عام الجراد…مذكرات جندي مقدسي في الحرب العظمى: النشأة العثمانية للعسكري إحسان

هذه المقدمة مأخوذة من كتاب “عام الجراد: اندثار الهوية العثمانية في فلسطين”، الذي سيصدر قريباً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت.

جنديان في الجيش العثماني النظامي أتيا من الإطراف العربية لأقاليم الدولة. الملازم ثاني محمد الفصيح ولد ونشأ في مرسين – سنجق الإسكندرون. والعسكري إحسان الترجمان ولد ومات في البلدة القديمة من القدس. تتجلى في حياتهما مظاهر التحول الكبير الذي أحدثته الحرب العظمى في مصير وهوية رعاياها: الانغماس في سياسات الجمهورية التركية الأتاتوركية للأول، والانحياز للقومية العربية عند الثاني. المصير الذي جمع بين الفصيح والترجمان هو أن كلا منهما دوّن بأمانة ودقة يوميات الحرب كما شاهداها، وبذلك نقلا للأجيال اللاحقة سجلاً غنياً لتحول الخطاب القومي الذي فصم عرى هذه الإمبراطورية المتعددة الإثنيات والقوميات.

ولد الفصيح والترجمان في نفس العام 1893 (جميع المعلومات عن حياة محمد الفصيح مستمدة من الترجمة الإنكليزية ليومياته “مذكرات الملازم محمد الفصيح، الجيش الخامس السلطاني، 1915” تحرير حسن بصري دانيشمان، منشورات دانيزلار كتابيفي، اسطنبول 2003. أما المعلومات عن عائلة الترجمان فتأتي من مخطوطة يوميات إحسان الترجمان 1915-1916، وسأشير إلى هاتين المجموعتين أدناه بيوميات الفصيح ويوميات الترجمان) ، وتجندا في يوليو 1914 عند إعلان النفير العام وانضمت تركيا إلى دول المحور المركزي (ألمانيا والنمسا) ضد الحلفاء الروس والإنكليز. وانحدر الاثنان من الشرائح الوسطى والتجارية. والد الفصيح كان موظفاً كبيراً في الجمارك، بينما كان حسن الترجمان والد إحسان تاجراً في البلدة القديمة وصاحب أطيان داخل البلدة وخارجها.

ولا شك أنه من الظواهر الفريدة أن يدون جنديان عاديان من الجيش النظامي مفكرة يومية لتجربتهما العسكرية في بلاد كانت تسود فيها الأمية. ولا شك أن بقاء هاتين المفكرتين ونجاتهما من التلف والتدمير ووصولهما إلينا بعد مائة عام من تدوينهما يعتبر شبه معجزة، لما يحتويانه من الأسرار الدفينة والآراء الحميمة. وتقع أهمية هذه المذكرات في أنها سجلّ لتأثير الحرب العظمى على مجتمعنا وعلى التحول الذهني الذي أصابه وعلى الصدمة النفسية التي خاضها المدنيون والعسكريون في لحظة حددتها.

بعكس الترجمان، الذي أمضى سنوات الحرب “وانا ألعب بشواربي” حسب قوله، ثم استعان بعلاقاته الاجتماعية ليتهرب من الخدمة في جبهة السويس، كان محمد الفصيح جندياً مثالياً ومقاتلاً عنيداً تلقى أوسمة عديدة مكافأة لاستبساله في معارك جناق قلعة في بداية الحرب ثم في جبهات القتال في غزة وبير السبع عند نهاية الحرب. ولم يتردد الفصيح في التعبير عن استعداده للتضحية بحياته في سبيل السلطان والأمة العثمانية. وتظهر مذكرات الجنديان أن القيادة العثمانية نجحت، على الأقل في سنوات الحرب الأولى، في استقطاب الولاء من قبل مواطنيها العرب والأتراك معاً لصالح مستقبل مشترك في دولة متعددة القوميات.

ومن المفارقة ان خلفية هذين الجنديين تعكس تعقيد التركيب الإثني للإمبراطورية بشكل يصعب تصوره اليوم. فعائلة الترجمان – حسب بعض الروايات – كانت عائلة معرّبة من أصل تركي، جاءت إلى فلسطين من منطقة – حلب، بينما كانت عائلة الفصيح من أصول عربية مختلطة. ورغم أن الفصيح كتب مذكراته بالتركية العثمانية، إلا أن نصوصه مليئة بالاستعمال العربي السائد في تلك الفترة. فعندما أراد أن يقوم بالترفيه عن رفاقه القابعين أياما وشهورا عصيبة في خنادق جناق قلعة كان يغني لهم أغاني شعبية دمشقية بمصاحبة رفيقه المرسيني المدعو أجاتي. وكانت مرسين في تلك الفترة مدينة مختلطة من عرب وأتراك في سنجق الاسكندرون. ويبدو أن والد الفصيح كان عربيا، بينما كانت أمه تركية، ذلك أنه انتقل إلى السكن معها في اسطنبول عندما توفي والده. وفي عام 1934 اضطر الفصيح إلى تغيير اسمه إلى محمت قيابالي تمشياً مع تعليمات تتريك الأسماء التي أصدرتها الجمهورية التركية حينذاك. وفي كل الأحوال، كان الغموض الذي يحيط بخلفية الفصيح الإثنية والالتباس الذي يظهره الترجمان في هويته المقدسية، يشكلان علامات فارقة في طبيعة الانتماءات العثمانية في الأطراف العربية للدولة.

{{في خدمة القائد علي روشن بيك}}

ولد إحسان حسن الصالح الترجمان ونشأ في باحة الحرم المقدسي الشريف عام 1893 وتجنّد في الجيش النظامي العثماني في يوليو عام 1914 عند إعلان النفير العام، عندما كان عمره 21 سنة. خدم في بداية العسكرية في الظاهرية في قضاء الخليل، ثم نقل إلى نابلس إلى أن استطاع أن يستعمل اتصالات أبيه وأخواله آل الخالدي لنقله إلى أركان القيادة العسكرية في القدس. وهناك استطاع أن يلتزم بالدوام الوظيفي اليومي في القيادة وينام بعد ساعات العمل في بيت العائلة، قرب باب السلسلة داخل ساحة الحرم.

وفي بداية عام 1915، ابتدأ إحسان في تدوين أفكاره ونشاطاته اليومية للتنفيس عن ضجره من بؤس الحياة العسكرية. وقد فعل ذلك تماثلاً مع أمثولة معلّمه خليل أفندي السكاكيني مدير الكلية الدستورية (المعروفة لاحقاً بالوطنية) الذي بدأ بتدوين يومياته عام 1906، وكان قد اعتاد على قراءة شذرات من هذه المفكرة على أصدقائه المقربين.

عُرفت عائلة الترجمان باسم آل الصالح في سجلات المحاكم الشرعية. وهي عائلة مقدسية معروفة اشتهرت بتوفير عدة أجيال من المترجمين من التركية إلى العربية في المحاكم الشرعية وسلك موظفين الدولة. ونتيجة لهذا التخصص، عُرف آل الصالح بدار الترجمان. ومن أجداد إحسان المعروفين كان قاسم بيك الترجمان الذي أوقف سبيل الترجمان باسمه بالقرب من باب السلسلة عام 1701. كما امتلك ساحة بالقرب من باب العمود وملكيات عديدة أخرى متناثرة في أنحاء البلدة القديمة. ومن أجداده أيضا أحمد بيك الترجمان الذي عاش في حارة الشرف، والتي أصبحت تعرف لاحقاً بحارة اليهود، وهناك أوقف ساحة واسعة عرفت بساحة أحمد بيك. وقد اشتهر قاسم وأحمد بيك كمترجمين في محاكم القدس مثل العديد من أبناء العائلة.

أما والد إحسان، حسن بيك الصالح فقد ورث بعض هذه العقارات من جده وبما أنها في معظمها عقارات موقوفة – وجد نفسه يعيل عائلة كبيرة دون أن تتوفر له سيولة مادية. وهذا يفسر شكوى ابنه إحسان المستمر في يومياته هذه من ضيق ذات اليد.

عاشت العائلة في إحدى سكنات الحرم الشريف الملاصقة لباب السلسلة في بيت من ثلاثة طوابق يطلّ مباشرة على قبة الصخرة من ناحية وعلى ساحة الحرم من ناحية أخرى، وإلى جنوب المسكن تقع حارة المغاربة وحائط البراق. أمضى حسن بيك عقدين من الزمن مع زوجته الأولى دون أن ينجب أولادا إلى أن أقنعته زوجته (حسب الرواية العائلية) باتخاذ زوجة ثانية هي نبيهة الخليلي من سلالة الشيخ على الخليلي وهو من وجهاء القدس المعروفين وأول من انتقل للسكن خارج السور في حي البقعة الجنوبي في بداية القرن التاسع عشر. انجبت السيدة نبيهة ستة أطفال (ثلاثة أبناء وثلاث بنات) كان إحسان أكبرهم. إلاّ أن حسن بيك بقي مخلصاً لزوجته الأولى، صفية واستمر في العيش معها في شقة خاصة في الطابق العلوي من منزل العائلة إلى أن توفيت خلال الحرب.

ونشأ إحسان في رعاية السيدة صفية، واعتبرها والدته الثانية. درس القران في كتّاب الحرم ثم انتقل إلى المدرسة النظامية لمتابعة دراسته الابتدائية، وفي عام 1909 انضم إلى المدرسة الدستورية التي أنشأها خليل السكاكيني بعد إعلان الدستور العثماني. واستمر إحسان إلى نهاية حياته وهو يعتبر السكاكيني معلمه وصديقه ورفيق دربه.

وعندما أعلنت الحكومة النفير العام في أكتوبر من عام 1914، تجند إحسان وتعين في الخدمة العسكرية في الظاهرية ونابلس وكان على وشك أن يرسَل للقتال في جبهة السويس عندما نقل إلى أركان القدس الشريف تحت قيادة الأمباشي على روشن بيك.

كان روشن بيك ضابطاً ألبانيا ترقى داخل أركان الجيش العثماني بسرعة نتيجة ذكائه وقدراته التنظيمية والإدارية، إلى أن وصل إلى منصب قائمقام عسكري، مسؤولاً عن لوجستيات الجبهة الجنوبية، وكان مقره في عمارة دير النوتردام دي فرانس مقابل باب الجديد، وهي عمارة فرنسية حديثة المبنى تمت مصادرتها خلال الحرب. بحكم منصبه الإداري كان روشن بيك أعلى سلطة عسكرية في فلسطين العثمانية يتبع مباشره لرئاسة جمال باشا الكبير قائد الجيش الرابع في دمشق. وكان الأخير يزور القدس دورياً خلال الحرب حيث اتخذ مبنى الأوغستا فكيتوريا النمساوي في جبل الطور مقراً له.

عرف علي روشن بلقب “مفتش المنزل” وكانت مهامه تشمل: تعبئة الجنود في جميع انحاء فلسطين وتدريبهم للقتال في جبهة بير السبع وصحراء سينا، والإدارة العامة للوجستيات الجيش من إطعام العسكر ونقل الذخائر والمعدات وإنشاء المعسكرات في سوريا الجنوبية. وينسب عمر الصالح الانتصارات الأولى للجيش العثماني في معارك الجبهة المصرية إلى قدرات روشن بيك التنظيمية. ومن المعلومات القليلة المتوفرة عنه نعلم أنه قاتل في القدس إلى النهاية، وشوهد وهو يقود كتيبة في معركة النبي صموئيل الشهيرة وبعد انتصار الجيش الإنكليزي بقيادة اللنبي، انسحب روشن مع جنوده إلى قرية الجيب ثم اختفت آثاره من فلسطين. ولم أستطع أن أجد أي إشارة إلى مصير روشن بيك في الأرشيف العسكري العثماني سوى أربع برقيات سرية (مشفرة) تشير إلى أنه قاد حملة ضد مجموعات مسلحة متمردة في منطقة سيواس (شمال حلب) بالتنسيق مع القائد مصطفى كمال.

خدم إحسان الترجمان تحت قيادة روشن بيك بمنصب مساعد كاتب في قيادة المنزل العسكرية. وكانت وظيفته مقتصرة على مراجعة طلبات الإعفاء من الخدمة العسكرية، وتنظيم الملفات والإضبارات داخل بيروقراطية الجيش. وسمح له عمله هذا أن يطلع عن قرب، وأحيانا أن يشارك في النقاشات السياسية اليومية الدائرة بين الضباط الموجودين في فلسطين من أتراك وألبان وبلغار وسوريين. وفي أوساط الضباط الألمان والنمسويين لاحقاً. كما كان شاهد عيان على تردي المعنويات القتالية بين الجنود إثر الهزائم المتراكمة بعد عام 1915.

تنبعأهمية هذه اليوميات، التي دوّنها صاحبها على ضوء الشمعة ليلاً بعد انتهاء الدوام اليومي، في أنها تعكس عالم جندي عادي ومواطن مقدسي في إحدى أهم لحظات التحوّل التاريخي في فلسطين وهي نهاية أربعة قرون من الحكم العثماني وبداية حقبة جديدة مجهولة الهوية حينذاك – عندما أوشك الجيش البريطاني الزاحف من غزة وبير السبع على الوصول إلى القدس، وبينما كان الأسطول الإنكليزي يقصف يافا وحيفا من البحر.

بالإمكان الجزم دون مبالغة بان جميع السير والمذكرات التي وصلتنا من هذه الفترة كانت من تأليف زعيم سياسي (من أمثال عوني عبد الهادي، محمد عزة دروزة، ورستم حيدر) أو قائد عسكري (فوزي القاوقجي) أو رائد فكري (خليل السكاكيني ونجاتي صدقي). تنفرد يوميات الترجمان أو تكاد، بكونها وحيدة زمانها. مشاهدات عسكري بسيط حول رؤيته الحميمية لمدينته المحاصرة، دوّنها بأمانة دون أن أن يراها أحد، وبهذا تصبح هذه المذكرات سجلا نادرا من الأصوات الشعبية المهمّشة – من أصوات التابع – التي وصلتنا من الحقبة العثمانية. ومما يزيد من أهمية هذه الشهادة كونها تجمع بين عالمين انتقل بينها الكاتب في حياته اليومية – عالم الدوائر العسكرية التي عمل بها في دوامه الوظيفي، وعالم الشارع المقدسي الذي كان يعود إليه في نهاية كل يوم. وتحتوي إضافة إلى ذلك على سجل غني من الملاحظات والمشاهدات التي عاشتها فلسطين في عامي 1915 و1916: ظروف العوز التي كابدها فقراء المدن خلال الحرب؛ المصائب والمجاعات التي رافقت غزو الجراد؛ والحرمان الذي نتج عن مصادرة الجيش للمحاصيل والدواب ووسائل النقل.

المذكرات تحتوي جانباً آخر مستتراً، هو تفاصيل الحياة الخاصة التي تظهر نسيج الحياة الاجتماعية في تلك الفترة: حب الكاتب لبنت الجيران، زياراته اليومية لمعلمه وزملائه، اشمئزازه من نمط الحياة المترفة التي كان يعيشها الضابط بينما كان الأهالي يجوعون؛ محاولاته المستمرة والفاشلة للهروب من الخدمة العسكرية؛ دور الإشاعات في بث الذعر (وأحيانا الأمل) في حياة المدينة؛ تحقيقاته للوصول إلى هوية السارق الذي اعتدى على بيت أهله – وشعوره بالعار عندما اكتشف من هو الفاعل؛ خلافة مع والده وعائلته حول هذا الموضوع؛ أخيراً الانهيار والتفكك الاجتماعي الذي صاحب المجاعة والأوبئة والنفي الجماعي في مدن فلسطين. استطاع العسكري إحسان أن يحافظ على عزته وانتمائه لمدينته وتفاؤله بمستقبل بلده دون أن يعلم أن بانتظاره رصاصة ضابط ستودي بحياته في لحظة انسحاب الجيش العثماني من القدس في نهاية عام 1917، ولم يكن قد بلغ عامه الخامس والعشرين.

عالم إحسان مشبع برائحة الحرب وببشائر الكارثة المقبلة. نشعر بها من خلال مشاهد الجوع في المدينة، وفي اختفاء الأكل (والتبغ) من الحوانيت، وفي تدني دخل عائلته، وفي فقدانه الأمل بالزواج من حبيبته. وفي محنة إحسان نسمع صدى المقولة الواصفة للحرب العظمى، “إن الوظيفة الأخلاقية للحرب كانت في استعادة البشر للحقيقة المهيمنة على وجودهم: أن العنف الكامن في طبيعتنا يتفجر برؤية التاريخ كسلسلة من المآسي”.

{{تربية العسكري إحسان}}

تميزّ عالم إحسان برؤيا علمانية معادية للحرب وكل ما تمثله. ومن المفارقة أن نشأته التقليدية في عائلة محافظة ومتديّنة سمحت له – وربما حفزته – أن يتبنى نمط تفكير منفتحا وانعتاقيا. والغالب أن ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى التعليم الذي تلقاه في صغره في مدارس القدس. نعلم من سجلات العائلة أن أباه، حسن بيك الصالح، أرسل أبناءه وبناته للتعلم في كتاتيب الحرم قبل أن ينتقلوا للتعلم في مدارس علمانية. أما توجهه المسالم والمعادي للحرب فلا شك أنه نتج عن تعرضه وعائلته لكوارث الحرب من بدايتها، بما فيها فتك الأمراض المعدية التي انتشرت خلال الحرب العظمى. اعتاد إحسان أن يدون أسبوعيا وفاة صديق أو جار أو قريب من أوبئة الحرب.

أما تفكير الترجمان التحرري فقد يكون نشأ، بتقديري من خلال تفاعله مع نخبة من المثقفين الرائدين في هذه الفترة: عمر صالح البرغوثي وعادل جبر وموسى العلمي وخليل السكاكيني وإسعاف النشاشيبي، بالإضافة إلى ابن خالته حسن شكري الخالدي الذي كان قد أنهى تدريبه الطبي في بيروت. في هذه المجموعة كان إحسان مستمعاً ومراقباً ولا يدلي بدلوه إلا نادراً ربما بسبب صغر سنه. بالإضافة إلى هؤلاء المثقفين يجب إضافة اسم رستم حيدر، نائب رئيس الكلية الصلاحية في دمشق، الذي زار القدس في أكثر من مناسبة حيث التقاه الترجمان في بيت المعلم خليل وأعجب به وبأفكاره الجريئة.

إلا أن الفضل الرئيسي في تربية الترجمان الفكرية يعود بدون شك إلى السكاكيني، أستاذه في الكلية الدستورية التي أنشأت عام 1909. كان إحسان يزور معلمه ورفيقه ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع خلال سنوات الحرب، وقد أخذ عن أستاذه فكرة تدوين تجاربه في يوميات. والأهم من ذلك أنه استوعب من السكاكيني موقفه النقدي تجاه الفكر القومي الضيق ورؤيته الانعتاقية نحو التعليم المنفتح للأطفال وضرورة تحرير المرأة من “أغلالها الشرقية”.

الأفكار المتداولة في حلقة رفاق الترجمان، تشكل تحدياً للرؤية الخاطئة عن نهاية الحقبة العثمانية والمقولة السائدة التي ترى أن الحداثة العلمانية في المجتمع العربي (والتركي) كانت مقتصرة على مدارس الإرساليات التبشيرية (مثل السيمنار الروسي في الناصرة وبيت جالا، ومدارس الفرير في القدس ويافا، ومدرسة المطران في القدس). فالسكاكيني برفقة زملائه من أقطاب النهضة العربية من أمثال المعلم نخلة زريق، استطاع أن يؤسس لنظام تعليمي وطني واجه نظام الإرساليات المذهبي ولكنه التزم بالحداثة التربوية. أُنشأت الكلية الدستورية عام 1909 (وعرفت لاحقاً بالكلية الوطنية) تماثلاً مع رياح الحرية والتغيير الآتية مع الحركة الدستورية العثمانية واحتجاجاً على ضيق أفق التعليم الأرثوذوكسي الإكليركي الذي نشأ السكاكيني في أحضانه. في هذه الكلية تشبّع الترجمان بأفكاره وبقي على اتصال مع أساتذتها وطلابها بعد تخرّجه منها.

اما التيار الثالث الذي أهملته الدراسات التربوية، فهو التيار العثماني المحدث الذي أُدخل إلى النظام التعليمي بعد ثورة 1908. فبعد هذا التاريخ بدأت المدارس الحكومية في إدخال منهاج تربوي علماني على أسس حديثة. وكانت أهم المدارس الحكومية في القدس حينذاك المدرسة الرشيدية التي تخرج منها عدد من الإصلاحيين. كما برز اسم رواد تربويين من الذين تأثروا بأفكار محمد عبده والافغاني، مثل الشيخ محمد الصالح. أسس الشيخ الصالح مدرسة “الروضة الفيحاء” في نفس الفترة واشتهر بتحويل مناهج تدريس التاريخ والجغرافيا والأدب والدراسات الفقهية من التركية إلى العربية.

أما أهم المدارس العثمانية في فلسطين خلال الحرب الأولى، فكانت المدرسة الصلاحية – المعروفة رسمياً “بكلية صلاح الدين الأيوبي الإسلامية”. وقد انشأها أحمد جمال باشا بمبادرة شخصية في مبنى القديسة آن ـ وهو صرح فرنسي مقابل للحرم الشريف ويعود إلى الفترة الصليبية. أسس الصلاحية بهدف تحضير نخبة عربية وإسلامية (من الهند وايران) ذات توجهات عثمانية. اشتملت الصلاحية على قسم للدراسات العليا مدتها سنتان بعد إنهاء الدراسة الثانوية، احتوت على منهج فقهي ومنهج علماني وبذلك تكون أول مؤسسة للدراسة الجامعية في فلسطين في تلك الفترة.

تأسست الصلاحية عام 1913 واشرف على ادارتها ثلاثة رجالات من الموالين شخصياً لسياسات جمال باشا: الشيخ عبد العزيز الشاويش وشكيب أرسلان وعبد القادر المغربي. وكان ثلاثتهم من أنصار تركيا الفتاة ومن دعاة حزب الاتحاد والترقي. اما أهم اساتذة الصلاحية فكان رستم حيدر (1886-1940) المذكور أعلاه والذي انشأ جمعية العربية الفتاة السرية عام 1911 بالتعاون مع عوني عبد الهادي واحمد قدري. ويظهر حيدر بشكل بارز في يوميات الترجمان كداعية للاستقلال العروبي. كما يظهر أيضا في مذكرات السكاكيني عندما هرب الإثنان من الحكم العثماني في دمشق للالتحاق بركاب الثورة.

ومن معلمي الصلاحية أيضا إسعاف النشاشيبي وعادل جبر وكلاهما من الشخصيات الثقافية البارزة التي نلتقيها في مذكرات الترجمان. درّس الأول اللغة والأدب العربي، بينما درس الثاني اللغة الفرنسية والجغرافيا. السكاكيني أيضا كان من اساتذة الكلية الصلاحية عندما كان يسمح له برنامجه التعليمي المكتظ في الكلية الدستورية.

يعبّر الترجمان في يومياته عن عداء مكتوم اتجاه النشاشيبي وجبر بسبب سلوكهما “الاستعلائي والمتعجرف”، إلا أن عداءه يصل إلى ذروته تجاه عادل جبر الذي كان الترجمان يراه من أعوان جمال باشا المخلصين، فهو يتهمه مرتين بأنه عميل للدولة! وفي إحدى الروايات، دوّنها في 15 مايو 1915، يذكر أن جبرا سافر إلى يافا في مهمة لجمال باشا. ويبدو من السياق أن سفره كان له علاقة ببعض الترتيبات الإدارية للكلية الصلاحية. وفي نهاية هذا الإدخال ينسب الراوي حديثاً إلى ابن خالته حسن شكري الخالدي حيث يدعي الأخير ان عادل جبر “جاسوس عثماني”. أما جبر نفسه فلم يكن يخفي تأييده العلني لجمعية الاتحاد والترقي ودفاعه عن الحكومة العثمانية وسياستها في نقاشات حامية مع النشاشيبي والسكاكيني وموسى العلمي. وبقي على موقفه هذا إلى نهاية الحرب.

وتعكس حدة هذه النقاشات المواجهة الصاعدة في ذلك الحين بين أنصار الانفصال العربي عن الدولة وأنصار الفكرة العثمانية داخل النخبة الفلسطينية والسورية. ولا يوجد أي دليل مقنع لاتهامات الترجمان والخالدي ضد عادل جبر. ومن الجائز أيضا أن هذا العداء كان مبعثه سببا شخصيا، هو منافسة الأخير الترجمان على حب ثريا، معشوقة إحسان.

من ناحية أخرى فان جمال باشا ساهم في تأجيج الصراع بين التجمعات السياسية العربية عن طريق تبنيه لما أسماه “التيارات الوطنية المعتدلة” ضد “المجموعات العربية المتطرفة”. وكان يرى في الكلية الصلاحية التجسيد التربوي لبناء كادر من العرب الوطنيين الموالين للنظام العثماني الجديد. هدف آخر للصلاحية كان تعزيز قاعدة فكرية لحركة إسلامية مجددة تدين بالولاء للدولة العثمانية. ويرى المؤرخ الألماني مارتين ستروماير أن هدف جمال من إنشاء الكلية كان تدريب كادر “من المثقفين دينياً ومشبعين بأفكار محمد عبده لمعالجة المفاهيم العلمية والعلمانية الحديثة”. وكان معظم المساهمين في حلقة السكاكيني الفكرية – وهم نواة “حزب الصعاليك” الذي انشأه عام 1918 – من المعجبين بعبده والأفغاني، إلا أن العديد منهم تجاوز هذه الرؤية وفكرة الإصلاح الإسلامي باتجاه ثقافة علمانية وطنية ناقدة للفكر الديني برمته.

عندما هدد الجيش البريطاني منطقة القدس من الجنوب، أمر جمال باشا بنقل الكلية بمعلميها وإدارتها وطلابها إلى دمشق. وفي النهاية فشلت الصلاحية في تحقيق أهدافها لسببين: لم تنجح أولا في اجتذاب طلاب من خارج المناطق السورية – الفلسطينية (وتحديداً من الهند وأندونيسيا) كما ابتغى لها جمال باشا. كما أنه لم يكتب لها أن تحافظ على وجودها لفترة كافية تسمح لها بالتطور ككلية رائدة ذات منهاج خاص بها. وعندما اقتربت القوات البريطانية باتجاه المدينة، اضطر جمال باشا أن ينتقل بالكلية وطاقمها إلى دمشق. إلا أن معظم مدرسيها – بمن فيهم السكاكيني وحيدر سرعان ما تركوا الكلية والتحقوا بقيادة الثورة العربية في جبل الدروز.

نعود إلى تربية الترجمان. تابع إحسان قراءاته الفكرية في المنزل العسكري بعد تجنيده بشكل متقطع وعشوائي. احتوى بيت العائلة مجموعة قيّمة من الكتب بدليل أن إسعاف النشاشيبي وموسى العلمى كانا يقترضان المجلدات منها. كما أضاف إحسان بعض المقتنيات إليها خلال دراسته في الكلية الدستورية. وفي الساعات الطويلة والممّلة التي كان يمضيها في الدوام العسكري، اعتاد أن يطالع الزمخشري وأمهات أخرى من التراث العربي يذكرها في يومياته، منها “تاريخ الحضارة العربية” لمحمد كرد علي الذي كان من أنصار اتجاه التجديد الإسلامي في الإصلاحية. كما كان الترجمان معجباً بكتاب “تحرير المرأة” لقاسم أمين (القاهرة 1899).

إلا أن شغفه الأساسي كان بالروايات الغرامية التي بدأت تتوفر بطبعات رخيصة مستوردة من مصر في تلك الفترة. وكثيراً ما نجده يطالع الكتب الجنسية المتوفرة في عناوين مختلفة مثل “اختيار الزوجة” و”ليلة العرس” و”حياتنا التناسلية”. والغالب أن هذه السلسلة كانت كتبا مترجمة محلياً من الفرنسية والإنكليزية كان يطالعها بالسر خلال ساعات العمل خوفاً من رقابة أبيه. ويخبرنا إحسان كيف كان الضباط في قيادة الأركان من عرب وأتراك وألبان (من أمثال فارس أفندي وإسماعيل الماني) يوبّخونه كلما باغتوه وهو يطالع خلال ساعات الدوام، من دوافع معادية للقراءة بشكل عام أكثر منها حرصاً على الانضباط العسكري. على الأقل هذا ما يدعيه صاحب المذكرات.

اخيراً كان الترجمان شغوفاً بمتابعة الصحافة السياسية الهزلية وعلى رأسها جريدة “الحمارة القاهرة” التي كانت تصدر في يافا والتي اعتادت أن تهزأ من قيادة حزب الاتحاد والترقي، مما يدل على أن الرقابة العثمانية على المطبوعات لم تكن تطبق تعليمات الحكومة خلال سنوات الحرب بالصرامة التي أشيعت عنها فيما بعد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق