عجز العقل الأرضيّ

بداية ً اخترت مصطلح “العقل الأرضي” لسببين :

1.    كي لا أقع في مغبة التأسيس لتمييز(ضد-كوني) و قصر وجود مادة العقل على كوكبنا دون سواه في الكون الفسيح.

2.    كي أضع العقول البشرية بتنويعاتها وانتماءاتها( العقل الغربي، العقل العربي، العقل الإسلامي……الخ) ضمن عفش واحد، يعطي الأرض هويتها المعرفية الكونية.

 ويبدو أن العقل الأرضي، وبعد أن استوفى صيرورته في درجة ما من تطوره التاريخي، واجه عجزا ً متراكبا ًعلى صعيدين :

1.    العلاقة”الصراعية” مع الطبيعة التي تضعه وجها ً لوجه أمام فهرس التعقب والبحث  المستميت عن مقومات الحياة وجوداً واستمرارا ً، حيث الإذعان والرضوخ لسطوة اللحظة الراهنة والغيب معا، في مسعىً لنشدان الفرج، وربما كان القطيع الاجتماعي مشدوداً إلى شمولية ثقافة البحث عن هذا الفرج خارج متاهة العمليات العقلية من إدراك وتجريد ومفاهيم ملتبسة وكلمات حمالة أوجه، ذلك أن مفردات الوجود الطبيعي من وحوش وبرد وحر وجوع وعطش لا تعني سوى شيءٍ واحد ، الخطر من حيث هو وحدة المسائل والأولويات والإيديولوجيات جميعها (فالمعاني في عب اللغة) ، وقبلة المرجعية هنا غير ملتبسة، وكذلك الفتوى وعناصرها الواقعية في صرة واحدة، فالثقافة لم تنتج بعد ألعابها المفاهيمية الفانتازية.

2.    “الوجود المادي ” كتلة المجاهيل التي يتضاءل أمامها” الوعي” ، والوزن المعرفي لهذا العقل، فتنامت تصورات بناء الحياة في حراسة ورعاية الغيب و المجاهيل، وتأسست قواعد السير في المتاهة التاريخية بانتظار كمين ثنائية ” الدين –العلم”  ،التي ستربك الوجود الاجتماعي/المعرفي بعد قليل، وتشطره تمهيدا لتشتيته.

ففي تربة هذا العجز/الجهل المتراكب نمت دونية بني البشر، وشرعوا في رحلة العمر بعتادهم الفكري المتواضع منقادين كضرير إلى الطبيعة ،التي تتكفل بهم  فتقدم لهم غموضها البهيم مادة خاما  لصناعة عالم الغيب والأساطير، بينما تستغلق جميع صناعات مقومات الحياة المادية الأخرى أمام جهلهم العلمي/التقني الجائر، ليمارسوا عندئذ ٍالتسول المعرفي على أبواب غضب الآلهة التي تجلدهم بلا الناهية،على خلفية عدم الثقة بهم، فهبوط آدم من الجنة ليس بلا معنى،ومغزى مستبطن في بنية العجز وجلد الذات وتقريعها وتبكيتها، وكذلك على أبواب التاريخ الذي يحفظ لهم هزائمهم، ويستنطقوا المواضيع الطبيعية والاجتماعية والفكرية،فلا يرشح من استعصاء القوانين وقواعد الحياة والحقائق على الفهم ما يسد رمق العقل،لذلك فالنخب الفكرية كان عليها عندئذ ٍ أن تدير لعبتها الفكرية في السماء وعلى مسرح الخيال، تصوغ أجندتها معتقدات وأساطير لبناء الحياة التي يبدو أنها لا تحتاج في بنائها لأول وهلة ٍإلى حضور العقل وطائفته المعرفية،ذلك أن  الطبيعة  تطلق صفارة هذه الحياة فتهب المجتمع الماء والكلأ والاتساع مجاناُ جنباً إلى جنب مع سطوة ظرفها القاهر(استبدادها)  ، حيث دائرة قهر البشر في أضيق حالاتها، فالبشر لم يمتلكوا بعد إمكانية وإستراتيجية جلدهم ودمارهم الذاتي، ولا دمار الطبيعة،أو العبث بنظامها الصارم(رغم امتلاكهم ناصية القهر والظلم والطغيان وموادها )،فذات يدهم ودهاؤهم لم يتعديا حوافر طرا ئدهم،في إطار من المعارف والخبرات والمهارات المتواضعة، فالطبيعة والحالة هذه في كامل فطريتها وعفتها وأدائها العفوي.وحده المجتمع ظل حتى وقت قريب بكامل غفوته على وسادة هذه الطبيعة،يمارس الحبو على ركبتي عجزه ودونيته ولعب الاستبداد.

وببلوغ البشر تاريخيا ً ميدان القرنين الأخيرين( التاسع عشر والعشرين )وامتلاكهم ناصية العلوم واجتراحهم الفتوحات المعرفية والاكتشافات العلمية في مثلث (الطبيعة،المجتمع،العقل) وتنامي جرأتهم العلمية والأخلاقية في التوغل والنزهات أكثر فأكثر في عوالم الغيب والمجاهيل،وتعزيز مرتكزهم المعرفي والتكنولوجي ورسوخه ، فربما باتوا جبابرة علم/تكنولوجيا ويتعين عليهم منطقيا ً إعادة النظر في عجزهم/جهلهم المتراكب وإخراج الأرض من دونيتها. وتحسين ذات البين ،ولكن…

 ولكن يبدو أن العقل  بما استجمعه من إمكانيات العلوم و التأهيل،(بما اختزنته أدراج البحث العلمي) قد أنجز مفارقة منطقية على سلم التطور التاريخي الصاعد بالافتراض الأكاديمي  ً فعاد هذا العقل مطرودا ً إلى المربع الأول على خلفية عناصر العجز الأرضي المزمن ومن كل زوايا التعويق التاريخي ، وبدلاً من بلوغ هذا العقل مرحلة اكتمال الأهلية والرشد تمهيداً للتعايش السلمي الرشيد بين حوامل الحركة في الطبيعة والمجتمع والفكر،(قل التحكم العقلاني ببراغي موجوديته) استدرج هذه الأرض برمتها إلى لعبة الجنون والحماقة والفرجة التاريخية التي لم تكن عليها هذه الأرض ذات يوم، فباتت أمام مصيرين من الدمارالعميم :

1.    نسفها(وضعها قيد النسف العاجل) بما يمتلك البشر من ترسانة نووية طائلة، وتكنولوجيا مدمرة.

2.    استكمال تلازم مساري الإجهاز على الأرض،من خلال مكنة الصناعة والحروب الدائرة في أربعة أرباع الأرض،تمهيداً لنسف آجل للحياة منطلقا ً ومآلا ً.

 وهنا العجز سينجز استحقاقين:

1.    المساواة أمام مجانية الجهل والمرض والجوع والأوبئة وأمام الجحيم .

2.    انصراف النخب الفكرية كسابق عهدها وعلى خلفية هذا العجز والعودة مجددا ً إلى سماء المفاهيم والمصطلحات وأداء الألعاب المعرفية التي غالباً ما تمزق العوائل الإيديولوجية وتشيع الضغائن في صفوفها دون أرصدة موضوعية لهذه المفاهيم،سوى إثبات وتكريس لتقمص السلطة الشمولية في الذات الواحدة، وإلا فبماذا نفسر اختلاف التصورات وصعوبة الائتلاف المعرفي  حول وجود مادي بالغ الوضوح والدلالة ، ذلك أن المعارك والاختلافات الفكرية التي تدور حول مفهوم العلمانية مثلاً(وليس على سبيل الحصر) مع وضوح مادته على أرض الواقع لا يعني أكثر من تحديث لصناعة الأساطير وتكريس الضلال ، حيث تستعصي بعد ذلك على البشر عملية تطوير وتحسين شروط ومستوى حيواتهم،لكن وبنفس القدر ورغم ضيق شقة  مثل هذا الاختلاف في مجال البحث العلمي والقراءات التقنية كأن يتطابق مثلا ً مصطلح الانحباس الحراري وسباق التسلح وتلوث البيئة والاحتلال والاستبداد مع المعادل الموضوعي،كاستحقاق ٍ تنفيذي لهذه المصطلحات.فإن نتائج البحث العلمي/التقني تصبح في قبضة الطغيان ويتأسس عليها هي الأخرى الدمار العظيم، والنتيجة واحدة أمام النخبة(بشقيها العلمي والثقافي) ،حيث شيوع الضياع .

 وفي كل الأحوال فالعقل الأرضي مصادر مع كل أشكال وعيه ومعارفه(العلم ، الأيديولوجيا…والأعراف..الخ) بعجزه أمام ثبات منظومة موضوعه من جهة، وأمام المشاكل التي خلقها هذا العقل جراء تطاوله الأحمق والجنوني وغير المدروس على موضوعه،من جهة أخرى، ويبدو أن العقل لن يغامر بعد ذلك،مغامرة أخيرة، وسيرحلان معا ً(الأرض وعقلها)هباء ًفي رحاب الكون  الفسيح.

والآن إذا عدنا إلى كوكبنا و مختلف العقول بجهاتها ومشاربها المعرفية ،وخطاباتها لاسيما الأصوليات الأربع (الدينية والليبرالية،والشيوعية والقومية)، ومختلف القضايا  البشرية المثارة وعلى رأسها حقوق الإنسان وحياته الحرة الكريمة،لا يسعنا إلا إعادة تركيبها(بعد خيباتها التاريخية فرادى وأعداء بكامل المسؤولية التاريخية )كي تنتظم في إطار العقل الأرضي الشامل المستنفر بعملياته النفسية والمعنوية والإدراكية أمام قضية الأرض(الأم الكبرى للقضايا) ،ونعيد القراءة الشاملة من جديد لتفاصيل هذه القضية المتماسكة في وجودها الموضوعي ، والتي تبتلع كل تفاصيل القضايا الجزئية ومعارفها ومفاهيمها وإيديولوجياتها، (بتنا حيَّا في قرية صغيرة،ينتهكها الطغيان والخراب)، بانتظار تماسك صنوها المعرفي.

والآن إذا كانت الجغرافية والجهل قد قطعا أوصال القطيع البشري في أرجاء الأرض إلى مجموعات من المستحيل لم شملها وإقامة الصلات بينها، و(صراع الحضارات..!)أي إذا كان البشر يتمددون بهذا الجهل، وإذا كانوا الآن(أوائل القرن الواحد والعشرين) قرية صغيرة شطبت الجغرافية من قاموس الاتصال التقني الجبار، أي إذا كانوا يتقلصون بالعلم، أليس من قبيل وضع العقل في الكف أن تكون نتيجة التقلص والتمدد واحدة،إنها العجز..!؟

ويبدو أن الرئيس السوفييتي غورباتشوف لم يكن يمزح حينما تبادل مع نظيره الأميركي ذات يوم فرضية أن تهاجم الأرض كائنات كونية، إنه طرح كوني(أممي) وبحث عن لم الشمل الأرضي على حافة الهاوية ،وبدأ الانهيار حينذاك، ويبدو أنه لن يتوقف…..
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق