عجبًا إنّها امْرأة!

قفزت ابنتي ذات السّنتين وتسعة أشهر إلى الوراء لتلتصق برجلي ضامّة ذراعيها حول ركبتي وهي تردّد: ” بابا شْنِيَّ هذا؟ “. أمّا يحيى ذو الخمس سنوات فقد وثب ليتّخذ وضع الاستعداد للقتال، وصاح بحماس عارم: ” شبحْ… إنّه شبحْ “، مانحًا الباء في المرّتين حركة طويلةً.

رفعتُ الصّغيرة بين ذراعيّ أهدّئ من روعها وأهمس لها بالجواب: ” إنّها امرأة “. بينما جذبت زوجتي يحيى من يده لتجلس وإيّاه على المقعد الطويل، وهي تدير وجهها حتى لا ينكشف ضحكها المكظوم فيزيد الموقف إحراجا.

وأشار علينا عون الاستقبال بالانتظار بعد أن سجّل التحاليل الطبيّة المطلوبة. فجلسنا بين النساء الأربع المنتظرات، وزوجتي لا تزال تمسك الصبيّ بعد أن خفت حماسه الأوّل وراح ينظر إلى المرأة الجالسة قبالته بعينين واسعتين وفم نصف مفتوح. أمّا الصغيرة أحلام فقد أخذت تغادر ركبتي لتتجرّأ على الاقتراب من تلك السّيّدة. لقد كرّرت سؤالها عشرات المرّات، وحاولتُ أن أشرح لها بكلّ ما أسعفني به عقلي الحائر، لكن دون جدوى. ويبدو أنها قرّرت أخيرا أن تحاول الاكتشاف بنفسها، فراحت تقترب ثم تبتعد بكثير من الحذر والدّهشة راسمة بحركتها خطّا لمسافة أمانٍ لم تُقدم على تجاوزه قيد أنملة.

ولشدّ ما أدهشني ذلك الموقف الغريب وأثار حيرتي ومخاوفي. فأمامي سيّدة تستر نفسها بثوبٍ أسود يغطّي كامل جسدها ويمحو جميع أعضائها كأنّه كفن أسود، وطفلة لم تبلغ الثّالثة تصاول خوفها لتعرف كنه هذا السّواد دون أن تقدر على التّصديق أنّه امرأة.

أنا أعرف أنّ ابنتي كثيرة السؤال عمّا حولها، وعن الناس بشكل خاصّ، وأنّها تطرح أسئلتها بصيغ متقاربة: ” اشْكُونُو هاذاكَه؟ ” أو ” آشْ اسْمُو هاذاكه؟ “. و هي تميّز بشكل دقيق بين صيغ العاقل والجامد والتذكير و التأنيث وضمائر الإفراد والتّثنية والجمع، وتلحّ في أسئلتها متصوّرة أنّني أعرف كلّ شيء وكلّ إنسان، حتى أضطرّ أحيانا كثيرة إلى اختراع أجوبة من خيالي لأروي عطشها. لكنّ موقفها يومها، ونحن ننتظر في بهو مخبر التحاليل الطّبّية بأحد مستشفيات العاصمة صدمني. فلأوّل مرّة تستعمل ابنتي للسؤال صيغة غير دقيقة فتسأل عن الشخص العاقل بصيغة الشيء الجامد !!

فهل أخطأت ابنتي السؤال؟…
أنا لستُ ضدّ هذا اللباس، ولا ضدّ أيّ لباس آخر بما أنّه حرّية شخصية وحقّ فردي وشكل من أشكال الاعتراف بالفرد يضمن خطوة لبناء إنسان سويّ. لكن هل تصل هذه الحرّية إلى درجة تخفي كامل الوجه والذراعين والقدمين و تحوّل الجسم البشريّ إلى سواد متماهٍ كأنّه خشبة مغطّاة بقماش؟

أظنّ أنّ ابنتي على صغرها و براءتها و جهلها بالعادات والعقائد والإيديولوجيات أصبحت في تلك السّنّ تعرف أنّ الإنسان يتميّز عن سائر الموجودات بجسمه العموديّ و ذراعيه و رجليه ورأسه وشكل وجهه، كما أصبحت قادرة على التفاعل مع الناس بحسب ملامحهم فتستجيب للغمزات والابتسامات وتنفر من الملامح العابسة والوجوه الحزينة. فكيف تحسن اختيار السؤال إذا فقدت جميع معارفها وتردّدت حائرة أمام سوادٍ؟…

كانت المرأة قد أخذت تعابث ابنتي التي لم تقدمْ بعدُ على تخطّي مسافة الأمان، بتحريك أصابعها تحت السّواد ممّا يسمح بتمييز نتوءاتٍ و أشكال تتحرّك على القماشِ.. ياه يا أختي، إنّ لك أصابع… لعلّها طريقتكِ في التّعبير عن كيانك الفرديّ… أو ربّما تسعين إلى السّكينة في الاختفاء أو الذهول… أو تبحثين عن هوية و انتماء يخلّصانك من الضياع في هذه الدّنيا الهائجة… أو لعلّك تهربين من شيء ما… أو تقعين فريسة فضائيات تجارة الدّين و التخويف… ولكنْ ما ضرّكِ لو عرّيتِ عينيك و أنفك على الأقلّ حتى تريْ الألوان وتعُبّي الهواء ملء رئتيكِ، و تُتيحي لطفلةٍ أن تتعرّف عليك كمنتمية إلى الجنس البشريّ؟؟

هذا ما حدّثتُ به نفسي عندما حرّكت المرأة أصابعها. لكنّ أحلام ازدادت توتّرا و تسارعت حركاتها أمام المرأة الجالسة دون أن تتخطى مسافة الأمان. فنهضتُ لأقود يحيى خارج البهو و أنا أفكّر أنّه ربّما إذا خلت القاعة من الذّكرينِ و استمرّ عون الاستقبال نائيا خلف شباكه رفعت المرأة شيئا من ردائها و خلّصت الطفلة من مأزقها.

وبينما كنت ألاعب الطفل الذي أخذ يقفز فوق السّور الواطئ و يداعب نباتات سامقة الخضرة سمعتُ أحلام تكلمت ضاحكة فأدركت أنّ ظنّي قد صدق.
اقتربت من الباب خلسة واسترقت النظر، و يا للعجب ! كانت امرأة ككلّ نسائنا، شابّة و جميلة، وكان فرحها بابنتي يملأ وجهها وهي تحادثها وتعابثها بكلّ ذاك الحنان الذي يفيض كلّما لاعبت امرأة طفلا.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق