عبّاس بيضون الفيزيقي العـذب

رغم انتماء الشاعر عباس بيضون إلى الجيل الثاني بعد الرواد، إلاّ أن قصيدته، بمضامينها وتقنياتها، لم تكن امتداداً لقصيدة الستينات الحديثة، وهو إن كتب قصيدة النثر، فقصيدته تبدو وكأنها انشقّت عن مسار مرحلة الخمسينات لتتخذ طريقاً موازياً لقصيدة الرواد، على اختلاف خصوصياتهم.
لا نقع في قصيدة بيضون مثلاً على أصداء القصيدة الأدونيسية، ذات البعدين المادي والصوفي في آن، والتي ترى إلى الشعر في كونه رؤيا وطاقة على الحلم، جاعلةً من الجمالية مرتكزها ومن المعرفة طموحها، فيما تسعى إلى نقد المسلّمات ومساءلة التاريخ والتركيز على التراث والأسطورة والفلسفة كثلاثة محاور رئيسية، ولا على غرائبية وطرافة قصيدة شوقي أبي شقرا، في تراكيبها المشاكسة واهتماماتها المحلية ومعجمها اللغوي الريفي، ولا على الهاجس اللغوي لقصيدة يوسف الخال في منحاها التجريبي وانشغالها باللغة العربية المحكية، (ولو أن محاولة الخال في جعل القصيدة الغربية الحديثة، نموذجاً ومنطلقاً للقصيدة العربية الحديثة، تجد لها أمثلة تطبيقية في شعر بيضون، إلا ان الأخير لم يستخفّ بالتراث العربي الإسلامي، أو يناصر فكرة القطيعة معه)، ولا على شعرية أنسي الحاج المتفجّرة في الباطن مع الحفاظ على جمالية عالية في الهدم، والمرتكبة المعاصي إنما بهيئة ملاك…

وإن كنا لا نستطيع تماماً تغييب بعض ملامح القصيدة الماغوطية عن قصيدة بيضون، لاسيما في كونها قصيدة أرضية، من لحم ودم، لصيقة بالمكان والمعيوش، وتفوح منها روائح بشر وأمكنة، إلا أنه يبقى لقصيدة بيضون من الخصوصيات ما يجعلها تتقاطع مع قصيدة الماغوط ولا تتفرّع منها. فعدا عن الإختلاف الكلّي في تقنيات الكتابة ما بين الشاعرين، فإن قصيدة بيضون أبعد ما تكون عن “قصيدة البراءة” التي تجسّدها القصيدة الماغوطية، لا بل هي على النقيض منها، قصيدة تضجّ بمنابع ثقافية متعددة، وتستبطن تراكمات معرفية تؤسس لشعرية مغايرة من طبيعة معمارية متنوعة المواد والأساليب، لا تستطيع معها الوقوف عارية بهيكلها العظمي وحده كقصيدة الماغوط. هذه الإنطباعات عن شعر بيضون، تحيلنا إلى مسألة أخرى، وهي أن أصداء قصيدة النثر الغربية فيه، تطمس كل أصداء محتملة لتلك العربية. ويبدو أن المواضع الشعرية التي هي محل تأثّر لدى الشاعر، قشّرت عنها اللغة لتفسح للتواصل أخذ مجراه على مستوى أعمق، حيث طبيعة تكوين الشعرية نفسها، وما تتضمنه من حساسيات شعرية تدخل في تحديد عناصر اهتمامات الشاعر وهويّته الشعرية. ولأن جوهر الشعر في كونيته مثله كجوهر الجمال والفنون كافة، فإنه لا يستغلق أو يستعصي على الروح الإنسانية على اختلاف لغاتها.

{{لغة ترابية:}}

قد تكون قصيدة بيضون قابلة لأن تُقرأ في كل لغة، لكونها لا تجعل من لغتها نفسها موضوعاً لشعريتها. فشعرية بيضون لا تنبع من كونه إبن اللغة العربية تحديداً، إذ لا ذاكرة هذه اللغة، ولا مقوماتها التخييلية، تشكّل هاجساً شعرياً له أو مطرحاً لإنفعاله. شعريته وليدة انفعال باطني له علاقة بالتجربة الحسيّة نفسها، من قبل تمظهرها في أبجدياتها. هي شعرية جذور إذاً، لا تؤسس على ما قد تحمله ذاكرة اللغة العربية من مخزون جمالي وشعري لمفردات بعينها، وتالياً لا نقع في شعر بيضون على إشكالية أن يفقد الكثير من غناه الرمزي في حال قُرأ في لغة أخرى.

لكن لا بدّ لشعرية الباطن هذه من لغة باطنية توازيها ليس أقلّه في عتمة الإحساس وعمقه، وفي الطعم الفجّ للأشياء وهي بعد مواد خام. من هنا تتبدّى الحاجة إلى الحفر في اللغة، وهي تقنية بيضون في الكتابة والتي يكاد يتفرّد بها. والملاحظ أن عناية الشاعر لا تنصبّ على مدى شعرية المفردة، بل على مدى قدرتها على نقل الإحساس الشعري. وعليه، لا غرابة في أن يحفل شعر بيضون بمفردات فجّة، إنما الغرابة هي في طريقة توظيفها وصوغها والتي تؤدي إلى أن يتمخض عنها معنى شعرياً كأبهى وأحياناً كأعذب ما يكون.

لغة بيضون لغة ترابية منبوشة بالحواسّ وتجنف عن الوسائل الميتافيزيقية، وهي إن تبح بمكنونها، فبوحها لا يفضي إلى مفاتيح وإنما إلى أبواب مقفلة. هي لغة لا تضيء عتمتها بقدر ما تجسّدها، حيث يضحي الغموض معادلاً لغوياً لطبيعة الإحساس الشعري. وما المكابدة الكامنة في مواصلة الحفر للتنقيب عن مقاربات بين الكلمة والإحساس، إلا تأكيداً على فكرة أن الشعر محاولة، وأن مقاربته باللغة مسألة في غاية الصعوبة، لأن اللغة رغم كل جمالياتها لا تملك جهوزية التعبير الشعري ولا بدّ من تطويعها، تفجيرها، تقشيرها، نحتها، حفرها الخ… كيما تتوفر على أهليّة أن تكون كناية عنه ورمزاً له. ويجري اشتغال الشاعر على اللغة على مستويين، فتغدو خطابه الواعي وخطابه اللاوعي. وهكذا، إن حصل وتجاوزت لغة الشاعر مقاصده وبدت أكبر منه، فإن طاقتها هذه لم تأتِ من فراغ، وإنما من لاوعي الشاعر نفسه. فاللغة لا تملك لاوعيها الخاص المنفصل عن الشاعر، وإلا لكان في وسع كل إنسان كتابة الشعر مستنداً على مصادفاتها.

{{مظاهر الحداثة:}}

تنأى الشعرية المعاصرة عن المنحى الدرامي والصوفي والرومنسي والأخلاقي واليقيني والقدري والمثالي والهارموني والمباشر والمُطنب والمسترسل والتطريبي والمموسق الخ… في المقابل فهي تميل إلى الغرائبي والشاذ والتهكمي والملغز والغرائزي والإيحائي والموجز والمكثّف والمعقّد والمركّب واللامنسجم والمثير للشكّ والمرتبط بالعالم السفلي الخ… قيمها الجمالية قد تجد أصداءها في فكرة التنافر لا الإنسجام، وفي النقصان لا الكمال، وفي هذا نزوع إلى التماهي مع النفس البشرية بكل تناقضاتها وأسرارها. يتبنى شعر عباس بيضون هذه المعطيات والجماليات الحديثة بكل تضاعيفها اللغوية والفكرية، فنجدها تتمظهر فيه على شكل مفارقات واستعارات صادمة، ومضامين غامضة وساخرة، وتضاريس تعبيرية شاقّة قد تبدو أحياناً مروّسة أو ناتئة أو ملتوية أو من طبقات. نقتطف من “لمريض هو الأمل”: “ولكم نبشنا بطاطا كبيرة من أحلامنا” صـ51، “حِملُك طويل كفلاحة سيئة” صـ47، “النسيان يعمل ببطء في جوف الجبل” صـ55، ومن “الجسد بلا معلم”: “وجدنا ألماً تحجّر في طول الملاك، قلباً من الصبر في الغلاف الحريري، نواة من الضجر في لحم السرّة” صـ34…

يضمر شعر بيضون سخرية دفينة من الشفافية والأثيرية والتجريدية ومن شعرية الميتافيزيقيا بأسرها، لأن هذه كلها تنتمي إلى ماضٍ مات وماتت معه شعريته، وهي لم تعد تتناسب مع العالم الفيزيقي للإنسان المعاصر. يقول الشاعر في ديوانه “لمريض هو الأمل”: “أيتها الغيمة. منذ متى لا تشبهين الشعر، منذ متى نجدكِ في علبة كبريت بين العيدان الميتة”. المحسوس في شعر بيضون هو الشعري، فللحجر قلب، والأوراق يظنونها ميتة، والأهداب الكبيرة تصلح أقفالاً للقدر، ولذا نلحظ سعياً إلى تشييء اللامحسوس، (“الحقيقة أيضاً دم”)، برغبة القبض عليه بالأسنان، وتشريحه بالمبضع، ومعاينة تفاصيله. كأن اللامحسوس ناقص الشعرية إن لم تتم مقاربته من خلال المادة، والأمثلة في أشعار بيضون وفيرة: “لحم الروح”، “قطرة من الدخان”، “نواة من الضجر”، ” زهرة النسيم”، “بصيلة الفجر”، “الحبّ ثمرة”، “ساتان الوحدة”، “قطعة الصبر” الخ…

كتابة بيضون كتابة قلقة، فجّة، وعرة، مشككة، إيحائية، سوداوية غالباً، مجافية للغنائية، ولا تنشغل بالحنين إلى الماضي، كما نستدل من قوله في “نقد الألم”: “الذاكرة تتوسع باستمرار والأمكنة تبتعد فيها” صـ34، أو “ليس لي ماضٍ سوى البارحة” صـ35. علاوة على ما سبق، قصيدة بيضون صلبة، خالية من الزوائد وتقول نفسها بأقلّ إنما بأدقّ ما يكون؛ والدقّة هنا لا تعني الوضوح بالطبع، إنما قدرة الشاعر على مقابلة عمق إيغاله في المعنى، بعمق إيغاله في اللغة.

{{قصيدة لاذاتية:}}

كما أسلفنا، قصيدة بيضون باطنية، الحبّ فيها لا يبوح، والألم لا ينوح. قد نسمع طقطقة عظامها، حشرجتها، رغبة أجسادها، تكّات ذاكرتها… لكن هذه لا تخرج عن كونها أصوات الباطن. المفارقة أن القصائد الباطنية غالباً ما تكون ذاتية، في حين أن قصائد بيضون تستبطن ذوات كثيرة وعوالم متعددة، وأحياناً تتخذ منحى صراعيا مع الذات او انفصاليا عنها. ونلاحظ أن الشاعر لا يتحدث عن ذاته بذاتية، والأرجح أن علاقته بهذه الذات هي سؤاله الكبير. وهو لا يؤمن بفوراتها التلقائية ولا يتورع أحياناً عن اللجوء إلى السخرية في تعامله معها، والقسوة والخفّة والتنكّر لها. وهكذا فإن الذات بالنسبة إلى بيضون، منطقة شعرية، لكن ليس من موقع الوصاية العاطفية، والدفاع عن النفس وحاجياتها، وخصوصاً وأن جزءاً من ألم قصيدة بيضون هو مما تسببه هذه الذات لصاحبها، ونتيجة العلاقة الشائكة والصعبة معها. ثمة نزعة حيادية في التكلّم عن الذات أكثر ما تتمثل في قلة استخدام الشاعر صيغتَي المتكلّم والمفرد في مجمل أشعاره، فكم من قصائد “الجسد بلا معلم” على سبيل المثال تأخذ صيغة المخاطبة، أو صيغة الغائب: “قلبكَ يكاد يختنق أو ينفجر في حلقك” صـ27، “إذا كانت هذه لغة جبينكِ فسيحبها. سيحبّ أهدابك على وجهه ويذوقها” صـ22، وكم من أشعار بيضون عموماً تأخذ صيغة الجمع؛ فلنتأمل “صور”، “الوقت بجرعات كبيرة”، “خلاء هذا القدح”، “نقد الألم”، “حجرات”… ثم إن مقاربة الذات لدى الشاعر قد تتم بطريقة غير مباشرة، وذلك من خلال الحديث عن أشياء أخرى، كالأمكنة مثلاً، وهذا ما قد يمنح شعره قابلية على ملامسة الذاتي من مطارح لا تُستنفر فيها العواطف بشكل درامي وفضفاض لكونها لا تملك صفة الذاتية، آخذين بالإعتبار أيضاً أن شعره قد يأخذ موضوعه أحياناً من اللاشعري، من المهمل أو النثري أو عالم المادة الفجّ. وهكذا يجرّد بيضون شعره من سلاحه العربي التاريخي، ليمنحه عضلات صلبة، يبس فيها الدمع والحنين والغناء والغزل…لكن المدهش، تلك العذوبة الغريبة التي تتمخض عن تراكيب موغلة في ماديتها وبعدها عن التجريد، ومتنافرة في ما بينها ونافرة أحياناً، مما يُثبت أنه ما من وصفة جمالية جاهزة، تشترط التقيّد بمواصفات محددة فرضتها الذائقة العامة كحكم قيمة.

{{ضد اليقين والتلقائية:}}

ينطوي شعر عباس بيضون على إحالات معرفية جمّة، لكن هذا لا يمنع من وصفه بشعر الوسوسة والشكيّة، لكونه لا يضمر المعارف إلا ليبشّر بالجهل، متبنياً تلك المعادلة الضديّة: كلما ازدادت المعرفة قلّ اليقين. الحقيقة في شعر بيضون مجرد احتمال، وهذا ما تدعمه لغة تُكثر من استعمال “قد” و”ربما” و”لعل” الخ…(“ربما كان أفضل قصّ الأظافر أو احتمال سخرية الجرح الذي يسبّب عن حذاء رخيص. ربما تساقط الأذى المكتمل كأوراق مخملية وصلبان من خزف. ربما لم يعد هناك سوى الأجفان الطويلة، الرموش فوق وجوه الملحمة” صـ31 “الجسد…”، “ولم يكن الجبل هو الذي يلد، قد يكون السحرة صنعوا ذلك أو باعة السموم” صـ20 “حجرات”). كذلك نجد أن هذه اللغة في أحيان كثيرة، لا تُقارب المعاني بصيغة التقرير إنما بصيغة النفي والإستفهام (” هل هو خطأ المنبّه أمّا أننا لا نوكل للساعات مواعيد بهذه الدقّة. الشمس موعدنا ولا نعرف ماذا تجمّع الآن. لقاء غرباء ولا نسأل لماذا يسوق العشق نفوساً حرّة…” صـ64 “الجسد…”). ونلاحظ كيف أن الشاعر في كثير من قصائده يعمد إلى إلقاء حمولة كبيرة من المعاني والصفات التي تنتفي عن الأشياء، تاركاً للقارىء وحده أن يهجس بماهياتها ومعانيها المضمرة وصفاتها الحقيقية وفقاً لنظرية الإستقصاء. الحذر في تسمية الأشياء بأسمائها، وفي ادعاء المعرفة اليقينية، والذي يطالعنا في عبارة مثل “ولا يدري أحد” أو “ولا أحد يعرف” شبه المتكررة في أعمال الشاعر (“إذ لا يدري أحد من خنق هذه الشعرة التي هي يوم طويل من حياة ع. ب. ولا من نفخ الشرّ في عقدة الحاجبين” صـ32 “لمريض…”)، يمنح الشعر مساحة أكبر لقول ما يشاء، دون الإضطلاع بأية مسؤولية، مما قد يعكس نظرة الشاعر إلى الشعر نفسه في كونه مساحة لانهائية لقول ما لايعوّل عليه.

شعر بيضون أيضاً شعر مريض؛ مريض بالجسد، بالأمل، بالأفكار والحقائق، بالذاكرة، بالوجود…مريض يتحرّى طبيعة مرضه أكثر مما يبحث عن دواء هو أصلاً لا يُؤمن بوجوده. لكأن معترك الحياة ليس إلا خلافاً فقط على إسم المرض. وهنا قد يصحّ وصف عملية الكتابة بالحمى او النوبة التي تتكفل اللغة بكل هذياناتها وانفعالاتها، لكن الشاعر لا يترك هذه العوارض على رسلها. هو يعيشها قبل أن يكتبها، عاملاً بتؤدة على موادها الأولية. وعليه، ثمة فاصل زمني بين المُعاش والمكتوب (” الشقّ الصغير الذي اختفى من جدار فيرمير قد يكون كاذباً. إذ الألم مجرد توقيع، ونحن نتكلم بعد انتهاء تاريخه” صـ16 “لمريض…”) وربما من المفيد هنا أيضاً الإشارة إلى عنوان قصيدة كان كتبها الشاعر أثناء حرب تموز 2006 وهو “قصيدة محتملة عن الضاحية”، لما يضمره من شكوك حول مدى شعرية ما يُكتب قبل تجاوز التجربة.

الكتابة لدى بيضون لا تستسلم لتدفقها التلقائي، ولا تحظى بامتيازها الشعري دون مكابدة. الإلهام وحده لا يصنع قصيدة ولا الصُدفة أو اللعب بالمفردات، فالكتابة الشعرية مسألة في منتهى الجدّية ولا يجوز التعاطي معها بسهولة. على أن صرامة آلية الكتابة لدى بيضون وجديّتها لا تنسحبان بالضرورة على المضامين الشعرية لقصائده، فهي أحياناً لا تأخذ نفسها كثيراً على محمل الجدّ. وكما أسلفنا، كتابة الشاعر كتابة تتقاذفها أمواج الشكّ والسخرية والعدمية، ولا تسمح لنا أو حتى لنفسها بمعرفة مصير حمولاتها النهائي.

{{جسد المتاهة:}}

قد تنطوي صلابة لغة بيضون الشعرية على محاولة لمنح هذا الوجود المعقّد والغامض والمثير للجدل والذي لا يبدو فيه الزمن أكثر من ذريعة لإطالة السؤال، جسداً، ولو وهمياً، يساعدنا على الرؤية إلى الحياة من خلال تأمل مكونات ومعالم وتفاصيل بعينها، والتركيز فيها، بدل التحديق في متاهة.

فهذه اللغة المتماسكة لدى الشاعر هي التي جعلت للحب مثلاً نواةً قاسية: “الحبّ ثمرة من الصحراء، يقسو كالنواة التي لا تعطش ولا تنكسر” صـ26 “الجسد…”، ولو أنه بسبب من هذه القساوة نفسها، فإن الحبّ يتعذّب: “من رجل وامرأة لم نستطع أن نصنع قوساً. ما من عبارة غدت بالفعل شيئاً واحداً. إذ نفضّل غالباً مفردة لا تنقسم، لكن الحبّ يتعذّب لأجل ذلك”صـ71. وهي التي جعلت “نواة من الضجر في لحم السرّة” صـ34،وجعلت الشاعر “ينام كالنواة”. صـ26. ولئن تتماسك اللغة فأيضاً لكي تتحرّى طبيعة المرض ـ كما أسلفنا ـ وطبيعة الوجود، لكن في النهاية، “الكلمة خشبة” ولا تقدّم ولا نجاة ولا من يحزنون. ” لكن الكلمة خشبة ولا أتقدّم، أقطع على لسانك ولا أنجو…” صـ47 “الجسد…”، ومع هذا فإن فقدان الأمل لا يعني بطلان الشعر، إذ ربما يكون هذا الأخير هو السبب الوحيد في أننا لم نمت بعد.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق