعله معصوما من الخطأ، لأنه قد وهبه فطريا قدرة تمكنه من تمييز صحيح الأفكار من باطلها، وبما أنه قد أنعم عليه بهذا فعليه أن لا يصدر حكما إلا بخصوص الأشياء التي يتصورها تصورا واضحا ومتميزا.
“لا يمكن أن أضل إذا أمسكت إرادتي بقوة في حدود معرفتي، فلا أطلق الحكم إلا على الأشياء التي تبين للإدراك أنها واضحة ومتميزة… هذا مبدأ يصدر عن الله، والله هو علة الكمال الأعلى، ولا يستطيع أن يكون مصدرا للضلال… إذن سأصل إلى الحقيقة إذا حصرت كل انتباهي في الأمور التي أتذهنها على وجه الكمال”([18]).
م- وجود العالم والتمييز بين الفكر والامتداد:
وصل الفكر الآن إلى حقيقة وجود الله، وبرهن على ذلك، لم يتبق إلا وجود العالم الذي مازال موضع شك، والحقيقة أن غاية ديكارت كانت هي العالم، فهو لم يثبت الحقيقتين السابقتين إلا ليؤسس للعالم، فغايته هي تأسيس الفيزياء، وبالتالي الوصول إلى العالم، لا يستطيع الفكر أن يبرهن على وجود الأشياء المادية، وسبب هذا راجع إلى أن البرهان لا يقيم وزنا إلا للماهية، وإذا كان البرهان على وجود الله ممكنا، فلأنه الكائن الذي تحتوي ماهيته على وجوده، أما الآن فلابد من البحث عن طبيعة الأشياء المادية، وسبب هذا راجع إلى أن جوهر الأشياء المادية هو الامتداد، وإدراك حقيقة العالم لا يتوقف على ماديتها، بل على الامتداد باعتباره فكرة عقلية تتمتع بالوضوح والتميز. والامتداد هنا هو كل ما له أبعاد وخصائص رياضية([19]) كالطول والعرض والشكل والحركة، وهذه خصائص لا تدرك بالحس، وإنما بالعقل، بهذا تسقط القاعدة القديمة، “العقل يدرك المعقولات، والحس يدرك المحسوسات”، فالعقل الآن يدرك كل الأشياء، ويقوم بكل عمليات التفكير، فالفكر والتخيل والإحساس والإرادة كلها أحوال للعقل فقط. أما الجسم فلم يعد يفكر، ولم يكن ممكنا للمنظومة القديمة أن تعرف هذا التمييز بين الفكر والامتداد، لأنها كانت منغمسة في الخلط بين الاثنين، أما الآن، فالفكر لا يمتد. والامتداد لا يفكر”وعلى الرغم من أنه لدي جسم اتصلت به اتصالا وثيقا، فلدي فكرة واضحة ومتميزة عن نفسي، باعتبار أنني لست إلا شيئا مفكرا، ولدي فكرة واضحة متميزة عن الجسم، باعتبار أنه ليس إلا شيئا ممتدا، لا شيئا مفكرا، لذا ثبت عندي أن هذه الأنا، أعني نفسي… تتميز عن جسمي… وهي قادرة على أن توجد بدونه”([20]).
بهذا المعنى أصبحت الطبيعة امتدادا عاطلا لا قدرة له على الفعل، وبهذا أفرغ ديكارت المادة من كل أشكال الحياة والفكر، وبهذا أيضا تخلى العالم عن كل التصورات الإحيائية التي ملأت الطبيعة بالأرواح والنفوس، والعلة الوحيدة لحركة الأجسام هي الاحتكاك، فالمادة لم تعد تؤثر في المادة عن بعد، والتمييز بين الفكر والامتداد، وبالتالي بين النفس والجسد هو الأساس الميتافيزيقي الذي قدمه ديكارت للفيزياء الحديثة.
ظ- استنتاج:
وبالعودة إلى المبدأ الذي انطلقنا منه، والذي يظهر من خلاله أن حركية الأفكار لا ترتبط بغايات الفلاسفة والعلماء، بل تخضع لمنطق خفي يشتغل في عالم موضوعي بعيدا عن متناول الإنسان، يتجسد هذا المبدأ في نسق ديكارت ويحضر بقوة.
غاية ديكارت كانت هي التأسيس لميتافيزيقا حديثة موازية للعلم الحديث، وكانت هذه الميتافيزيقيا هي الفصل والنهائي بين الفكر والامتداد في كل شيء. فهل يعقل أن ديكارت لم يكن على وعي بأن هذا الفصل سيطرح مشكلة لنسقه النظري، وهي المتمثلة في ترابطهما في الإنسان، فالفكر والامتداد إذ ينفصلان في كل شيء، يلتقيان في الإنسان.
في الإنسان، حسب ديكارت، يلتقي الفكر والامتداد ويتحدان، فهو مركب من نفس وجسم، والنفس فيه لا تحرك الجسم كما يحرك الربان السفينة، لأن الحركة حال من أحوال الجسم، ولا يمكن أن تنسب إلى النفس التي لا تفعل شيئا سوى التفكير”فحين بحثت عن السبب الذي من اجله يعقب الألم حزن في النفس، وبعد المسرة يأتي الفرح… عندما بحثت في ذلك لم أجد تفسيرا، إلا أن الطبيعة قد علمتني إياه هكذا”([21]). والجسم مادي يؤدي وظائفه بحسب انتظام أعضائه كأي آلة، وحتى اتحادهما داخل الإنسان لا يؤدي إلى اختلاط مهامهما بحيث تمتد النفس ويفكر الجسم، بل إن كل واحد منها يظل جوهرا محافظا على ماهيته، سر هذا الإتحاد والإقتران لا يفسر، بل هو أمر أقامه الله وقرر أن يكون على هذه الشاكلة وليس على شاكلة أخرى، لقد أقام الله هذا الإتحاد للحفاظ على الصحة([22])، أما سر هذا الإتحاد فهو أمر محجوب عنا، إنه سر إلهي.
هكذا ظلت مسألة تلاقي الفكر والامتداد من جملة المشاكل التي ظلت عالقة في النسق الديكارتي، وبالنسبة له لم تكن ذات تأثير كبير جدا، لأن غايته أن يقدم أساسا للفيزياء، وهذا ما نجح فيه، من هنا يمكن القول إنه لو كانت الأفكار تخضع لغايات أصحابها لما رضي ديكارت أن تظل هذه المشكلة قائمة في نسقه، لأنها فتحت عليه بابا قويا من النقد.
هكذا ننتهي إلى أن تاريخية الفلسفة مثلما هي تاريخية العلم مبدأ يساعد على تقديم فهم واضح ودقيق بظهورهما معا، ذلك أنه ومن خلال مراعاة مبدأ التاريخ وصلنا إلى أن النظريات العلمية والفلسفية لا تظهر نتاجا لعبقرية الأشخاص أو الصدفة (تفاحة نيوتن مثلا)، بل إن ظهورها وفناءها مرتهن بشروط نظرية تتعالى عن الأشخاص، فللأفكار منطقها الذي يجعلها بمنأى عن تحكم الرجال.
هذا ما اتضح بعد الكشف عن الشروط النظرية التي أدت إلى ظهور الفكر الديكارتي، وفلسفة الأنا، نحن أمام براديجم الذات، وهو منظومة أو نسق ما كان ليولد لو لم تظهر الثورة الكوبيرنيكية التي بدأت فلكيا، إلا أن تداعياتها امتدت إلى الفلسفة لتسمح بولادة الذات المفكرة.
 
الهوامش: 
[1] – من رسالة إلى الأرب مرسين، نونبر 1633، واردة بـ:
Descartes, Discours de la méthode, GFF- lammarion, Paris, 1992, p 245-246.
* – الكوبيرنيكية: نقصد بها ذلك الإطار النظري الذي تندرج فيه أعمال كوبيرنيك وجاليلي وكبلر.
[2] – رونيه ديكارت، مقالة الطريقة لحسن قيادة العقل، ترجمة: جميل صليبا، الطبعة الثانية، اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع، بيروت، 1970، ص 21.
[3] – نفس المرجع، ص 21.
[4] – نفس المرجع، ص 102-104.
[5] – ديكارت: تأملات ميتافيزقية في الفلسفة الأولى، تثبت أن الله موجود، وأن نفس الإنسان تتميز من جسمه،. ترجمة: كمال الحاج يوسف، سراس للنشر، 2009، ص 43.
[6] – نفس المرجع، التأمل الثاني، ص 55.
[7] – نفس المرجع، ص 51.
[8] – نفس المرجع، ص 55.
[9] – نفس المرجع، ص 53.
[10] – رونيه ديكارت:”مبادئ الفلسفة”، ترجمة: د. عثمان أمين، دار الثقافة للنشر والتوزيع، ص 58.
[11]- Blaiz Pascal : « pensées », ed. du Seuil, Coll « L’intégrale », 1963.
هذا النص وارد في الكتاب المدرسي:
– Philosophie, Terminale l’ourage, réalisé sous la direction de Laurance Hansen- Lave Hatier, Paris, 2001, p 41.
[12] – رونيه ديكارت:”تأملات ميتافيزيقية (1642)”، ترجمة: كمال يوسف الحاج، سراس للنشر، ص 54.
[13] – نفس المرجع، التأمل الثالث، ص 72.
[14] – نفس المرجع، ص 87.
[15] – نفس المرجع، ص 90.
[16] – نفس المرجع، ص 92.
[17] – نفس المرجع، ص 93.
[18] – نفس المرجع، ص 100.
[19] – نفس المرجع، ص 111.
[20] – نفس المرجع، ص 119.
[21] – نفس المرجع، ص 116.
[22] – نفس المرجع، ص 131.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق