عبد الكريم الخطيبي: مهنتي قياس المساحات / علي جازو

في روايته الأولى ـ وهي سيرة ذاتية ذات طابع فكري ـ (الذاكرة الموشومة ـ La Mémoire Tatouée) الصادرة عام 1971 والعابرة إلى العربية على يد المترجم السوري بطرس الحلاق العام 1984 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، نقرأ: «كان الاسمُ مني جرحاً». بهذه الحدة والكثافة والأسى عبر الخطيبي عن اسمه (عبد الكبير) في إشارة إلى ولادته بعيد الأضحى (العيد الكبير) عام 1938 بمدينة الجديدة على الساحل المغربي. لا يشير اسمه حسب الخطيبي نفسه إلى مكان بعينه، إنه عبدٌ للكبير، عبودية جعلت من حفر الاسم على مقياس أضحية العيد جرحاً في المسمَّى الذي لن يألو جهداً في استنطاق جرح الجسد على وهج عشق اللسان الذي غدا لسانين، العربية والفرنسية، في كتابه (عشق اللسانين ـ Amour bilingue) الصادر عام 1983.

رواية غرامية، لكن شخصيتها الرئيسية هي اللغة، وفي السنة نفسها سيصدر كتابه (المغرب في صيغة الجمع). يذكر أن الخطيبي بدأ شاعراً بالعربية والفرنسية وهو في الثانية عشر من عمره متأثراً بلامارتين وبودلير على الأخص. هذا العاشق الفريد والمؤول المتبحر والمنقسم عن حب جارف بين الفرنسية والعربية، سيحصل على دكتواره من السوربون عن أطروحته حول الرواية المغاربية عام 1968 (ترجمت إلى العربية من قبل الروائي والناقد محمد برادة) راصداً التربة الفكرية الخفية التي نهلت منها الرواية لغتها وطرائق كتابتها في فترة ما قبل الاستقلال منبهاً إلى أن الرؤية العامة التي حكمت الرواية المغاربية سواء كتبت بالفرنسة أم العربية، وهذا يلغي وهم الاختلاف الجذري بينهما.

هذا المناضل النقي والمفكر النزيه، المحاضر الجامعي والروائي والباحث الاجتماعي والاقتصادي سيترأس تحرير مجلة العلوم الاقتصادية الاجتماعية وكذلك مجلة علامات الحاضر. لدى سماعي نبأ رحيله، الاثنين 16/3/2009، تذكرت كتابيه (المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية ـ شعر) عام 1976 الذي سينتظر عشر سنوات حتى يترجم إلى العربية عن دار توبقال على يد الشاعر العراقي والمترجم كاظم جهاد، و(مسرحية النبي المقنع ـ Le prophète voilé) عام 1979 المنقولة إلى العربية في أول شباط سنة 1993 بترجمة وتقديم محمد الكغاط في سلسة المسرح العالمي الكويتية . سبق أن قرأت أجزاء من (الاسم العربي الجريح) بترجمة وعنوان مختار من الشاعر محمد بنيس لكتابه (جرح الاسم الشخصي). تولى ترجمة الخطيبي إلى العربية لجنة تألفت من الخطيبي نفسه إضافة إلى كل من محمد بنيس وعز الدين الكتاني وفريد الزاهي، هذا ما نقرأه في الصفحة الثانية من رواية (صيف في استوكهولم) المنشورة بترجمة الزاهي عن دار توبقال عام 1992. عكف الخطيبي على العمل بصمت خلاق، كما هي عادة ودأب الأكاديمي المثابر الذي ظل على الدوام منفصلاً ومحترساً من إسار (الأستاذية العامة) مفضلاً العمل على الشهرة والرصانة على المجاملة والحفر على الخدش.

سيقدم الخطيبي طوال عقود نموذج المثقف ذي الاهتمامات المتنوعة، المخلص للدقة العلمية، والمحاضر المتعمق برهافة الأديب الوديعة. لم يحجب اهتمامه الخاص بالثقافة المغربية تنظيراً وتحليلاً على أكثر من وجه: في الرواية والتشكيل والخط والصورة والوشم والاجتماع والاقتصاد والسياسة، حيث وجه نقداً لاذعاً لأفكار عبد الله العروي حول التراث ومتطلبات الولادة العربية الجديدة، لم يحجب كل ذلك عن أن يجمع بدقة وشغف بين فلسفة موغلة في القدم كالتاوية الصينية (لاوتسو) والصراع الطبقي وفق ما تجلى لدى ممثله الأبرز كارل ماركس في كتابه الشعري/الفكري: المناضل الطبقي على الطريقة التاوية. وفي هذا يشبه الخطيبي ما تراه الثقافة الصينية الكلاسيكية عن عمل الكاتب الذي لا يهمه الاختصاص بمجال معرفي أو أدبي واحد فقط. الكاتب أديب وناقد ومسرحي وشاعر. كل تصنيف يضيق على منجز الخطيبي الشديد التنوع والثراء. لن نقول انه مثقف عالمي. يبدو لنا وصفه بالمثقف الإنساني أبلغ وأدق من حيث كون انتمائه إلى تلك القطعة الصافية والقلقة من جوهر الكائن المتلهف صوب فكر لا يضحي بفردية الإنسان أمام الكراهية القومية ولا يقسر الفروقات الثقافية على العداء والصراع العقيم، بل إن سؤال الاختلاف ظل سؤال الخطيبي الأعمق والأكثر تطلباً وشقاء. يؤكد الخطيبي أن تجاوز الأزمة الثقافية العربية وانغلاقها المزمن يأتيان من تشوه فهمنا لمسائل دقيقة في الفكر العربي القديم أدى مع تواتر الأجيال إلى التقوقع حول المذاهب وثبات الميتافيزيقا الدينية أمام تبدلات الحياة العاصفة، مع تنويهه بأن المراحل التي قطعها الغرب، مقياسنا وجهلنا في آن ، لا تستدعي منا المرور بالمراحل نفسها.

ومن هنا فخاخ القياس الأعمى وخطورته على الفكر والثقافة. يبقى الخطيبي محللاً بارعاً للصور ودارساً لأشكال الخطوط ، ومؤولاً خطراً للحكايات، يشهد على ذلك ما حققه في (الاسم العربي الجريح) كتاباً سعى بجدارة إلى كسر الهوة بين الجسد الفيزيائي والجسد الاسمي، بين ملموسية الحياة الفعلية وتجريديتها الدينية المفرطة. كل تراث ثقافي هو ملك لكل إنسان، هو ذا منجز الخطيبي الأكثر أهمية، حيث يغدو عناء البحث عن مرجع (نقي) أمراً نافلاً. البشرية متضامنة ومتلاقحة ومتفاعلة في بحثها وتقصيها عن تحليلات وكشوفات تظل دائماً بحاجة لمن يعيد النظر فيها . إن مهمة المفكر ليست إدارة المؤسسات ولا احداث توافقات زائفة، بل تحليل الواقع والفكر ربما عبر أكثر الأشياء ضآلة وإهمالاً كوشم على ذقن فتاة أو مغزى حكاية شعبية غدا نسيانها الآن أكثر الأمور سهولة. يشير الخطيبي كذلك إلى أن (النسيان) لا يعني (العدم).

رأى الخطيبي أن على المثقف تحليل الفكر ونقد المجتمع، وفي هذا السياق لام المثقف المغاربي لكونه لم يقدم على دراسة فعالة لأحوال مجتمعه: «ليس هناك شيء كبير في الثقافة المغربية حول الطبقات الاجتماعية والدولة وحول تحولات المجتمع المغربي. إن ما لم يأخذه المثقفون على عاتقهم، هو العلاقة بين المجتمع والسياسة والدين، وهو شيء مهم ». يقول الخطيبي أيضاً: « يريد الآخرون أن يؤطروني في خانة ما؛ والحال أني ممتهن لقياس المساحات» ويضيف في مكان آخر حين سئل عن طبيعة التزامه النظري: «الالتزام بالنسبة لي هو تحويل ما أحسه وما أفكر به إلى شكل أدبي وإلى شكل كتابة ». يجيبنا الخطيبي في سياق مغاير وغير مباشر، حين يقول إن المثقف: « سواء أكان مناصراً للعقل المطلق أو للحكمة في خدمة الإنسان، أو كان مناصراً لقضية أو مثل أعلى، فهو مطالب بأن يتكيف باستمرار مع المبادئ والقيم التي يدافع عنها، وبالتالي فهو مرغم على سلوك موجه لذاته لأن عمله هو تحريك الفكر وتحليل المجتمع لا إدارته ». إذا كنا بحاجة إلى نموذج يحمل القرب المحلي المتفحص والغرابة الاستثنائية المهاجرة وحس المسؤولية الرفيع فلا شك في أن الخطيبي هو أفضل مثال على هكذا نموذج منفتح وصارم، أليف وغريب في آن. كتابة الخطيبي كتابة قلبيةٌ من حيث حميميتها الخالصة وانقلابها على السائد والمستقر، فالقلب مصدر عشق ومحل تبدل مستمر. على أن حياة ورحيل مثقف موسوعي كالخطيبي تذكرنا بأساة متكررة: ثقافة تنمو وتتسع وتمضي في الهامش، ليس لنا أمامها سوى الإحساس بالخجل من أنفسنا.

عن ملحق السفير الثقافي

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق