“عابرون فى كلام عابر” ملاحظات حول الفيسبوك

بات من المعروف، أو من اليقين، أنّنا نعيش زمن التّواصل والاتّصال بامتياز، وذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة والمتطورة، وقد أضحى من المزعج أو من الخطير أن يكون الفرد غير “متّصل” disconnected.
وقد ظهرت مفاهيم جديدة مثل “إدمان الفيسبوك” Facebook addiction ورهاب عدم وجود أو فقدان المحمول Nomophobia، إلى غير ذلك من هذه المصطلحات المتصلة بالفيسبوك وأعراضها.

ومع ذلك فإنّ كثافة الاتصال لا تعنى بالضّرورة أنّنا، اجتماعيّا وإنسانيّا، في حالة “تواصل”، وربّما يكون العكس هو الأصحّ حيث يزداد شعورنا بالعزلة. ويمكن القول أنّ ثمّة معادلة جديدة بين العزلة والتّواصل، فهما ليسا على النّقيض، بل يمكن أن تكون العزلة أحد عناصر هذا النّمط الجديد من التّواصل ومكوّناته إن لم تكن أحد شروط تحقّقه.

وما أريد أن أتحدّث عنه في هذا المقال ليس العزلة بالمعنى الاجتماعي والجسدي، ولكن أريد أن أتحدّث عن عزلة الكلام، أو عزل الكلام.
إنّ الحركة السّريعة لتداول الكلمات والعبارات والقدرة الهائلة على القطع والوصل تنزع الكلمات والعبارات من سياقاتها، فليس هناك سوى سياق الحركة والتّداول والتّعليق والحضور والغياب. كما أنّ الكلمات والعبارات تأخذ مشروعيّتها المؤقّتة من قدرتها على الدّوران والتّداول. وبمعنى آخر لا يوجد نصّ، ولا توجد قصّة بل عبارات بلا نصّ أو عبارات وجمل من نصوص تمّ تفكيكها وتوظيفها ضمن حالة عابرة، تظهر على السّطح ثمّ تختفي من الذّاكرة العابرة والسّريعة للفضاء الافتراضي.

ومن منظور مفهوم الطّاقة، فإنّ النّصّ التّقليديّ يختزن طاقته في ذاته وفي سكونه وهو دائما فى حاجة إلى من يأتي إليه ويوقظه، وهي في الغالب طاقة علميّة أو جماليّة، طاقة علميّة تكمن في اتّصاله بمخزون الطّاقة الفكريّة من خلال المصادر والمراجع، وفي تواصله مع واقعه بما يتضمّنه النصّ من تحليل وبما يوفّره من حجج وبراهين.

والطّاقة الجماليّة تنبع من جماليّات التّركيب وشعريّة النصّ. وعلى القارئ أن يكتشف هذه الطّاقة ويستشعرها من خلال علاقة خاصّة بينه وبين النصّ، أو بين جماعيّة فكريّة وعالم النصّ أو النّصوص. أمّا في الفضاء الافتراضي، فجلّ العبارات والجمل المتحرّكة والخاطفة تكتسب طاقتها (أو تفقدها) من خلال الحركة، فلا مجال للسّكون ولا الإحالات السّاكنة.

إنّ عمليّة التّدوال والتّدوير هي عمليّة أساسيّة لشحن الجمل والعبارات بالطّاقة والتي تتمثّل وحدتها في كلمة لايك like ومشاركة share. وبمجرّد أن تتوقّف عن الحركة فإنّها تفقد طاقتها وتصبح خاملة، وتدخل عالم النّسيان. وهنا لا نتحدّث عن حجج أو براهين، فهي لا تعني شيء بجانب القدرة على الحركة والتّداول.

وهكذا فإنّ عددا هائلا من العبارات والجمل تحظى بقوّة ومشروعيّة رغم أنّها منزوعة السّياق وفي كثير من الأحيان تنطوي على أكاذيب، أو انعكاسات أيديولوجيّة فجّة. ولعلّ المثال الأبرز على ذلك الرّسائل المختلفة التي تعبّر عن مواقف سياسيّة وأيديولوجيّة من الخصوم، فهي غالبا ما تكون، هشّة بالمعنى العلمي، ولكنّها فعّالة بالمعنى الحركي.

وبهذا المعنى، فإنّ ما يتمّ عزله ليس فقط النّصوص، بل الأحداث والوقائع ذاتها، والتي يجري التّعبير عنها بجمل قصيرة أشبه بشذرات أو شظايا متحرّكة تصف هذا الجانب أو ذاك حسب زوايا النّظر في سوق التّداول الافتراضي.

وعلى الرّغم من أنّ الكثير ممّن يستخدمون الفيسبوك ينتقدون عدم الموضوعيّة والسّرعة التي تصيب البعض بالانزعاج فيقرّرون الخروج من دائرة الفضاء الافتراضي، إلاّ أنّ أعراض الإدمان غالبا ما تدفعهم للعودة والدّخول في حالة الحركة التي لا تتوقّف، والتي تمتصّ طاقاتهم لشحن الكلمات والجمل والعبارات التي تضيء وتختفي مثل الألعاب النّارية، فنبقي كما يقول الشّاعر الفلسطيني الرّاحل محمود درويش: “عابرون فى كلام عابر”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق