عام الجراد…مذكرات جندي مقدسي في الحرب العظمى: “بلايا الحرب” واندثار الهوية العثمانية

هذا النص، وسيليه آخر، مأخوذ من كتاب “عام الجراد: اندثار الهوية العثمانية في فلسطين”، الذي سيصدر قريباً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت.

تتميز يوميات الترجمان بشراسة موقفها المعادي لجمال باشا وقيادة “الاتحاد والترقي”. وفي هذا المجال يجب مقارنتها ليس بخطاب التأريخ القومي لفترة ما بعد الحرب، وإنما بمثيلاتها من كتابات مؤلفين معاصرين مثل محمد عزة دروزة ومذكرات رستم حيدر. استهل المؤلفان الأخيران حياتهما السياسية بالتماثل مع أهداف اللامركزية العثمانية ثم انتقلا إلى المعسكر القومي العربي. وفي دائرة إحسان، ألّف السكاكيني (معلمه) وعمر صالح البرغوثي (صديقه) مذكرات كانت تعكس موقفاً ملتبساً تجاه اللامركزية العثمانية خلال الحرب، ومع تطور الأحداث الدموية ازداد الاستقطاب العربي – التركي مما دفع السكاكيني والبرغوثي إلى الانضواء تحت قيادة الأمير فيصل والثورة العربية. وفي النهاية انضم حيدر للثوار في جبل الدروز وأصبح السكرتير الخاص للأمير فيصل. وعندما أخلي سبيل السكاكيني من سجنه العثماني في دمشق (عام 1918)، التحق هو أيضا بالثوار وساهم في صياغة عدة بيانات باسم الثورة بما فيها تأليف نشيد الثورة العربية “أيها المولى المفدى”. المرحلة الحاسمة في جميع هذه التحولات كانت محاكمات عالية العرفية والحكم بالإعدام على الثوار العرب في أغسطس 1916.

مع هذا، فقد استمر العديد من المثقفين الفلسطينيين، والمقدسيين تحديداً، على ولائهم لبقاء فلسطين كإقليم ضمن الإمبراطورية العثمانية حتى بعد نهاية الحرب وهزيمة الأتراك. من أبرز هؤلاء “العثمانيين” نجد أسماء لامعة مثل عادل جبر، محرر “الحياة” في القدس ويافا، والشيخ محمد الصالح، صاحب “روضة المعارف”، وعبد العزيز الجاويش، مدير الكلية الإصلاحية. وفي مذكراته يصف عمر صالح لقاء أحمد جمال باشا القيادات العربية المحلية في القدس وفي دمشق عامي 1916 و1917 للتداول حول إنشاء كونفدرالية عربية – عثمانية على أنقاض الدولة العثمانية. إلا أنني لم أجد معالجة لهذا الموضوع في مذكرات جمال باشا نفسه.

أما مذكرات الترجمان، فهي مليئة بالهجوم على جمال وأنور باشا. يبدأ نقده على خلفية انتكاس الجيش الرابع في جبهتي السويس وسيناء حيث كان يقاتل العديد من أقرباء ومعارف الترجمان. وكان هاجس الكاتب الخوف من إرساله للقتال في الجبهة. نرى هنا صورة متناقضة لشخصية جمال باشا. من ناحية يأخذ عليه الكاتب محاباته للجنود اليهود والمسيحيين، في محاولته لاستدرار مساندة الأقليات في الولايات الشامية وذلك عن طريق إعفائهم من الخدمة العسكرية أو توظيفهم في مناصب كتابية وإدارية. من ناحية أخرى نرى إحسان يهاجم أنور وجمال للمذلة التي أخضع لها يهود القدس ومسيحييها بعد أن جندهم في “طوابير العملة” حيث أجبروا على القيام بأعمال شاقة ومضنية مثل بناء الطرق، وحفر أساسات سكة الحديد، وجمع القمامة في الشوارع العامة. ونعرف أن العديد من مجندي الطوابير “نفقوا” خلال هذه الخدمة، في تقارير وكتابات معاصرة. في إحدى مفكرات السكاكيني مثلاً يشير إلى هذه الأيام الحالكة: “اخذوا عدداً كبيراً من المسيحيين كزبالين إلى بيت لحم وبيت جالا. وأعطوا كلاً منها مكنسة وقفّة ومجرفة ووزعوهم على الطرق والأزقة، فجعل أحدهم يصيح في بيت لحم “من عنده زبالة”. فكانت نساء بيت لحم تطل من النوافذ وتبكي. لا شك أن هذه نهاية [ذروة] الذل. وما مثلهم إلا مثل الأسرى في عهد الآشوريين والمصريين والرومان”. وعندما عُين الترجمان كاتباً مؤقتاً في القيادة العسكرية في القدس مسؤولاً عن الإعفاءات من الخدمة، حاول أن يخفف من معاناة هؤلاء الجنود المسخرين، ولكن دون جدوى.

في إحدى رواياته يخبرنا إحسان عن زواج جمال باشا من “مومس يهودية” من القدس، كدليل على محاباته لليهود. ويبدو أن الإشارة هنا إلى عشيقة جمال السيدة ليا تننباوم، وهي من عائلة يهودية مقدسية نشطت في جمعية الهلال الأحمر المساندة للمجهود الحربي العثماني. وفي حالات أخرى يصف الكاتب جمالاً كشخصية اعتباطية حيث كان – برأي الكاتب –مهووساً بتمجيد ذاته على حساب الآخرين. فهو يمدد ساعات دوام الجنود ويلغي إجازاتهم الأسبوعية يوم الجمعة بدون مبرر. ويصف جمال بالنفاق حين يوزع الذبائح والحلوى على الجنود خلال الأعياد الرسمية والسلطانية، بينما هم جياع ومتدني الأجور في بقية الأيام. ويظهر الترجمان عداءه واحتقاره لقيادة “الاتحاد والترقي” في استغلال الحزب للدين لتحقيق مكاسب رخيصة لصالح المجهود الحزبي في الولايات العربية. هنالك وصف مضحك لحفلة أقامها روشن بيك ودعا إليها مجموعة من بغايا القدس على شرف أحمد جمال باشا، وجمال باشا الصغير (المرسيني).

يصل غضب الكاتب ذروته على جمال باشا بعد أن بدأ حملته ضد التجمعات العربية السرية. تبدأ الحملة بشنق جنديين في باحة باب العامود في 30 مارس 1915 بتهمة التجسس لصالح الجيش البريطاني. ثم تمتد الحملة بقمع أعضاء “الجمعية العربية” ومجموعة “العهد” من الضباط العرب ومحاكمة العديد منهم في المحاكم العسكرية التي أنشأت لهذا الغرض. ولكن موقف الترجمان الناقد توازنه إشاراته المتعددة الإيجابية والمتعاطفة مع قادة ورفاق أتراك وألبان ساعدوه وتضامنوا معه خلال محنته. من هؤلاء القائد علي روشن بيك (ألباني الأصل) ونهاد بيك (قائد حامية القدس، وهو تركي الأصل) والعديد من الضباط الأتراك الذين زاملهم. وعندما تعرض إحسان للضرب والملاحقة من ضابطه الارناؤوطي (لا نعرف اسمه) نجده يلتجأ لحماية قائده الألباني وليس إلى معارفه من الضباط العرب.

تهيمن على يوميات الترجمان الإشارات إلى الخنوع العربي للقمع العثماني، فنجده يصف أهالي سوريا وفلسطين “بالأمة الذليلة الخانعة”. ويذكر القارئ بان أي شعب يحترم نفسه يجب أن يثور على ظروف اضطهاده. إلا أنه – بالرغم من طبيعته اللاعنفية – يغتبط ويهلّل للانتصارات العثمانية في الدردنيل وكوت العمارة (جنوب العراق) ضد الإنكليز. هذا الارتباك في الهوية ينعكس أيضا في إشاراته لانتمائه القومي – فهو يتماثل مع “الأمة العثمانية” أحيانا ومع “الأمة العربية” في أحيان أخرى – ولكنه بالرغم من هذا التناقض لا يرى نفسه جزءاً من الأمة الإسلامية، بالرغم من محاولات جمال باشا الجاهدة في سوريا لان يزرع هذا الانتماء أملا في تقوية التكاتف العربي والهندي والفارسي دعماً للمجهود الحربي العثماني. بل بالعكس، نجد إحسان يركز هجومه على العلماء ورجال الدين الداعين لحملة جمال باشا. ويشير تحديداً إلى “نفاق” الشيخ أسعد الشقيري – مفتي الجيش الرابع – وحاشيته من الفقهاء والصحافيين عندما نظموا رحلة وفد فلسطيني – سوري لزيارة جاليبولي والدردنيل لدعم القوات العثمانية المحاربة هناك.

فقط عندما ثارت القبائل الحجازية بزعامة الشريف حسين ضد العثمانيين نرى أن إحسان قد استعاد فخره بانتمائه العربي. “باركك الله أيها الشريف … انتم أيها العربان برهنتم للعالم أجمع أنكم رجال لا ترضون الذل والهوان … تدافعون عن أمتكم العربية تفدونها بأرواحكم حتى تتخلص هذه الأمة من نير البربرية العثمانية”.ولكنه يسميهم “العربان” ويعي في نفس الوقت أن “ثورة العربان” لها جذور غير قومية: “أما هياجهم فأسبابه كثيرة … فمن يقول أن الشريف حسين باشا ترجى في العفو عن صدور الحكم بإعدام أبناء العرب فأبوا [يقصد جمال باشا]. ومنهم من يقول بأن الحكومة كانت تدفع في كل عام دراهم إلى العربان عوضاً عما لحقهم من الخسران [كذا] في إنشاء السكة الحديدية الحجازية … وفي هذا العام امتنع جناب حضرت قائد الجيش الهايموني الرابع وناظر البحرية الجليلة دولة أحمد جمال باشا عن الدفع”. ولكن هذه الدوافع لم تمنع الكاتب من الاندفاع في الدفاع عن الثورة الحجازية بكل جوارحه.

بالامكان أن نتابع تأثير هذا الانقطاع في الهوية العثمانية على العلاقات التركية – العربية على الجانب التركي من خلال مجموعة ثالثة من يوميات الحرب، هي مذكرات الضابط فالح رفقي، السكرتير الخاص لجمال باشا في دمشق والقدس وهو معاصر لإحسان الترجمان ومحمد الفصيح وبالصدفة مولود في نفس العام، 1893. تتميز مشاهدات رفقي بأهمية خاصة بسبب قربه من الأحداث وعملية صنع القرارات السياسية والعسكرية الحاسمة، كما أنه كان متابعاً دقيقاً للعلاقات العربية – التركية داخل الجيش. كان رفقي – بسبب اهتماماته الفكرية متابعاً أيضا لتأثير الدين على صياغة الحياة اليومية لسكان فلسطين والجزيرة العربية. نراه في احد فصول يومياته يقارن تأثير الحج على البنية الاجتماعية في القدس والمدنية بلهجة ساخرة:

“لا شك أن حجّاج القدس ليسوا بأحسن حالاً من حجاج المدنية المنورة. فإن أتباع المسيح ينتابهم نفس الجوع الذي ينتاب أهل محمد، والاثنان محكوم عليهم أن يعانوا من البؤس معاً. الفرق الوحيد هو أن متسولي القدس أعلى شأناً وأحسن منظراً من متسولي المدينة. أصبحت المدينة المنورة بازاراً آسيوياً نجح في تحويل الدين إلى بضاعة تجارية. أما القدس فقد تحولت إلى مسرح غربي نشاهد الدين فيه وكأنه مسرحية لدرجة أنني تخيلت كهنة كنيسة القيامة وكانهم اصحاب لحي مزيفة. وعندما ينحنون إلى أسفل تستطيع أن تشاهد بوضوح مسدساتهم المخفية بإحكام تحت أثوابهم الطويلة”.

بشكل عام يبرر رفقي حملة القمع التي قادها جمال باشا ضد الحركة العروبية بزعم انها كانت خطوة ضرورية للحفاظ على الانضباط العسكري والاستقرار للادارة العثمانية في سوريا. وهو يرى ان استعمال العنف مع القوى الوطنية كان ناجحاً في ضمان هذا الاستقرار. ونراه هنا يفسر سياسة جمال بلهجة قاطعة: “في فلسطين استعملنا سياسة النفي، في سوريا الارهاب، وفي الحجاز استعملنا الجيش. أما اليهود فكانوا حذرين كعادتهم ينتظرون اعلان وعد بفلور في سواحل يافا. وفي النهاية ثار أهل الحجاز. أما سوريا فبقيت هادئة”. ويعزو رفقي هذا “الهدوء” لسياسة ترحيل السكان القسرية التي مارستها السلطة على سكان الساحل الفلسطيني – خصوصاً في منطقة غزة ويافا، حيث كان الأسطول البريطاني يحاصر المنطقة متربصاً بالتحركات العثمانية وبحلفائها الألمان. وكان هذا الترحيل، برأي صاحب المذكرات، موجهاً بدرجة خاصة نحو السكان اليهود الذين كانت القيادة العثمانية تشكك بتواطؤهم مع أجهزة مخابرات الحلفاء في رصد تحركات العساكر العثمانية.

ويهتم رفقي بمعوقات اندماج التجمعات التركية والعربية كمكونات ضرورية لاستقرار المجتمع العثماني. “يهيمن على السلطنة العثمانية جهاز بيروقراطي جامد. إلا أن نصف هذا الجهاز البيروقراطي هنا [في فلسطين] مكون من العرب. لم أر خلال إقامتي كلها عربيا واحدا مؤتركا – بينما لم أر إلا أتراك قلائل لم يتعربوا ونحن لم ننجح في استعمار هذه المنطقة ولا في جعلها جزءاً عضوياً من بلادنا. فالدولة العثمانية هنا هي حارس المزارع والمدن بدون أجر”.
وعندما ينتقل المؤلف للوضع في مدينة القدس يتحول إلى تشخيص قدرة المجتمع العربي على استيعاب الآخرين ومقاومته لانصهار العرب داخل المجتمعات الأخرى. ثم ينتقل إلى الاحتجاج على وضع الأتراك خارج الأناضول. يكتب رفقي بمرارة تذكرنا بشعور الروس على تهميش وضعهم في مدينة موسكو خلال الحقبة السوفياتية نتيجة هجرة الأقليات إلى العاصمة. “بما أنه كانت لجميع الأقليات في الإمبراطورية العثمانية امتيازات، بينما حُرم الأتراك من هذه الامتيازات، أصبح من المفضل لأي مواطن أن ينتمي إلى إحدى الأقليات المسلمة من أن يكون تركي الأصل”.

قد تبدو هذه الملاحظات مبالغا فيها، إن لم تكن مستهجنة من قبل أي مؤرخ عربي يسترجع نهاية الحقبة العثمانية، إلا أنها تعكس رؤيا متكررة في أوساط النخبة التركية العثمانية. ويبدو أنه موقف تبناه جمال باشا نفسه في محاولته المستميتة للحفاظ على مبدأ وحدة الكيان العثماني ضد المحاولات الانفصالية. أما أهمية اندماج التجمعات العربية في هذا الكيان فكان نابعاً من اعتقاد هذه النخبة بان المجتمع العربي كان “خط الدفاع الأخير” للتحالف العثماني الداخلي القادر على الحفاظ مستقبل الإمبراطورية ضد محاولات التجزئة الغربية.

من هنا كان الشعور بالخيبة مضاعفاً نتيجة ما أصبح يعتبر في اسطنبول “بالخيانة العربية”. في هذا التصور كان العرب هم الذين تخلّوا عن الأتراك، وليس الأتراك هم الذين قوضوا الفكرة العثمانية عن طريق حملة التتريك، وعملية التتريك هذه كانت بدورها النتيجة لهذا التخلي وليس السبب. هذا التشخيص واضح المعالم في مذكرات رفقي: “لا تظن أن هنالك “قضية عربية” في هذه الأراضي الواسعة الممتدة من حلب إلى عدن… كل ما هناك هو تيار معادي للأتراك. فإذا قضيت على هذا التيار سترى العرب ينهارون في دوامة الفوضى”.

لا تفيدنا مذكرات رفقي في التعرف على مخطط جمال باشا في بناء تحالف فدرالي عربي – تركي لتعزيز الصرح العثماني المتهاوي، كما لمح إلى ذلك المؤرخ عمر الصالح. الواضح من يوميات رفقي بيك أن هزيمة جمال العسكرية كانت هزيمة أيضا لأي كيان عربي – تركي محتمل. يخبرنا رفقي عن المرارة التي انتابت قائده عندما عزلته القيادة في اسطنبول وأحلت محله الجنرال الألماني ﭭـون فولكينهاين:

“رفض جمال باشا أن يتخلى عن الحلم السوري، بل أراد أن يعود إلى اسطنبول في نهاية الحرب وهو يحمل الحفاظ على سوريا كهدية للسلطنة. وربما استغلت القيادة ميله اتجاه التبجيل والاستعراض، فعينوه قائداً عاماً لسوريا وللحجاز. وهي رتبة كانت بمثابة رئيس أركان من الدرجة الثانية. ولم يكن جمال باشا هو الذي انهار وإنما ولاية الشام. وبما أن سوريا كانت مهووسة بالرتب العسكرية والميداليات لم تنهر كما تنهار القرى الأناضولية في صمت وفي وحدة قاتلة، وإنما انهارت بصخب محاطة بالأبهة الاحتفالية وفي بزة الجنرالات”.

وفي مقدمة مذكراته التي أطلق عليها عنوان “زيتون داﭼـي” (جبل الزيتون”)، يشير فالح رفقي إلى رمزية الهوية التركية في فلسطين. “أولبرج هو التعبير الألماني للكلمة العربية لجبل الزيتون. أما “زيتون داﭼـي” فهو تعبير من اختراعي، استنبطته كعنوان لكتابي، إذ لم يكن هناك ابداً “قدس تركية”.

ولكن كانت هناك بالطبع قدس عثمانية، وهي المدينة والهوية التي التبس تعريفها على فالح رفقي.

نهاية مرحلة البراءة

تشكل مذكرات الترجمان صرخة مدوية ضد أخلاقيات الحرب. ولكنه لم يبن موقفه هذا على فكر إيديولوجي يدعو إلى السلام بقدر ما كان تمرداً ضد الظروف السياسية التي أدت إلى التشرذم الاجتماعي وفقدان شعور الاستقرار الذي ساد مدينته قبل الحرب. ونراه ينسب كل هذا التدهور إلى هوس القيادة العثمانية التي بالغت في قدراتها العسكرية على حساب الجندي والمواطن العادي. النتيجة في تصوره كانت سياسة التطرف القومي والقمع الإثني ودمار الحرب الذي جاء في ركابها والذي أدى حسب تعبير بيرجير إلى “قلب السياسة على رأسها” والدخول في عالم يسوده الضياع واللاعقلانية.

هذه الظاهرة اللاعقلانية انتقلت من الجبهة الأوروبية – في بلجيكا وفرنسا – إلى الدردنيل والمشرق الغربي حيث خلقت أجواء كارثية أدت إلى شعور بفقدان سيطرة الفرد على حياته ومستقبله. في حالة فلسطين نشهد تقويضاً للقناعات الراسخة نتيجة انهيار السلطة وتشرذم وحدتها الجغرافية. يقوم بيرجير في هذا المجال بالتعبير عن التبعات الوجدانية للحرب العظمى: “لم يتصور أحد الأبعاد الطويلة المدى لقلب السياسة على رأسها – بمعنى هيمنة الإيديولوجيا على السياسة. في الحالة الأوروبية نتج عن الحرب نهاية ما أسماه “حقبة البراءة”:

“سرعان ما دخلنا في شروط جعلت من الصعب تبرير البراءة. تراكمت الأدلة التي منعتنا من الحفاظ على هذه البراءة. وعلى رأسها كانت مسيرة الحرب الأولى والإذعان الجماهيري لظروفها. فالذي حدث هو أن معظم الناس حافظوا على عذريتهم السياسية عن طريق انكار ما يروه بام اعينهم من الفظائع، وهذه الظاهرة ساهمت بتعزيز قلب السياسية إلى إيديولوجيا”.

في فلسطين أيضا ساهم الشعور باقتراب الكارثة بالرضوخ الشعبي للوضع كما نلمسه بملاحظات الترجمان عن ظروف الحياة اليومية في القدس: مصادرة القمح الواسع النطاق من المزارعين لإطعام الجنود أدى إلى رفع أسعار الجبوب والحاجيات في المدن، ومن ثم اختفاء الخضروات واللحوم من السوق. المشاهدات اليومية لطوابير النساء والأطفال (أما الرجال فقد اختفوا من الشارع نتيجة التجنيد) أمام الأفران واقتتالهم على رغيف الخبز، ثم انتشار المجاعة في مدن سوريا وفلسطين وجبل لبنان. كما لاحظ إحسان، فان المجاعة كانت مصطنعة نتجت عن الإجراءات التعسفية للحكم العسكري وليس من نتاج الأحوال الطبيعية. في لبنان (وبشكل أقل في فلسطين)، تضاعفت آثار المجاعة بعد تضييق حصار الأسطول البريطاني على الساحل السوري، وإجراءات جمال باشا داخلياً عقاباً على ما رآه تآمر التيارات الوطنية مع السلطات الفرنسية العدوة. وفي صيف 1915، وصل الجراد إلى القدس وتبعه انتشار وباء الكوليرا والتيفوس فقضى على ما تبقى من الأمل عند الناس.

ظهر الشحاذون في جميع أطراف المدينة – خصوصاً في الشوارع والأسواق. وقد يتراءى للمرء ان التسول ظاهرة أزلية من مشاهد المدينة المقدسة، على الأقل هذا هو الانطباع السائد في أدب الرحالة والحجاج إلى القدس. ولكن لو كان هذا صحيحاً، لما لفتت الظاهرة انتباه كاتب اليوميات وهو الذي أمضى معظم حياته في المدينة. الواقع هو أن ظروف الحرب هي التي أدت إلى تفكك العائلة المقدسية ومصادر قوتها وخلقت جيوشا من المتسولين في طرقاتها. وكما هو الحال في المدن الإقليمية للسلطة العثمانية، اعتمد الفقراء والمعوزون على سلسلة من التكايا التي كانت توفر الطعام والخبز اليومي المجاني لذوي الحاجة. بالإضافة إلى ذلك، حافظت المدينة على نظام التعاضد التقليدي الذي كان ينبري للدفاع عن أبناء طوائفه وشبكات القرابة في محلات (جمع محلّة) البلدة القديمة. إلا أن اشتداد ألازمة الاقتصادية والمجاعة بعد عام 1915 بدأت في تفكيك فعالية هذه العصبيات الاجتماعية، وعلى رأس هذه العوامل، كان غياب عدد هائل من الذكور من أرباب هذه العائلات الذين تم تجنيدهم في الجيش. ولم تكن ماهية الجندي العادي – 85 قرشاً عثمانياً – أو حتى الضابط لتكفي لسد رمق العائلات المستورة الحال. ونرى الترجمان يشكو أن معاشه الشهري لم يكن يغطي حتى نفقات استهلاكه اليومي من السجائر.

خلال سنوات الحرب، أصبح التبغ من السلع المطلوبة والنادرة التي يتهافت عليها السكان في السوق السوداء ومادة المقايضة الرئيسية بين العساكر. في مفكرة الحرب التي بين أيدينا، توجد 12 يومية حول غياب التبغ وتأثيره على معنويات الجنود والمدنيين. مثلا في يوم الجمعة 23 أبريل 1915 يدخل إحسان هذه الملاحظات في مفكرته:

“نفد الدخان من القدس ولم يعد أحد يجد دخاناً مطلقاً وقد استاء الجميع من ذلك وضجوا لفقدانهم التوتون، فقد نفذت عدة أشياء من قبل مثل السكر والكاز والأرز وما شاكل، ولكنه لم يهمّهم ذلك كالدخان. انه والحق يقال لأمر عجيب حتى أن البعض صار يصخب على الحكومة ويلومها لإعلان هذه الحرب”.

كانت القيادة العسكرية تعطي أولويات التوزيع للضباط عند وصول شحنات جديدة من السجائر. وكان هؤلاء يستخدمون مخصصاتهم من الدخان لمضاعفة معاشاتهم الشهرية المحدودة عن طريق بيعها إلى الأنفار خصوصاً عندما تصل الماركات الفاخرة من اسطنبول مثل سجائر “سامسون” و”مراد”.

ومع انهيار الاقتصاد المحلي ظهرت في القدس، أسوة بالوضع السائد حينذاك في دمشق وبيروت ظاهرة جديدة، هي الدعارة العلنية. كان الجيش العثماني قد استحدث في المدينة المقدسة دورا مخصصة للبغاء لخدمة المجندين. ولدينا كتابات معاصرة تشير إلى انتشار ظاهرة العشيقات في أوساط الضباط وأعيان المدينة. ولكن في السنة الثانية للحرب، انتشرت ظاهرة البغاء لخدمة جميع مراتب العسكر – خصوصاً على ضوء عزلة هؤلاء الأنفار عن عائلاتهم وزوجاتهم في الخدمة العسكرية. وبمناسبة ذكرى اعتلاء السلطان محمد رشاد الخامس للعرش، في 27 أبريل 1915، أمر جمال باشا بإحياء هذه المناسبة في حفلة ضخمة أقامها في المنزل العسكري دعي إليها كبار الضباط العثمانيين والنمساويين الحلفاء ورهطا من وجهاء القدس. وتم استدعاء خمسين سيدة من مومسات القدس العاملات في دور البغاء المحلية للترفيه عن الضباط، بينما دُعي إلى الحفل أيضا زوجات الوجهاء المحليين. ويعبر إحسان عن استهجانه لهذا الخلط “الفاضح” بين السيدات المحصنات وبغايا القدس، خصوصاً وأن المناسبة رافقت استشهاد الآلاف من المقاتلين العرب والأتراك في جناق قلعة (جاليبولي). وفي هذه الأثناء يشاهد الكتاب انتشار الدعارة في شوارع البلدة القديمة.

للتدليل على مستوى تدني المستوى الأخلاقي في المدينة في هذه الفترة، يستشهد الكاتب أيضا بحادث أساتذة المدرسة الحكومية في البقعة، الذين ضبطوا برفقة مومسات دعوهن إلى المدرسة خلال ساعات الدوام المدرسي. حينذاك اضطر قائمام القدس أن يطرد المعلمين الثلاثة من وظائفهم، ومن ضمنهم أستاذ العلوم الدينية الشيخ يعقوب الأزبكي. وتدخّل رئيس البلدية السابق فيضي العلمي أفندي – وكان حينذاك ممثل القدس في البرلمان العثماني في الآستانة، بحيث أعيدوا إلى مناصبهم في التعليم مقابل دفع غرامة عينية قيمها 150 قرشاً. على إثر هذه الحادثة كتب الترجمان محتجاً: “أنا أعجب كيف يصوغ للمعلم أن يفعل مثل هذه الأشياء؟ يجب على المعلم أن يكون قبل كل شيء أديبا محمود السيرة، وفي الدرجة الثانية أن يكون عالماً له إلمام بتعليم وتربية الأولاد الصغار. أما نحن والحمد لله فمعلمونا شخصيتهم خالية من جميع هذه الخصال، فلا علم ولا أدب. نعم إن المعلم رجل ويجب أن يتلذذ ويقضي شهواته الحيوانية. ولكن يجب أن يضبط نفسه عن مثل هذه الرغبات الدنيا. وإذا لم يتمكن، كان من الواجب عليهم بان لا يدخل المومسات إلى المكاتب [قاعات الدراسة] أمام الأولاد الصغار ويعلمونهم الرذائل قبل الفضائل. ومعلوم أن الإنسان ميال للشر والسفالات قبل الخير والترفعات عن الأشياء الدنيئة، فكيف بالأولاد الصغار؟”. في تلك الفترة شوهدت العديد من أرامل الجيش القاطنات في الأحياء الملاصقة لبيت الترجمان، وفي باب العامود يبعن أجسادهن في الطرق مقابل قروش زهيدة. وكان إحسان يشاهد أولئك النسوة يومياً في طريقه إلى الدوام مقابل باب الجديد. وفي إحدى الأمسيات، عندما كان مدعواً للعشاء في بيت السكاكيني بصحبة ابن خالته حسن الخالدي، يلتقي بمومسٍ تتسكع بالقرب من الهوسبيس النمساوي.

قلت لحسن: “مسكينة هذه المرأة، فإنها تنتظر شقاءها”. فأجاب “ماذا تقدر أن تعمل؟ فهي تريد أن تعيش. ستأخذ ربع مجيدي أو أكثر تصرفه على نفسها”. مسكينة حالة المومسات، يبعن أعراضهن لقاء بعض دريهمات يأخذون من العشيقة الفجرة ويقضون معهن ويلتذون الملذة الحيوانية. نعم إن هؤلاء المسكينات لهن من أتعس خلق الله وأشقاهن. إني أعتقد بان أكثر المومسات إن لم يكن كلهن لم يدخلوا المهنة إلا عن احتياج أو أنهن فرطّن بأعراضهن لأحد الرجال اللذين كانوا يعدونهن بالزواج. فبعد أن يفعلوا بهم ما يريدون يتركوهن وشانهن. والله إن سبب شقاء النساء وتعاستهن ليس إلا من الرجال فقط ولا عتب من هذه الجهة على النساء”.

ويبدو هنا أن عطف الترجمان على مومسات القدس يعكس تعاطفا مع أوضاع المرأة المسلمة بشكل عام. وكان قد اطلع في نفس الفترة على دعوة قاسم أمين إلى تحرير النساء (“تحرير المرأة”، القاهرة 1899) واعتقد أن تخلف المجتمع العربي بشكل عام متعلق بعزله النساء فيها. وكان يدعو إلى نزع الحجاب عنها، وربط بين الدعوة لحقوق المرأة بالنضال الوطني ضد الهيمنة التركية لحزب الاتحاد والترقي.

المناسبة التي جعلته يستفيق لهذا الوضع كان الحظر الذي فرضته إدارة المعارف في فلسطين على العروض المسرحية في المدارس الحكومية التي تحيي البطولات العربية في التاريخ – وفي هذه الحالة المنع لعرض رواية مسرحية تشخص دور طارق بن زياد في غزو الأندلس. “عجيب أمر هذه الحكومة … نحن نعتقد أن وجودنا تحت هذا النير التركي يضر بصوالحنا فهل تقدر أن تغيّر ذلك؟ لا أظنها تقدر إلا إذا عدلت وأظهرت ميل للحق أو صارت تعاملنا كما تعامل الأتراك … فهي الآن اتخذت بلادنا كمستعمرة من مستعمراتها ونحن لسنا كذلك بل إنما نحن شركائها في الملك”. ثم يضيف:

تكلمت مع حلمي أفندي عن المرأة المسلمة وعن إصلاحها وقلت له يجب الآن تعليمها وتربيتها ثم تركها لتعتني بنفسها. وقلت أيضا أن الحجاب هو المانع لترقيتها، ولكن يجب إن لا ينزع بالمرة لان ذلك يضرها… ثم قلت له “كيف نرتقي نحن إذا كان نصفنا جاهلاً؟ كيف نحي إذا كان نصف أعضائنا قد شُلّت ولم تعد تصلح لشيء؟”

يلاحظ القارئ ان الترجمان لم يكن يدعو إلى الانفصال في هذه المداخلة، وإنما إلى العودة إلى وضع من المساواة بين الأتراك والعرب كان سائداً قبل إنشاء الحكم العرفي. وفي ربيع عام 1915 ساد في القدس، وفي سائر أنحاء الأقاليم الشامية، شعور باقتراب الكارثة. تضافر ضحايا المعارك مع نكبات الطبيعة، أفرز شعورا عاما بالشلل في أوساط المدنيين. “حياتنا مهددة بالأخطار من كل صوب. فحرب أوروبية وحرب عثمانية وغلاء معيشة وأزمة مالية وجراد منتشر في البلاد. وزد على ذلك انتشار الأمراض السارية في البلاد العثمانية وقانا الله منها”. مع تراكم المصائب، تبلور بين الأهالي إحساس باللامبالاة وكأنه آلية دفاعية لما سيـأتي. “من عادتي إذا نزلت عليّ اقل بليّة لا يهدأ لي بال. أما الآن وقد أصابني وأصاب الجميع ما أصابنا لم [اعد] أكثرت بشيء. إن ذلك نابع على ما أظن لتراكم المصائب علينا. فكلما أتذكر واحدة وأفكر بالأخرى تنسيني الثانية الأولى لأنها أعظم منه. وهكذا إلى أن تمر على خاطري جميع هذه البلايا حتى لم أعد أهتم بشيء”.

وبعد مضي سنة كاملة على هذه الملاحظات تتدهور الحالة إلى الأسوأ.

“الاثنين 10 تموز (يوليو) 1916: انقطاع الاغلال. لم ترى القدس أياما أمرّ علينا وأصعب من هذه الأيام من جهة الأكل والشرب. انقطع الخبز والقمح بالمرة في هذه المدة: حتى أن البلدية كانت توزع الخبز على الأهالي والفقراء بعد الساعة التاسعة العاشرة. وإني أذكر مرة كنت نازلاً من المنزل العسكري إلى البيت في الساعة الحادية عشرة رأيت النساء آتين من الأفران ولا اعلم إذا كن أخذن خبزاً اسمراً لم ار طول حياتي مثله. وقد كانت الأهالي تتصارع على اخذ مثل هذا الخبز وينتظرن حتى منتصف الليل”.

فيما استحوذت شراسة الحرب على حياة الناس اليومية، تنامى الشعور المعادي للأتراك وتحول إلى نقمة ضد إجراءات جمال باشا ضد الوطنيين. أدى تكثيف القتال في سيناء وعلى جبهة السويس إلى تجنيد من تبقى من رجال القدس وإرسالهم إلى الجبهة، أو إلى “كتائب العملة” لإنجاز الأشغال العامة في الخطوط الخلفية. في سبتمبر من عام 1915، صدرت الأوامر من قيادة الجيش الرابع بمنع تعيينات العساكر في مناطق سكنهم – وهو إجراء كان سيؤدي عملياً إلى نقل إحسان من عمله المكتبي في القدس وإرساله إلى جبهة القتال في السويس. عندما وصل الأمر إلى قيادة المنزل ازدادت قناعاته ضد النظام:

“أذهب إلى الجول [الصحراء] ولماذا أذهب؟ اذهب لأدافع عن وطني؟ انا لست عثمانياً إلا بالاسم فقط لان وطني العالم [… ] والله لو خيرت وقيل لي لو ذهبت يا إحسان إلى هناك لأخذنا مصر، لو قيل لي هذا وتأكدت من ذلك وعلمت بأنني لا اتعب مطلقاً لما ذهبت.

أما التعبير “لست عثمانياً إلا بالاسم”، فلا بد أنه تسلّل إلى لغة الترجمان من أستاذه خليل السكاكيني، الذي استعمله في مذكراته أكثر من مرة، “لست ادري علام الحكومة العثمانية تريد إبعادي من القدس”؟ كتب السكاكيني قبل إبعاده من القدس. “اينما كنت فاني لست إلا إنسانا محضاً … أعدّ نفسي وطنياً أينما كنت وأشتغل في ترقية الوسط الذي أنا فيه، سواء كان أميركياً او إنكليزيا أو عثمانياً. لا اشتغل إلا في خدمة العلم والعلم لا وطن له …” وفي مكان آخر يقول “لست عربياً ولا إنكليزيا ولا فرنسياً ولا ألمانيا ولا تركياً، بل أنا فرد من أفراد هذه الإنسانية”. وإحسان كما نعلم كان على اتصال مستمر بأستاذه وكان يردد شعاراته ويدافع عن موقفه المعادي للحرب.

إن “عصر البراءة” السابق للحرب يهيمن على طيف الأفكار المثالية التي حملها الترجمان من مواقفه الناقدة للقومية، والمساندة للنساء والمتضامنة مع الفقراء ومجملها يشع بإنسانية هلامية ومبتورة عن أي التزام إيديولوجي اتجاه الأفكار الاشتراكية أو القومية أو الدينية المنتشرة في زمنه. فقد كان متحرراً من إطار فكري ضابط – ريما بسبب طبيعة تربيته الانتقائية – أو في الغالب نتيجة انتصار إيمانه بمفاهيم إنسانية مجردة تشوبها البراءة الساذجة – كما كان الحال في وضع اثنين من مفكري جيله: السكاكيني وميخائيل نعيمة، فيلسوف الفريكة، وهو تيار فكري لم يكتب له أن يعيش طويلاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق