عبد الحميد الديب… شاعر البؤس والهجاء / فراس الدليمي

كان عبد الحميد الديب ضعيفاً مهلهل الثياب مهتزّ المشية غير معني بمظهره، بعيداً عن كل أناقة أو زينة، ربما كان منظره في بعض الأحيان مثيراً للتقزُّز لطول شقائه في تجواله الدائم ولشدّة اضطرابه في حياته اليومية فما كان أحد يعرف له مقراً ولا مستقراً، ليس له مقهى يجلس فيه إلى أصدقائه، أو مطعم يُعرَف بارتياده، كانت غرفته متنقلة من مكان إلى مكان كبيوت الغجر، فإذا اهتديتَ إليها وجدتَ فيها أعجب شيء تلقاه، لا فراش ولا دثار ولا مقعد ولا طاولة إلا جزازات من الأوراق كتب عليها أبياتاً من الشعر بخط عجيب مرتجف، ثم كومة من الجرائد القديمة بُسطت على الأرض، بعضها فوق بعض مما يُشعرك أن الشاعر يتَّخذها فراشاً له!

الأدباء الذين كان يجالسهم عبد الحميد الديب، ورغم أنهم متنابذون بسبب المنافسة، إلا أنهم اتفقوا على أن يجعلوا منه هدفاً للسخرية والإيذاء، وأما الكبراء الذين لجأ إليهم لنيل عطاياهم فقد كان ينقلب عليهم فور حصوله على العطاء فيهجوهم أقذع الهجاء. كان الديب يعتقد أنه أحسن إلى الأدباء لأنه رفع منزلتهم، وأنه أحسن إلى الكبراء لأنه نوَّه بفضلهم:

«بين النجوم أناسٌ قد رفعتهمُ
إلى السماء فسدُّوا باب أرزاقي
وكنتُ نوحَ سفينٍ أرسلتْ حرماً
للعالمين، فجازوني بإغراقي».

ولد الشاعر عبد الحميد الديب سنة 1898 في قرية كشيش من قرى المنوفية في مصر. والده هو السيد الديب جزار القرية في مواسمها على اعتبار أن أكل اللحم لم يكن في كثير من القرى المصرية متاحاً إلا في المواسم والأعياد. بدأ الشاعر حياته الدراسية في القرية على يد أحد الفقهاء فأخذ في حفظ القرآن وكانت الطريق التي رسمها له والده طريقاً دينية خالصة، وكان حلم والده أن يرى ولده شيخاً معمَّماً أو أستاذاً بين الفقهاء، لكن الابن خيَّب ظن والده بسبب طبيعته كشاعر.

نزولاً عند أمر أبيه ذهب شاعرنا إلى الأزهر الذي لم يكن في تلك الأيام المكانَ المناسب ليعيش فيه شاعر عصبي المزاج كالديب، إذ كان المنتسبون إلى هذا المعهد الإسلامي الشهير أقرب إلى الفقر والفاقة، يعيشون على خبز الأزهر الذي وصفه طه حسين، وهو أحد طلابه، بقوله: «وويل للأزهريين من خبز الأزهر»! لقد هرب الديب من الفقر إلى الفاقة، كالمستجير من الرمضاء بالنار. الأبيات الآتية تصوِّر لنا ضيق الشاعر بحياة الأزهر، وقد ذهب في إحدى الأيام إلى الإسكندرية، ثم عاد ليطوف في أنحاء القاهرة هادئ البال مطمئن الفكر، وعنَّ على باله الشعر فذكر أهله وما هم فيه من بلاء وبؤس وكان اليوم يوم عيد:

«يا معشر الديب وافى كلُّ مغتربٍ
إلا غريبكمُ في مصرَ ما بانا
ذبحتمُ الشاةَ قرباناً لعيدكم
والدهرُ قدَّمني للبؤس قربانا
من كان يحسدني فليرتقبْ سحراً
إني على الجوع أطوي الأرضَ حيرانا
ليلتمسني لدى الخمَّار يحبسني
في (القسْم) آناً وفي حانوته آنا».

إدمانه شرب الخمرة – كما يقول في البيت الأخير – كان يودي به إلى السجن أحياناً أو إلى ما هو أدهى: العراك مع صاحب الحانوت.

والحقيقة أن الديب لم يكن من أصحاب المزاج الذين يرون في الخمرة مداماً أو سلوةً، بل هي بالنسبة إليه دواء يتجرَّعه من أصيب في حياته بالشقاء السرمدي ليترك هذا الوجود ولو هنيهات من غيبوبة أو فقدان وعي كما يحدث لمن يُفرطون في الشراب. ولقد ارتبط شاعرنا منذ نشأته الأولى بالفقر وحديث الفقراء حتى صاروا أهله وبطانته. أحب الأحياء الفقيرة وكان يجلس إلى أهلها المعدمين أو يتحدث إلى البائسين المكدودين فيُسرِّي عنهم، وسرعان ما عرفه الموسرون من أغنياء التجار فأعرضوا عنه هرباً من هجائه واستخفاءً من سلاطته وشتائمه، فإذا انحدر إلى المقاهي الراقية أخذته الأكراش المنتفخة والبطون المسترخية والغدد المتهدّلة والآناف المتعالية وربما هجم عليهم فانتزع منهم بعض القروش ليرجع إلى جوه الفقير الذي اختاره له القدر، وكثيراً ما كان الفقر يحرك عاطفته على أولئك الزملاء ليشكوا باسمهم ظلم المجتمع وليُعبِّر عن آراء هذه الطبقة التي رانَ عليها الجهل فتركها عاجزة حتى عن الشكوى. استمعْ إليه يصف الرغيف وقد شاهده في يد أحد الفقراء الجائعين:

«صغرَ الرغيف كأنما هو قطعةٌ
من قلبِ تاجره وجلدِ البائعِ
هل صار وهماً، أم خيالاً، أنه
قد عاد غير مؤمَّلٍ أو نافعِ
قد كان شيخاً للطعام فما لهُ
قد صار شبه وليد شهرٍ سابعِ
«جوعوا تصحّوا» واذكروها حكمةً
فالمجد لم يُكتبْ لغير الجائعِ».

وينتقل الديب من الأزهر إلى مدرسة أخرى كانت شهيرة يومذاك هي «دار العلوم»، وكانت تعنى عناية فائقة بالأدب والشعر وتسير على نهج الشيخ حسين المرصفي (صاحب كتاب «الوسيلة الأدبية» الذي كان مفتاح التأليف الأدبي والنقد العلمي في مصر) والأستاذ طه حسين، وأحمد أمين، والزيات وغير هؤلاء من الأزهريين الذين أنشأوا الأدب العربي الحديث. لكن الديب لم ينتقل إلى «دار العلوم» حباً بالأدب بل طمعاً بالمكافأة الشهرية التي تمنحها المدرسة لطلابها، فهو بدلاً من أن يقبض منها خبزاً يبيعه كما كانت الحال في الأزهر، أخذ يقبض دراهمَ معدودةً ينفقها في ساعات. يُضاف إلى ذلك أنه أخذ بعض اللذة في دراسة الشعر، على الطريقة الجديدة، وخصوصاً المعلَّقات وتاريخ الأدب الإسلامي والأموي والعباسي. لكن الديب لم يستمر في حياة «دار العلوم»، فسرعان ماكرهها، وراح يتنقَّل في عدد من المدارس الأهلية حتى إذا أعياه الأمر عاد إلى القاهرة ليمكث فيها حتى أواخر حياته، لأنه كان يحب هذه المدينة حتى أنه كان يُسمِّيها «عشّ الذكريات» وهو تعبير يوحي بالضحك والأسى معاً، فما عساه يكون لهذا البائس المسكين من ذكريات إلا ذكريات الجوع والتشرّد. وقد ازداد شاعرنا فقراً حتى أساء الظنّ بالناس إساءة لا هوادة فيها فصار يعتقد بأنهم جميعاً يعملون للحيلولة بينه وبين الراحة والهدوء:

«وكم مرَّت النعمى عليَّ ببسمةٍ
فأبعدها عنّي وضيعُ الوسائلِ».

والحقيقة أن من كان يُبعد عنه النعمى بأوضع الوسائل هو هذا التشاؤم، ولا ننسَ بهذه المناسبة الكاتب الفرنسي جان جاك روسو الذي أدى به تشاؤمه إلى الاعتقاد بأن الناس يُجفِّفون له حبر دواته عن سوء نية. وأكثر ما كان يؤلم هذا الشاعر الحسَّاس هو أنه بات بنظر الناس غير محبوب ولا موضع ثقة حتى صاروا يهربون منه فإذا تحدَّث استكبروا ما جاء بحديثه وإذا حلف لهم على المصدق اعتُبرت يمينه غير صحيحة. لقد أخذ يحسّ بانحطاطه عن مستوى الإنسان، وهذا ما عبَّر عنه بقوله:

«أفني صبوحي في المنى وغبوقي
إني امرؤٌ كسدتْ بقومي سوقي
لولا مناوأة الزمان لهمَّتي
أزرى بنور الشمس نورُ شروقي
أقسى عليَّ من الخطوبِ تبرُّمٌ
بي من قريبٍ عاطفٍ وصديقِ».

ولكن الديب رغم كلّ شيء لم يكن وقحاً مشاكساً ولم يكن قوي الشكيمة متسلّطاً، بل كانت تغلب عليه المسكنة والطفولة مع حياء شديد يعوّقه عن كل ما يريد، وتلك كانت مصيبة كبرى عنده، فهو لم يهاجم إنساناً وجهاً لوجه وإن هاجم بشعره:
«لو لم يكن نبلُ الحياء طبيعتي
أقسمتُ ما عرف الشقاء طريقي
فبكلِّ مضمار سبقتُ وإنني
لأعيش عيشةَ خاسرٍ مسبوقِ».

ثم اقرأ له:

«حظّي ومصرعه في لينِ أخلاقي
وفيض عطفي على قومي وإشفاقي
يا أمَّة جهلتني وهي عالمةٌ
أنَّ الكواكب من نوري وإشراقي
وليس لي من حبيبٍ في دياركم
إلا الحبيبَين أقلامي وأوراقي
وما تألمتُ من خطبٍ ضحكتُ له
كما تألمتُ من خطبي بعشاقي
أنا على القرب منهم كل متعتهمْ
وإن نأيتُ حبوني فيضَ أشواقِ
فما لهمْ قد أشاعوا كلَّ مخجلةٍ
عنِّي، وقد أعلنوا بؤسي بأبواقِ».

كأني عبلة والبؤس عنتر

والحقيقة التي لا حقيقة غيرها هي أن المتشائمين من أمثال الديب مطبوعون على الأعمال التي تخالف عقلية المجتمع، لذلك فهذا المجتمع ينبذهم لأنهم خالفوه، وتشترك الطبيعة والأقدار في خلق المشاكل لهؤلاء البائسين فلا يستطيعون الخروج منها إلا بعد أن تثخن فيهم وتؤذيهم وتعرّضهم للسخرية والدعاية القاسية. فلنقرأ القطعة الآتية التي رواها عبد الرحمن عثمان صديق الشاعر ومؤرّخه لنرى أثر المصادفات في حياة الشاعر الديب: «كنتُ مفلساً حين التقيتُ بالديب وهو في حالة من الإعياء والتعب شديدة فقد كان جائعاً لم يتناول غداءه وكانت الساعة قد أوفت على السادسة مساء وقد كاشفني بدخيلة أمره لما بيننا من صداقة ومودّة فاستعرضتُ في مخيّلتي أسماء الأصدقاء الذين لا يتجهَّمون لي في مثل هذه الأحوال علَّني أجد لديهم قروشاً أُهيئ بها للجائع الصديق طعاماً وقهوة ولفائف تبغ، وكان الصديق النبيل عبد الحميد قطامش في طليعة الأسماء التي قفزت إلى مخيلتي فصحبتُ الديب إلى حيث يسكن ذلك الصديق ولكنا وجدناه قد سافر إلى بلدته، وحين علم الديب بذلك تجهَّم وجهه قليلاً ليقول لي: هذا نذير سوء! ولأنني لم أجد في سفر الأستاذ قطامش أمراً غير طبيعي جذبته في عنفٍ لنطرق باب صديق آخر كنت أقترض منه في الأزمات وقد راعني أن يقول الديب على الفور: إن قلبي يحدّثني أننا لن نجد صديقك هذا بل ربما نجد داره قد انتقلت من الحي الغربي الذي يقيم فيه إلى حي آخر من أحياء القاهرة! فضحكت من طرافة النكتة وحلو الفكاهة، ثم مضينا إلى غايتنا التي كنت أقصد وحين طرقت الباب خرج إليَّ مَن يسكن بجواره ليقول لي: إن جاره قد أصيب بحادث منذ ساعة وقد حُمِلَ إلى المستشفى! وحينئذ تلفَّتُّ إلى الديب في ذهول وفزع فوجدته مغرورق العينين حزين النفس وجذبني لأنصرف معه وهو يقول: ألم أقل لك يا صديقي إنني ملعون في السموات والأرض فلقد جنى حظي على زميلك المسكين فليته ما دار بخلدك حين رمتَ تفرج كربتي»!

والحقيقة أن هذه القصة تذكِّرنا بفيلم «غزل البنات» الذي صوَّر فيه الأستاذ نجيب الريحاني شخصية المعلم الذي يلاحقه البؤس فلا يتركه، فشخصية «الأستاذ حمام» لا تعني شخصية المرحوم الأديب والمحدّث المصري المشهور مصطفى حمام فحسب، وإنما هي مزيج من شخصيتَي مصطفى حمام وعبد الحميد الديب، بل ربما حظ الديب في هذه الشخصية أكبر بكثير من حظ الأستاذ مصطفى حمام، أليس الديب هو القائل:

«وهامَ بيَ الأسى والبؤسُ حتى
كأني عبلةٌ والبؤسُ عنترْ»؟

لكن بعض الناس يتجرَّدون أحياناً من الشفقة، أو قد تغلب اللذةُ عندهم عاملَ الشفقة فيسعون إلى إثارة هؤلاء البائسين المنكوبين في شخصياتهم، من ذلك أن كثراً من أصحاب الصحف كانوا يُلفِّقون الأخبار ويخترعون النوادر حول الديب. ومما نشرته إحدى صحف ذلك الزمان: «سقطت قنبلة في حي غمرة فانفجرت طبيخاً وقد هرع إلى مكان الحادث الشاعر عبد الحميد الديب»!

هذه النكتة الجارحة وأمثالها، يضاف إليها عدد من الأقاصيص والحكايات، عجَّلت بالنهاية المحتومة لهذا الشاعر فانصرف إلى السُّكْر الشديد وتعاطي المخدرات والركون إلى الحانات الفقيرة في حي من أحياء القاهرة، وكانت حانته المفضلة تدعى «حانة الخاخام»، ومن هناك وهو نشوان وسكران، كان ينشد هذه الأبيات:

«هات المدامَ، فدين الله تيسيرُ
فأسعد الناس مخمورٌ ومخدورُ
هات المدامَ ولا تعرضْ لمتربتي
مهما غلا العيش لم تغلُ القواريرُ
هات المدامَ الصبوح البكر يحملها
إليكَ أخنسُ ساجي الطرف مغرورُ
إذا دعوتَ تراخى عنكَ معتذراً
وأسكرتْ – كالطلا – منه المعاذيرُ
فديتُها حانة (الخاخام) هادئة
سكرى يعربدُ فيها الحسنُ والنورُ».

إن هذه الأبيات لن تجد مثلها ولو نقَّبت في كل ما لديك من الشعر العربي لذلك الجيل، بل إنها لأبيات تنقلك في لحظة إلى شاعر من طراز أبي نواس. الوصف الموجود في قوله: «وأسكرتْ – كالطلا – منه المعاذيرُ»، أو في قوله: «سكرى يعربد فيها الحسنُ والنورُ»، هو وصف بودليري أو فيرليني، بل إنه أقرب الأوصاف إلى ما كان يتحدَّث به أوسكار وايلد في مقاهي مونبارناس والحي اللاتيني. إن حياة أولئك الشعراء تُذكِّرك بالحالة التي وصل إليها عبد الحميد الديب في أخريات أيامه حيث كان ثائراً على كل شيء، حتى أنه بات إذا أخذ أُعطية من أحد لا يشكره إلا ريثما يصحو ليشتمه! فهو يقول لمثل أولئك المحسنين:

«احبسْ عطاءك ما لي فيه من أربٍ
ما في العطاء سوى قهري وإذلالي
يا ضيعة الشعر يرضى بالعطية مِنْ
أيدي طغامٍ وجُهَّالٍ وأنذالِ».

من مشرّد أهليّ إلى مشرّد رسميّ!

آنذاك أشفق وزير الأوقاف الأستاذ عبد الحميد عبد الحق على الشاعر الديب فعيَّنه كاتباً في وزارته، وفي يوم دوامه الأول أُعطي طاولة بلا كرسي وقيل له: سيأتيك الكرسي بعد قليل! وانتظر الشاعر وهو يروح ويجيء بلا كرسي يجلس عليه حتى انتهى العمل في الساعة الثانية، فخرج مغضباً وكتب هذا البيت على ورقة أرسلها مع الآذن إلى الوزير:

«بالأمس كنتُ مشرَّداً أهليا
واليوم صرتُ مشرَّداً رسميا»!

ويذكر عرسَ الملك فاروق وما أُنفق فيه من مال وذهب، فيقول ساخراً غير هيَّاب:
«أأصوغ في عرس المليك قصيدةً
وأنا إلى الموت الرهيب زفافي».

ويمرُّ في باله حزب «السعديين» من جماعة أحمد ماهر والنقراشي، فيقول فيهم:

«برامكةٌ وليس لهمْ رشيدُ
وأقيالٌ وليس لهم عبيدُ
مدحتهمُ فما شَرفوا بشعري
لخسَّتهمْ وما شَرفَ القصيدُ
وصغتُ هجاءهم فإذا الأهاجي
على الأفواه لحنٌ أو نشيدُ».

لقد تمنى الديب في هذه الأبيات لهؤلاء رشيداً، بما يشبه النبوءة بمقتل ماهر والنقراشي، وهذه من المصادفات العجيبة.
وانظرْ إلى هذه اللمحة الخاطفة التي يهجو بها مصطفى النحاس زعيم أكبر حزب في مصر آنذاك:

«راجعْ زمانك أيهذا الكاسُ
فاليوم لا نحسٌ ولا (نحاسُ)
لم يبقَ من مجدِ الزعامة ِكلِّه
إلا قميصٌ أزرقٌ ولباسُ».

وأنا على يقين بأن هذين البيتين قد طبقا المفصل وأصابا كبد الحقيقة التي جرحت كبرياء النحاس، لأن فيهما صناعة لفظية محبَّبة خصوصاً في نحت: النحس والنحَّاس، حتى أن هذه الصيغة الساخرة المتشفّية استُعملت كما هي في المظاهرات التي مشت ضدّ النحاس حين دار دولاب الزمن عليه وأصبح موضوعاً للنقد والتجريح، بعدما كان ذات يوم موضعاً للتقديس.

ونختم مقالتنا هذه بأبيات عذبة وساخرة في الوقت ذاته، تُعبِّر عن نظرة الشاعر إلى نفسه وإلى العالم:

«لو أستطيع البكا يا أيها الطللُ
بكيتُ حتى شكتْ من دمعيَ المقلُ
فكم تصوَّح عودي بعد نضرتهِ
وكم خبا في دياجي عمريَ الأملُ
كأنَّ حظي رحيق الدهر يشربهُ
خمراً معتَّقةً، فالدهر بي ثملُ
فإنْ تطلَّبتُ عيشي متُّ من كمدٍ
وإن تطلَّبتُ حَيْني أُبعدَ الأجلُ»!

«الغاوون»، العدد 54، 1 شباط 2013

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق