عبادة الحب عند العرب: مفتاح للفهم

ظهرت عبادة الحب عند العرب في الألفية الميلادية الأولى، بل كان عندهم عبادتان. الأولى، هي عبادة الحب الأفلاطوني المضني، السِّرّيِّ، الذي لا يجرؤ على الإفصاح عن نفسه، ولذلك لا يقابَل بالمِثْل. وقد عاش هذا الحب في الإنسان على شكل مرض يكويه ويميته، فيفضي به إلى الجنون، ويجعله مجنوناً.

وقد انتشر هذا الحبُّ- الهوسُ في العالم العربي والفارسي كلِّه، إلى أن تسرّب أيام الحروب الصليبية من هناك إلى أوروربا.

وانعكس هذا الحبّ، ولكنْ بصورة مخفَّفة، في حبّ الفروسية إبّان القرون الوسطى، ثم في الحب الرومنسي من العهد الجديد. فحتّى في القرن التاسع عشر كان أبناء روسيا الحسّاسون يذهلون ويتجمّدون وهم يقرأون قول الشاعر العربي:

      أنا من قبيلة بني عذرة،

      الذين يموتون عندما يحبّون(1).

والعبادة الثانية معروفة لدينا من خلال الحكايات المبكِّرة في "ألف ليلة وليلة". إنها عبادة الحب الجسدي، العبادة الشرقية للحب بوصفه المتعة الأحلى في الحياة. وقد تجلّى في هذه العبادة نمطٌ مختلف تماماً عمّا في أوروبا، هو نمطُ موقفٍ من الحياة، هو سيكولوجيا أخرى من حيث مبناه القومي.

إن الحب عند العرب عيدٌ، مأدُبةٌ فيها جميع أصناف المشاعر، يشارك في ملذّات الحب عندهم جميع الأحاسيس البشرية. عندما يلتقي العاشقان يتوضّآن، يتطيَّبان بالعطور، ويرتديان أجمل الثياب. يتناولان الطعام اللذيذ، يشربان أفخر الخمور، ويستمعان إلى الموسيقى والغناء. يتنقّلان ببطء من مُتعة إلى أخرى، إلى أن يقتربا من ذروة الملذّات الحسّيَّة. ولا ينتقلان إلى إشباع أحاسيسهم الأخرى إلا بعد إشباع حواسِّ الذوق والسمع والبصر، بعد أن يكونا قد تكهربا، وأُثيرا، وباتا مستعدِّين للهجوم.

هذه الإثارة لجميع الأحاسيس الجسدية هي الخصوصية الأولى لعبادة الإمتاع الشرقية، هي الفارق الرئيس الذي يميِّزها من عبادات الحبِّ الأخرى.


لقد كان عند العرب تراثٌ كامل، ثريٌّ ومتشعِّبٌ، من ضروب الإجلال العظيم للجسد البشري. كلُّ شيءٍ متميِّزٌ في التعامل مع الإنسان: المخاطبة، القبلات، العناق، النظرات واللمسات، هناك سجلٌّ كامل من هذه الطرق في الحب العربي. ما من زاوية من زوايا الجسد البشري ظلّت بعيدة عن تصنيفات الحب عندهم.

هذا الحبُّ البهيج كان ما يزال بعدُ في كثيرٍ من جوانبه تعبيراً فطريَّاً عن أهواء نمطية، وليس عن أهواء فردية. ليست السمات المميَّزة هي التي كثيراً ما كانت عاملَ جذبٍ بين الرجل والمرأة، ليست الصفاتُ الشخصية التي لا تتكرَّر، وإنما ملامح "النوع"، أي الميزات الرِّجاليّة عندهم، ولكنَّه يأتي بطريقة واحدة تماماً. فلكلِّ جُزء من أجزاء الجسد، ولكلِّ تجلٍّ من تجلِّيات الحبِّ قوالبُه (كليشيهات) الشعريَّة، وأنماطُه المكرورة الثابتة.

يقولون عن المرأة: الرمحُ يخجل من رشاقة قدِّها؛ وبَريقُ وجهِها يحجبُ البدر، فجمالها أقصى حدود المشتهى؛ و خدّان مثلُ شقائقِ النُّعمان… وشفتان قانيتان كالمرجان، أسنانها كاللؤلؤ المنظوم، لها جِيدُ غزال، صدرُها لَوحُ مرمرٍ، نهدان كالرمّان، بطنٌ بديع، وسُرَّةٌ تتَّسع لأونصة من المِسك…

هذا، أو ما يشبِهه، هو ما يقال عن النساء جميعاً في الحكايات، وكلُّ أجزاء الجسد البشري موصوفة بهذه التشبيهات. إنها صوَرٌ ثابتة، لا تتغيَّر، تنتقل في الوصف من إنسان إلى إنسان. لقد استقرَّ استخدامها مرّة وإلى الأبد. ليس استخداماً شخصياً، هو استخدام سائد، معتَمَد.

إن الصدارة في الحبَّ، في "ألف ليلة وليلة"، هي لعبادة الجمال البدائي والمقبِل على الحياة، المفعَم بوحدة الوجودpantheism الشرقية، باتحاد الإنسان والطبيعة. لقد كان العرب يغرفون تشبيهاتهم، بطريقةٍٍ عاصفةٍ لا يقف في وجهها شيء، من جميع العناصر، من الحَور والرمح، المرمر والجيبس، المرجان وأزهار عِرف الديك، والكَرَز والنجوم. إن الجسد البشري بالنسبة لهم هو أعظم تكثيف للجمال، هو شَعرَنة الجمال، والافتتان الجمالي بمحاسنه الروحانية التي كانتِ الخيطََ الناظم لعبادة الحب في ذلك الزمان.

لقد كانوا يولُون الحب في الشرق أهمية عظيمة، ربّما لا مثيلَ لها من قبلُ، بل وانعكست عبادة الحب في تصوراتهم عن الحياة الآخرة (ما بعد الموت). إذا كان عقاب الحب الجسدي في الأديان الأخرى هو احتراق الناس في النار، فإن الإنسان في الشرق يكافَأ بالحوريات اللاتي يعشن في جنّة المسلمين.

وقد وجدت عبادةُ الجسد هذه، خلال القرون 14- 16 ميلادية، تجسيدها المفصَّل في رسالة الشيخ النفزاوي "الروض العاطر في نزهة الخاطر". ووصلت هذه الرسالة إلى أوروبا بفضل "موناسّان"، إذ حصل عليها من ضابط في الجيش الفرنسي الاستعماري الذي كان يحارب في الجزائر. وعندما تُرجِم "الروض العاطر" في فرنسا وإنكلترا أحدث صدمة بصراحته المدوِّخة.


إن الجنس في "الروض العاطر…" قوَّةُ جذبٍ لا تُقهَر، فروسيّة عاتية عملاقة، بل والفرسان هناك أكثر عدداً من الفارسات بكثير، وهم أكثر ظَفَرأً منهنَّ أيضاً. إذ يستطيع الفارس في ليلة واحدة أن يأتيَ ثماني عشرة عذراء، أو أن لا يتوقَّف عن جماع نساء مختلفات مدَّة ثلاثين يوماً، أو أن يظلَّ مستمرّاً مدّة ستِّين يوماً في مضاجعة امرأة حتى ينهكها، بعد  أَن لم يستطِع أيٌّ من الرجال قبله إشباعَها.

لكنْ – واأسفاه – ليست هذه إلا أساطيرَ أبديةً، موغلةً في القِدم، تتحدّث عن الفحولة العملاقة في الجنس، وعن قوّة الرجال المظفَّرة.

إنّ "الروض العاطر…" مليء بسيكولوجيا أبويّةٍ تقوم على تمجيد الرجال وكُرْهِ النساء. وبوجود هذه السيكولوجيا عند الرجال والنساء تنتفي إمكانية قيام أيِّ حبٍّ بينهما، ولذلك يتحوَّل الجنس إلى معركة، إلى حرب بين قوَّتين لا تشبعان، بين دبّوس (عصا تنتهي برأس غليظ) ذكوريٍّ، وحفرةٍ نسائيةٍ لَزِجةٍ لا تشبع.

ويتكشَّف الخَللُ، انعدامُ التواون، بين الرجال والنساء في الفصول التي تتحدَّث عن المكروهِ من الرجال، والمكروه من النساء.

فالمكروه من الرجال عند النساء "صغيرُ الذَّكر، فيه رخوةٌ ويكون رقيقاً". إذ لم تكن المرأة، في فَهْم ذلك الزمان، بحاجة إلى شيء في الرجل إلا إلى ذَكَرِه. ذلك أن المرأة لم تكن في نظرهم إلا صاحبة فرْج هي عبدة له، إذ نقرأ في "الروض العاطر" أن دِين النساء وعقلهن في فروجهن.

ولهذا السبب تحديداً كانت عيوب الرجل، في نظر النفزاوي، محصورة في عيبٍ واحد فقط، وهو ضعف عضوه الجنسي. بينما دائرة عيوب المرأة تتسع كثيراً لتشمل عيوب فرجها، وعيوبَ نفسِها، وطبعِها، وسلوكِها وعاداتِها… ولكننا نسمع في "الروض العاطر" نغمة عالية معاكسة. فـ "في كيفية الجماع" (الفصل السادس) يشدِّد المؤلِّف على دعوة الرجل كي يولي المرأة اهتمامه، فيستخدم الطرق والأساليب التي تمكِّن الطرفين معاًمن بلوغ المتعة: "فإذا فعلتَ ذلك تأتي شهوتكما جميعاً، وذلك يقرِّب الشهوة للمرأة، وإذا لم تَنَلِ المرأة غرضها لا تأتيها شهوة".

وهكذا لا يعود الأمر صراعاً ومعركة بين غريمين، بين أعداء هم "أنا"، "نحن"، "كلانا"، وهذا ما يؤدِّي بالطرفين إلى بلوغ المتعة القصوى.

إن "الروض العاطر" يختلف كثيراً عن قصص الحب الباكرة في "ألف ليلة وليلة". فما كان هناك منثوراً مثل ذرّات الذهب، نجده مكثَّفاً هنا في سبيكة من ذهب، أي في عِلْمٍ واحدٍ عن الشهوة، في عِلْمٍ أكثر غنى وتشعباً بكثير.

وينطبق هذا أكثر ما ينطبق على تصنيف أنواع النكاح، أنواع مختلف أشكال الجِماع، مختلف أنواع العضو الجنسي عند المرأة والرجل، مختلف شهوات الجسد وطرق إطفائها، مختلف الأطعمة التي تزيد القوة الجنسية عند الرجل والمرأة وتحميهما من الأضرار. إن "الروض العاطر" يغصّ بهذه التصنيفات، وهو في ما يخصُّ أنواع العضو الجنسي عند المرأة والرجل يتفوَّق كثيراً على الإيروسية الهندية والصينية.

فأسماء هذه الأعضاء الجنسية مرئيةٌ تماماً ومعبِّرة. إذ من أسماء فرج المرأة، مثلاً، العصّ، الدّكّاك، الثقيل، النفَّاخ، العضّاض…إلخ؛ ومن أسماء عضو الرجل: الخَبّاط، المتطلِّع، والزدّام، القصيص…إلخ. ونحن نلمس في هذه الأسماء روح السخرية والهزء، فلعلّها ليست وليدة القصور، بل هي وليدة روحٍ أكثر شعبية وبُعداً عن الرهافة والتمجيد…

وعموماً، فإن "الروض العاطر" أكثر بساطة، وكثيراً ما يكون أكثر فظاظة من "ألف ليلة وليلة". فليس فيه ذلك الإفراط في تزويق الحب والمرأة، ليس فيه ذلك الإجلال الجمالي الاحتفالي لجمال الحس والجسد. بل الغَلَبَة فيه للنزوات الأكثر جسدية، الأكثرِ أرضية، والأكثرِ ابتذالاً أحياناً. وهو مليء بعقلٍ سليم من نوع خاص، بعقلٍ قويمٍ، هادفٍ مُصِرٍّ على بلوغ غايته، ولكنه لا يخلو من مَكرٍ.

على أن في هذا العقل السليم ما ليس عقلاً سليماً أيضاً، فيه الأسطورة والحكاية وخداع النفس. ففي رسالة النفزاوي مبالغة في الخوف من ضرر الجنس، وقصصٌ مريبة عن عقم النساء والشفاء منه، وحكايات سحرية عن الأطعمة التي تمنح  الرجل قوة جنسية خرافية…

ولكنْ، لعلَّ الأسطورة الأطولَ عمراً، وما تزال حيّة على الأرض حتّى الآن، هي الأسطورة التي تزعم أن حجم الذَّكَر عند الرجل يلعب الدور الأوَّل في الحب الجسدي. فإذا كان العضو كبيراً كان الرجل قديراً، وإذا كان صغيراً كان الرجل هزيلاً، عديم القيمة.

إلا أن أهل المعرفة، سواءٌ في ذلك قدماءُ العارفين وعلماءُ الجنس اليوم، يعرفون منذ زمنٍ بعيد أن المهارة في الحب الجسدي أهمُّ من الحجم. فقد يكون الرجل كبيرَ العضوِ، ولكنه لا يُحسِن التصرُّف، عديمُ الحِذق، فظٌّ. ويمكن التعويضُ عن صغر العضو بكثرة المهارة، بل وبالمهارة دون زيادة.

لقد تعلَّم الناس منذ قديم الأزمنة تعويضَ صغر العضو بمزيدٍ من الحنكة، وبحركات دائرية ومكوكية تزيد من قوّة احتكاكه.

ويعوَّل هنا على خصوصية الأوضاع التي تتَّخذها المرأة كي تساعد العضو على الولوج عميقاً، وتضِّقَ عليه الدخول في الوقت نفسه، لمعانقة الضيف بقوّة أكبر. هذا ما يتحدَّث عنه، وإن قليلاً، كتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر" (ولا سيّما الفصول 6و12و18)، وكتب الحب الهندية والصينية، وكثير من الكتب اليوم.

زِدْ على ذلك أن علماء الجنس يؤكِّدون اليوم مسألة في غاية الأهمية يمكن أن تشجِّع من كان "صغيرَ العضو". فكلَّما كان العضو صغيراً في الحالة الطبيعية ازداد حجمه عند الانتصاب (مرّتين، أو ثلاث مرّات). وهذا يعني أن الفرق بين العضو المتوسِّط والعضو الصغير يقلُ إلى أن يزول تماماً أحياناً.

بَدَهيٌّ أن في "الروض العاطر…" (وفي "ألف ليلة وليلة" أيضاً) جملةً من التصورات البالية والخاطئة، غير أن أهمَّ ما فيهما هو ذلك العدد الكبير من اللُّقى والاكتشافات العظيمة التي أسفرت عنها عبادة الحب عند العرب. ولعلَّ هذه اللُّقى والاكتشافات، إذا ما صُقِلت وأُدرِجت في عِداد الإنجازات الحديثة، تصبح جزءاً من ثقافة الحب الجديدة التي تتخلَّق على شكل سبيكة تتألَّف من الذُّرى الرئيسة في جميع ثقافات الحب عند البشر.

هامش:

1-  لم نعثر على أصلٍ لهذا البيت في الشعر العربي. ولكننا نقرأ ما يؤدِّي هذا المعنى في كتاب ابن قيِّم الجوزية "روضة المحبِّين…":
"يُروى أن سعيد بن عقبة سأل بدوياً، ممن أنت؟ فأجاب: من أولئك الذين يموتون عندما يحبّون. فقال سعيد: وكيف كان ذلك؟ فأجاب البدوي: لأن نساءنا جميلات، ورجالنا عفيفون". (انظر: ابن قيِّم الجوزيَّة. روضة المحبين ونزهة المشتاقين. تحقيق أحمد عبيد. المكتبة التجارية الكبرى. القاهرة، 1956، ص336- 337). – م.

–    المحرّر: ما نسبه الكاتب الى شاعر هو خبر سائر في كتب الأدب، ومن رواياته "..قال سعيد بن عقبة لأعرابيّ : ممّن أنت؟ قال : من قوم إذا عشقوا ماتوا. قال : عذريّ وربّ الكعبة"
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق