عبد السلام بنعبد العالي

قبل حوالي عقدين من الزّمن، كنت طالباً للفلسفة في مدينة الرباط بالمغرب، لم أكن مواظباً على حضور الدّروس كما كان ينبغي، فقد كنت أمضي معظم الوقت، بين الحركة الطلابية التي كانت تعرف وقتها موجتها اليسارية الأخيرة، وبين المركز الثقافي الرّوسي حيث كنت أوزّع أنشطتي الموازية بين العزف على آلة البيانو، ودراسة اللغة الرّوسية، وتصفّح الجرائد والكتب والمجلات المحمّلة وقتها بأخبار البرسترويكا (إعادة البناء) والكلاسنوست (الشفافية)، خلال عهد آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي، كان السؤال حول ما يجري في موسكو، يحدّد الأفق المتبقّي أمام الحالمين بتغيير العالم، كنت واحداً منهم، ولست موقنا بأنّي ما زلت كذلك.

لم أغادر الجامعة إلاّ مع بداية تلاشي الحركة الطلابية، أمّا المركز الثقافي الرّوسي، الذي كنت أجلس فوق إحدى أرائكه أتهجّى قراءة (البرافدا) وأتصفّح (أنباء موسكو) بشغف “الثوريّ المتبرجز”، فإنّه قد أعلن إفلاسه عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، ثم شاءت سخرية التاريخ وسخافات الأقدار أن يتحوّل إلى مقرّ للماكدونالد، إيذاناً ببداية العصر الأمريكي.

كنت أراقب عن كثب آخر أيّام عالم ينهار، ولم أكن أجد ما يكفي من الوقت للمواظبة على حضور دروس الجامعة، وقد كان هناك أساتذة كبار نقرأ لهم إصداراتهم بنهم شديد، غير أنّ أستاذاً واحداً فقط، كنت حريصاً على عدم التخلّف عن أيّة حصة من حصصه.

لم يكن يستظهر تاريخ الأفكار، كما كان يفعل أساتذة آخرون، لم يكن يعمل على تدريسنا ولا على تلقيننا، بل كان يحرص على شيء آخر؛ أن نتعلّم، كان يعلّمنا كما لو أنّه يمكّننا من مهارات صنعة أو أسرار حرفة يصعب تعلّمها. كثيراً ما كان يفرك جبهته وهو يفكّر بصوت مرتفع، يترنّح بين صمت وصمت، ومن رحم الصمت يوقظ شرارات الكلمات، كما لو أنها كانت تنبثق فجأة من العدم، لم يكن يحاذر وهو يحملنا على التفكير معه عبر مسالك غير متوقّعة، فيسألنا؛ “ألا يبدو لكم…”، “ألا ترون معي أنّ…”، “أحيانا يبدو لي وكأنّ…”، “دعنا نفكّر في هذا الأمر…”، ثمّ يعود إلى فرك جبهته، يفكّر ويفرك، وهو يصرّ على المجازفة بتمكيننا من ذلك الشيء الذي نسمّيه “التفلسف”.

لم يكن يرشدنا لأيّ طريق في الحياة، أو طريقة في التفكير، لم يكن يشير علينا بإصبعه إلى أيّ اتّجاه، لم يكن يستسلم لغواية الدّعوة والإرشاد، حتى بعد أن تحمرّ جبهته من الفرك، فقد كان يعلّمنا كيف نبحر دون بوصلة، وكيف يجازف كلّ واحد منّا بركوب الأمواج العاتية للنصوص العظمى، دون أيّ اعتقاد بوجود شاطئ للخلاص والنجاة. كان يعلّمنا كيف نحافظ على استنفارنا الداخلي، كما لو كان يهيّئنا لكي نقطن بمحاذاة جبل البركان، كان يدرّبنا على مصاحبة النصوص بلا نوايا قبلية، وعلى معاشرة الفلاسفة بوفاء ودون ولاء.

كان يزرع في كلّ جيل من الأجيال التي تعاقبت على حجرته الدراسية المتواضعة، ألغام التفكير الذي يربك ويزعج ولا يترك مستقرّا للحقائق. ولعلّ الكثير من الطلبة الماركسيين لسنوات السبعين مدينون له بتخلّصهم من أغلال الدّوغما، هكذا اعترف لي الكثيرون، وبعضهم صاروا رموزاً للحركة الاجتماعية المغربية، لكنه مع الجيل الحالي، جيل الألفية الثالثة، جيل ما بعد الأيديولوجيات، بدت صنعته وكأنها أمام تحدّ أخلاقيّ جديد، فلقد انهارت آخر الإيديولوجيات الشمولية، وعلى مقربة من الجامعة التي كان يعمل بها، احتلّ الماكدونالد مقرّ المركز الثقافي الرّوسي بالرباط، وأمست النزعة الاستهلاكية المجانية بديلاً للنزعات الإيديولوجية الشمولية، وفي الوقت الذي حوّل فيه ديريدا وبودريار وأونفراي، مطرقة نيتشه إلى جهة نقد وتقويض العولمة الرّأسمالية، فإنّ بعض تلاميذ بنعبد العالي انفجرت بهم ألغام “التفكيك” وهم في بداية طريق التفلسف، ولسبب أو لآخر، وقعوا في نوع من (الأوديبية المغدورة)، ومن أولى علاماتها التنكّر لدور أستاذ حرّر أجيالاً من المناضلين من غواية الأبوّة نفسها أو الأبوّة البديلة، حتى وقد أبعدتهم مصادفات الحياة وتفرقت بهم السبل إن قليلاً أو كثيراً.

لم يكن الرّجل من النوع الذي يجعل من التحريض على ما بعد الحداثة، مسوّغاً للدناءة الأخلاقية كما فعل البعض ويفعل، بل كان زاهداً في كلّ شيء؛ في المال والسلطة وفي الحور العين، تلك التي في الأرض أو التي في السماء، لم يكن يستغلّ أبحاث الطلبة وترجماتهم لحسابه الخاصّ، وقد فعلها آخرون ويفعلون، كان ناسكاً بالفعل إلاّ من نصوص ينهض إليها فجر كلّ يوم جديد، هكذا كان دأبه في سنوات الأحلام الجميلة.

لا أذكر أنّي تغيّبت درساً واحداً من دروسه، كنت ذلك الطالب اليساريّ الجذريّ، والذي يشعر في حصص بنعبد العالي وكأنه داخل معبد لتطهير الذات من الوثوقية العمياء، وكنت بين حضور دروسه والانخراط في الحركة الطلابية، كما الطفل الذي يمارس بشغف لعبة بناء قصور من الرّمل المبلّل على الشاطئ، قبل أن يقوم في نشوة غريزيّة بهدمها بكلتا يديه أو رفساً بقدميه، لكني كنت أذهب في اللعبة إلى الحدود القصوى، فقد أعود مرّة أخرى للبناء، كانت أشباح ماركس ترافقني، وكان يحزّ في نفسي أن أطردها.

أثناء الامتحانات، لم أكن أضطرّ لمجاراته زلفى، كما يبتغي آخرون، فالرّجل لم يكن لديه ما يدعو إليه أو يبشّر به، لم يكن من هواة المريدين، ولم يكن ممّن يحبّون أن يروا في طلبتهم أشباه عبيد وتابعين، كان يعلّمنا كيف يبحث كلّ واحد منّا عن أقصى إمكانيات تأويل النصوص القارئة للوجود والإصغاء للوجود المنحدر من سلالة النصوص، كان يعلّمنا ما لا يمكن تعلّمه، وفي ذلك كان معلّماً كبيراً.

لا أعرف اليوم كيف أصبح مصير ذلك الفتى اليساريّ الجذريّ الذي كنته، ذلك الفتى الذي كان يستبطن في ذاته مفارقات كثيرة؛ الثورة والموسيقى والحلم والشكّ في كلّ شيء، لكني اليوم ما أزال أستمتع بلعبتي القديمة؛ أبني اختياراتي في الوجود والحياة والسياسة، وأقول؛ هذه كلّ اختياراتي، وفي كلّ مرّة ينشر فيها عبد السلام بنعبد العالي لغماً جديداً في موقع الأوان، أختبر مثانة اختياراتي على محكّ ما ينشر، وأقول؛ هذه بعض اختياراتي، وفي هذا أحفظ له رهانه القديم، سوى أنّي أصبحت أغشّ كثيراً في هذا الرهان، ربّما لأني أراني عاجزاً عن الكتابة أو التفكير متى طردت من غرفتي كلّ الأشباح، ربّما بسبب أني اخترت الكتابة في الليل، أما بنعبد العالي فأظنّه ما زال يكتب على ضوء الصباح، ولربما لأنّي في الكثير مما أكتب، لست سوى صيغة أخرى وكيفية غير متوقعة، من كيفيات التتلمذ على يد عبد السلام بنعبد العالي، ذلك الذي كان يعلّمنا ما لا يمكن تعلّمه، ويكفيني هذا شرفاً.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق