عدسة سبنسر توينك

لأنّ الكلام قد ينتهي مفعوله، ولأنّ الأذن قد لا يروق لها سماع أيّ شيء يعارضها، ولأنّ اليد قد تنسى المصافحة، ولا تعرف إلا الضّرب، ولأنّ هذه الـ( قد) تتحوّل إلى حرف تحقيق، إذا سبقت الفعل الماضي، فكان لا بدّ للبعضٍ من لغة ثانية، لإعادة الأمور إلى نصابها، مادامت اللغة المنطوقة غير قابلة للفهم، ويكاد يأنف منها من يترجم له إليها، أيضاً، ولم لا تكون هذه اللغة هي لغة المخفيّ، الواضح، الشاغل، المقدّس، المستهلك، في آن واحد، وهي لغة الجسد.

واللّجوء إلى الجسد كلغة وكوسيلة احتجاج ليست وليدة هذا العقد الأخير من الزمان الذي يشهد حالات تعرٍّ جماعية، للمطالبة بمطالب بيئية كالحدّ من انتشار الغازات أو الدعوة لحماية الحيوانات، وأحياناً لأسباب سياسية كما حدث مع الفنانة التشكيلية السورية هالة الفيصل التي تعرّت في ساحة عامّة، في الولايات المتحدة الأمريكية احتجاجاً على غزو العراق، حيث سبق استعمال الجسد تاريخياً كلغة تهديدية فعّالة، حين فقدت كلّ الروادع، وكلّ الرجاءات بالتغيير، أو بالاستمرارية. فقد كان لتعرّي الفارسيات وكشفهنّ عن عوراتهنّ، دور كبير في انهيار الإمبراطورية الميدية، حينما تراجع الفرس منهزمين، فعادوا وحاربوا إلى أن انتصروا، عدا عن حوادث وحالات أخرى مماثلة قام خلالها النساء بالتعرّي، لإثارة النخوة والحماس في نفوس أزواجهنّ أثناء المعارك(1)، وهذا ما يدفعنا إلى القول: إنّ التعرّي كحالة جماعية، لم يكن المصوّر الأمريكي سبنسر توينك هو الملهم له، أو المبشّر به.

ورغم التطابق الذي نشهده بين حالة التعرّي قديماً، والتعرّي اليوم- مادام الجسد هو وسيلة التعرّي في كلتا الحالتين- إلا أنّ التعرّي على الطريقة السبنسر توينكية لا يهدف –فقط- للاحتجاج، إنما يهدف أيضاً إلى إعادة الاعتبارات الجمالية للجسد، والكفّ عن النظر إلى الإنسان روحياً كوجه جماليّ، والجسد كوجه آخر شرّير ضمن ثنائية متداولة منذ القديم، وإلى أنّ هناك إمكانات جمالية كبرى في الجسد، لو تمّ النظر إليه، بإسقاط كلّ المفاهيم المتوارثة التي اكتسبت، واكتسى بها الجسد، جيلاً بعد آخر.

لا شكّ أنّ ثقافة التحريم التي طالت الجسد، لم تكن من الجانب الإلهيّ فحسب، ففي الوقت الذي اخترع فيه البشر لهم آلهة، آمنوا بالجسد على أنه محرّم على الكشف، ولو تمتّ ملاحظة الرّسوم التي تركها الإنسان البدائي على جدران الكهوف والمعابد، ونُظر إليها من منظور اللباس فحسب، لتمّت ملاحظة مدى التقدّم في الاحتشام بالنسبة للجسد مع تقدّم آليات الفكر، حيث أنه وفي البداية كان يتمّ تغطية العورة فقط بورقة من أوراق الشجر، ومن ثمّ تطوّر الاحتشام، ليغطّي أغلب الجسد…!

وتشير دراسات أنثربولوجية إلى أنّ اليونانيين القدماء قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة، كانوا يقومون برياضاتهم وهم عراة، ويكرمون الفائزين فيها وهم كذلك عراة، وأنّ الملابس قد استخدمت قبل 72000 سنة، دون أن توضّح تلك الدراسات مرحلة ارتداء اللباس كنوع من الحياء(2)، واليونان كانوا متقاربين في فكرتهم عن الإلهة العارية مع الرومان، حيث كانت لديهم إلهة الحبّ أفروديت العارية. في المقابل، وجدت عند الرومان إلهة الحبّ فينوس العارية، وفي ذلك نوع من الجمال الروحيّ النقيّ(3).

وقد باشر توينك هوايته هذه منذ العام 1992، ويرتبط اسمه منذ ذلك الوقت بالتعرّي الجماعيّ الذي يرمي من خلاله إلى التعامل مع الجسد كلوحة فنية، وقد انضمّ الناس إلى دعواته في أكثر من بلد أوربيّ وأميركي، حيث أقام عروضه في كلّ من المكسيك بحضور عشرين ألف شخص في ميدان ألتو كالو، وفي برشلونة الإسبانية بحضور 7 آلاف شخص، وألفي شخص في العاصمة الفنزويلية كاراكاس، وسويسرا والنمسا ودوسلدورف بألمانيا واستراليا، ويتعدّى الأمر مع توينك إلى إقامة اتفاقات ونشاطات مشتركة مع منظمة السلام الأخضر، والدعوة إلى حالة تعرّ، لتسليط الضوء على مخاطر الاحتباس الحراري.
ويقول توينك بعد حشده أكثر من 1500 فنزويلي عراة أمام نصب الاستقلال في العاصمة كاراكاس :”إنّه لأمر جميل لمدينة وأمّة أن تمنح بعض الإجلال للجسد، كأداة فنية. بالنسبة لي، المسألة كلّها اعتبار الجسد كمادّة، مادّة عضوية.”

ونلمح في نشاطات توينك التعروية قناعة ذاتية بأنّ ما يلجأ إليه، ليس فقط لأجل المطالبة بمطالب بيئية وحسب، بل إنه على العكس، يعمد إلى إضفاء شرعية لو جاز التعبير على ما يريده من الجسد عارياً، فهو يركّز على خروج الجسد قبل كلّ شيء من لجّة أسراره، وهذا بالضبط يؤكده ما قاله في المكسيك، عقب العمل الذي قام به هناك دون أن يكون لما دعا إليه من تعرّي أيّ علاقة بأيّ احتجاج: “إنها لحظة عظيمة للمشاهد الفنية المكسيكية، أعتقد أنّ كلّ العيون الأمريكية تنظر اليوم نحو المكسيك، لترى كيف يمكن لهذا البلد أن يكون حرّاً، وأن يعامل الجسد العاري كقطعة فنية، لا تعكس الخلاعة والجريمة، بل الفرح والحنان.”

ولو نظرنا إلى لوحات توينك البشرية العارية، فإننا نلمح فيها دون شكّ، كسر القدسية، التي كانت محصورة عبر التاريخ في الجسد الأنثويّ، من حيث أنّها تتساوى في العري، مع الجسد الذكوريّ، وهو يشكّل إعادة اعتبار أخرى للجسد الذكوريّ وإلى الجسد الإنسانيّ بشكل عامّ، وهو يركّز بشدّة على الأوضاع الجنينية في غالب لوحاته التي هي إشارة صريحة إلى عدم التعامل مع الجسد كأنّه لغة محرّمة على التداول، بل هي الطبيعة الأساسية للإنسان الذي ولد عارياً، ومن ثمّ لجأ إلى اتّخاذ الثياب كأردية وأغطية، لإضفاء قدسية على مراكز التناسل، أو الثدي، باعتباره علامة مشتهاة في الجسد الأنثويّ، وهو ما لا يقلّ أهمية عن العضو التناسليّ عندها بضرورة حشمته.

من هنا، لا بدّ من التساؤل :كيف يمكننا التعامل مع الجسد، على طريقة سبنسر توينك وأصدقائه، ممن يتبنّون الاتجاه نفسه في الاحتجاج في أورربا والبلدان الأميركية؟ وأن نتجاوز كلّ ما عندنا من مخزون وموروث تحريميّ، لكشف الجسد لغاية الاحتجاج وأن نجعله مجرّد وسيلة لغاية، ونحن الذين اعتدنا على التعامل مع الجسد كغاية في حدّ ذاته؟

في المقابل، هل ستجدي لغة الجسد العاري الاحتجاجية أيّ نفع، إذا ما اعتمدت –كمحض- لغة احتجاج؟ ومن يضمن عدم فقد مضمون لغة الجسد القدسية في الاحتجاج، كما فقدت كلّ مضامين الاحتجاجات والمظاهرات، وفي ذلك الوقت، بعد أن قمنا بتعرية الجسد كلغة احتجاج ترى :ما الذي سيبقى، لنكشف عنه، ونعرّيه محتجّين به…؟

هل يعمد توينك إلى يوم قيامة مسبقة على طريقته الخاصة، للتنعم بالجسد جمالياً قبل عقابه على ذنوبه، باعتبار أنه من المؤكّد دينياً أنّ الإنسان سيقف يوم القيامة بين يدي خالقه عارياً دون الاكتراث بجسده أو أجساد من حوله، لأنّ التفكير في العقاب الذي سيناله الجسد سيكون هو المسيطر الأكبر على التفكير.

ومن جهة أخرى لما لا يمكن النظر إلى تلك اللوحات البشرية العارية على أنها هي كلّ الحقيقة البشرية، فلو أضيف إليها إنسان إفريقي، أو آسيوي، أو أي إنسان آخر، من أيّ قارة أخرى، ترى هل ستنقص من قيمة اللوحة شيئا؟ أو هل ستضع ملامحَ غريبة في جسد تلك اللوحة غير الجمالية، وهو ما أصبحنا نتجاهله.

مؤكّد أنّني- خلال هذه الوقفة التعروية لن أتبنّى فكرة توينك في التعرّي كأداة احتجاج، بل من خلال منظورها الجماليّ الفلسفيّ، ولكن مادامت معارضه البشرية العارية تتواصل تباعاً، دون أن أكون مؤثّراً عليها في شيء.. فلتضئ تلك اللوحات كلّ الطرق المنسية في قلوبنا إلى قلوب البشر ابتداء من جيراننا وانتهاء بمن لا نعرفهم في كلّ زوايا الأرض ـ عوضاً عن التفكير في السيطرة عليهم واحداً بعد وقبل الآخر.

المصادر: (1) روزا ياسين :التعري زمن مشحون بالترقب -الأوان
(2)موسوعة ويك بيديا العالمية
(3) محمد علي صالح : التعري: فن أو جنس؟ الشرق الأوسط

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق