عبده خال… شغفه بالحكاية دفعه إلى تحريض «المختلين» على البوح والهذيان / عبد المحسن يوسف

كلما هممت بالكتابة عن «عبده خال» – الحاصل على جائزة بوكر العربية هذا العام – تلبسني تردد كبير، وكبّل قلمي العجز، وملياً كنت أجلس إلى بياض الورق غارقاً في الصمت، حائراً حيرة بحار راوغته الزرقة وأضنته الأنواء: من أين أبدأ والذكريات كثيرة والمواقف أكثر؟ وهل بوسعي الكتابة عن صديق كلما حدقت في مرآة نفسي أبصرته؟ وهل بوسع كاتب أن يكتب عن نفسه؟ أعني عن توأمه وقرينه بطلاقة من يكتب عن سواه؟

على أي حال هنا محاولة للبوح.

– في أواخر عام 1982، وضعت الرحال في جدة للالتحاق بالجامعة، سكنت في حي الهنداوية، وتعرفت على عدد من شباب الحي إلا أني شعرت شعوراً حاداً بأنني سقطت في غربتين: غربة مردها فراق الأهل وجزيرة فرسان التي لم أبتعد عنها طويلاً من قبل، وغربة دافعها أنني بت أعيش وحيداً كون الأصدقاء الذين تعرفت إليهم لم يكونوا يشاطروني اهتماماتي، حتى في الجامعة لم أعثر بين زملائي على الكثيرين ممن يشبه ميولهم ميولي، فقد استعمرت الجميع ثقافة الأقدام!

– ذات مساء، وبينما كنت أقف في مدخل الحي، غارقاً في الضجر، أحدق في الفراغ السحيق، وأتأمل وجوه العابرين، أبصرت شاباً في عمري تماماً يدخل «الحارة» متأبطاً صحفاً وكتباً، تابعته بعينيّ مغتبطاً حتى ابتلعه الزقاق الضيق المؤدي إلى بيوت تقع مباشرة خلف البيت الذي كنت أقطنه. همست لنفسي: ستكون محظوظاً لو تعرفت على هذا الشاب، وتساءلت في حيرة: كيف السبيل إلى ذلك يا من تتصبب خجلاً.. يا من تظل تفرك الأزمنة بين يديك كلما أبصرت غريباً في الجوار؟

– في ليلة من ليالي الضجر والغربة قررت الذهاب إلى بيت قريب لي ممن يسكنون في جدة منذ أكثر من أربعين عاماً؛ لسفك دماء الوقت! وهناك التقيت ذلك الشاب الذي أبصرته يتأبط صحفاً وكتباً، كان يلعب «البلوت» مع عدد من الشباب، إنه عبده خال.. تعرفت عليه عن قرب وأصبحنا من تلك الليلة صديقين حميمين.. كان مثلي شغوفاً بالقراءة والكتابة، وكان يعاني من غربة تماثل غربتي فأصدقاؤه الذين يشاطرهم السهر ولعبة الورق لم يكونوا معنيين باهتماماته الثقافية، بل كان يعاني من دعاباتهم الساخرة حين يأتي على ذكر الأدب أو حين يتحدث عرضاً عن قصة جديدة كتبها، حين عرف ميولي تفتح الربيع في أعماقه وتحركت في داخله أشجار الفرح، وصدق جدنا أمرئ القيس حين قال: «إن الغريب للغريب نسيبُ». عرفت – في ما بعد – إنه ابن قرية «المجنة» من قرى منطقة جازان، وأن أسرته هاجرت إلى جدة منذ زمن بعيد، وعلى رغم ذلك ظل عبده محتفظاً بالكثير من المفردات الجيزانية آتية من أطياف لهجة ظلت تسكنه عميقاً، وهو الذي غادر منطقته التي هي منطقتي نفسها صغيراً كبرعم غض.

– في مستهل عام 1983 انضم عبده إلى كوكبة المحررين في «عكاظ»، في تلك الفترة تحديداً، أجرى معي حواراً طويلاً، بيد أنه لم ينشره في الصحيفة التي يعمل بها وإنما نشره في مجلة «اقرأ» – وقد كانت من المنابر الثقافية الحية – نشر الحوار على ثلاث صفحات، وحين رآه الدكتور هاشم عبده هاشم «رئيس تحرير عكاظ» منشوراً في منبر غير المنبر الذي يعمل فيه عبده غضب منه غضباً شديداً، وعاتبه بحدة، ولما سكت عن هاشم الغضب استدعاه إلى مكتبه، وسأله عني، ويبدو أن لغة الحوار الذي جاء بعنوان «لقد التهم الذباب الزمن وانتهى كل شيء» – وهي عبارة اقتبستها من سلفادور دالي – راقت له كثيراً، فما كان منه إلا أن طلب من عبده أن يصطحبني معه إلى مكتبه ليراني، وبعد مماطلة وتردد كبير مني وإلحاح أكبر من «عبده» ذهبت، وهناك طلب مني الدكتور هاشم العمل محرراً متعاوناً في القسم الثقافي، رفقة الأصدقاء عبده خال وسعيد السريحي ومحمد الطيب. وفي «عكاظ» أحاطنا الصحافي الكبير مصطفى إدريس – وقد كان قريباً من المناخ الثقافي العام – بعنايته الكبرى وموهبته الفذة.

– في القسم الثقافي الذي كان يصدر ملحقاً ثقافياً صاخباً يُعنى بالكتابة الحديثة في ثماني صفحات، لم تكن الغرفة ـ التي نعمل بها ونصدر منها ذلك الملحق الذي كان يقيم الدنيا ولا يقعدها ـ تتسع سوى لأربعة مكاتب، واحد للسريحي، وثان للناقد السوداني الجميل محمد الطيب ـ يرحمه الله ـ وثالث لأحمد عائل فقيه (الذي انضم إلينا في ما بعد) ورابع كنا نعمل عليه لسنوات أنا وعبده، ولم يخطر ببال أحدنا المطالبة بمكتب خامس، بل كنا نستخدم هاتفاً واحداً، إذ لم تكن المظاهر الباذخة تستهوينا أبداً.

ما كان يزعجني أحياناً ويزعج عبده اختلاف عاداتنا، فهو يؤثر العمل على مكتب غارق في الفوضى تاركاً أعقاب سجائره ـ وقد كان يدخن بشراهة ولا يزال ـ منتشرة في كل مكان من سطح المكتب، أما أنا فقد كنت أميل إلى الترتيب والتنظيم وأؤثر العمل على مكتب مرتب ونظيف! ومع هذا كنا نعمل سوياً بحب وتسامح نادرين، كنا ندلف إلى القسم الثقافي في السادسة مساءً ولا نغادره إلا بعد منتصف الليل، ولا أبالغ إن قلت إننا أحياناً نغادر عند الثالثة صباحاً مستمتعين بما كنا ننجزه من عمل.

– حين كنا طالبين في الجامعة، شغف عبده بدراسة «العلوم السياسية» وكان مجال تخصصي»الإعلام»، ومع ذلك كنا شغوفين بالأدب، إذ كنا نحن المنتمون إلى شريحة «الخبز الحافي» ننفق مكافأة الجامعة على شراء الكتب والمجلات الثقافية المميزة، كنا نذهب معاً إلى مكتبة «الخطابي» بشارع الميناء، نبتاع منها ما نجده فيها من مجلات، مثل»الطليعة» و»الأقلام» العراقيتين، و»اليمن الجديد»، و»الآداب»، و»الدوحة»، و»القاهرة»، و»العربي»، و»الثقافة الأجنبية»، و»إبداع»، و»الهلال» وسواها. كما كنا نذهب إلى مكتبة الدار السعودية للنشر والتوزيع في شارع قابل لنبتاع منها بعض الدواوين الشعرية، خصوصاً تلك التي تصدرها «دار العودة» إضافة إلى ما نجده من روايات ومجموعات قصصية وكتب في الفكر والنقد، وللأسف فقد تحولت تلك المكتبة التي كنا نراها في ذلك الوقت وحيدة ومميزة إلى دكان صغير لبيع الأحذية!

– كان كل منا يمتلك مكتبة صغيرة، وكنا نستعير من بعضنا ولا نعيد ما نستعير، وعندما كان الشاعر الكبير سعدي يوسف يرسل لي نسخة من مجلة «المدى»، والقاص الكبير زكريا تامر يرسل لعبده مجلة «الناقد»، كنا نتبادل قراءتهما، وأزعم أن عدداً من كتب عبده ما زالت حتى اللحظة تقبع على رفوف مكتبتي، وأن عدداً من كتبي لا تزال تقبع في مكتبته، ولم يخطر ببال أحدنا استرداد كتبه من الآخر، ولأننا كنا شغوفين بقراءة الكتب الثمينة ـ في زمن كان فيه الكتاب النفيس صعب المنال جراء الرقابة الصارمة ـ فقد طفقنا نستعير من الأصدقاء الذين كانوا يسافرون دائماً إلى القاهرة وبيروت ودمشق والمنامة بعض الكتب الرائعة ولم نكن نعيدها إليهم، إلا إذا أغرانا أحدهم بأن لديه الكثير من الكتب المميزة التي بوسعه إعارتها لنا فيما لو أعدنا إليه كتبه التي استعرناها في المرة الأولى، هنا كنا نستجيب بفرح طفولي نادر، إذ من الغباء الاحتفاظ بكتاب مستعار تسنت لنا قراءته، طالما أن الفرصة متاحة لاستعارة سواه.

– كان عبده شغوفاً بالحكاية، حين يسمع أحداً يحكي يدع كل ما في يديه وينسى ما هو ذاهب بصدده، ويستغرق في الإنصات، ملتداً بالتفاصيل الدقيقة، لدرجة أنه كان يتحين الفرص في»الحارة»؛ لينصت بشغف لشخص كان يعاني من اضطراب عقلي ! وكان عبده هو من يبادر إلى فتح حوار معه كلما أبصره هائماً في الطرقات، كان كمن يفتح له باب الكلام العريض فيتدفق هذا الملتاث في سرد طويل كالسيل العرم، ودائماً ما يكون هذا السرد غير مترابط، وغير قائم على وحدة موضوعية، وغير عابئ بأي زمان أو مكان أو تسلسل، كما أن هذا السارد العجيب كان يهيم في آفاق بعيدة، ضارباً بالواقع عرض الحائط، وكانت له طريقة مؤثرة في سرد حكاياته قافزاً كنسناس من حكاية لأخرى، وكأن هذا السارد الصاخب يجلس في مقهى من مقاهي السوريالية! وكان عبده يحرضه على المزيد من البوح والهذيان، وكان ينصت له بكل جوارحه غير مكترث بلوم الأصدقاء الذين كانوا ينظرون لهذا السارد بوصفه مختل العقل، مجنوناً، ولا يحسن بعاقل أن ينفق وقته للإنصات إلى سخافاته وهذياناته التي لا تنتهي.

عن ملحق آفاق – جريدة الحياة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق