عرب أكراد أكراد عرب: وقائع ضد الوهم القومي

حين تجالس غسان دريعي، تستطيع أن تتبادل معه أطراف الحديث باللغة الكردية وبالذات باللهجة الآشيتية، أيا كان الشأن الذي تتحدثان فيه، فهو يجيدها ببراعة لا توصف. وإن كان الشأن سياسيا فلن تشعر إلا أن هذا الشخص كردي. فبالإضافة إلى أفكاره وطموحاته السياسية القريبة حد الملاصقة للرؤى الكردية القومية، تبدو تفاصيل حياته كلها من الزي إلى المسكن والمأكل وطريقة الإشارات الإيمائية، إن لم نقل نوع الضحكات ونظرات العيون، شديدة القرب من الاجتماع الكردي. وإن وجد نفسه محاصرا بأسئلة لجوجة عن مواضيع “الأصل والفصل”، يرفع يديه بعد ابتسامة مازحة ويقول: ” يا أخي أنا نسيب آل البرزاني”.

قد تُمضي ساعات وأياما مع غسان هذا دونما أن تكتشف أي شيء من لا كرديته. فغسان الذي ينحدر من عشيرة الدليم العربية التي تسكن المنطقة المحيطة بمدينة الموصل بالعراق، هاجر أهله قبل عدة عقود إلى الشمال السوري، وسكنوا في قرية “تربسبية” التي كان جل سكانها من الكرد، واختلطوا بأهلها. تزوجوا منهم وزوجوهم، وتعلموا اللغة الكردية، حتى أنك اليوم لا تميز بينهم وبين أي واحد من سكان القرية، فهم يشبهون الآخرين حتى في الأحلام التي يرونها.

وفي قرية “تربسبية”، تلك كان ثمة رجل كردي يدعى محمد شريف حاجو، كان أبن مالك القرية بكاملها . وحين رُزق بابن سماه محمد سعيد، ووضعه لدى مرضعة عربية. بعد أسابيع عدة جاء خبر بوفاة الطفل الرضيع ذاك، فطلب محمد شريف دفنه حيث هو. الحقيقة كانت أن الذي توفي هو أبن المرضعة لا محمد سعيد ابن محمد شريف حاجو، لكن روح الأمومة غلبت المرضعة فزينت لها نكران الحقيقة. تدور الأيام ويكبر محمد سعيد “الكردي” في بيئته العربية البدوية تلك، ويتعلم العربية بلفظ الظاء ظاء لا زاياً كما ينطقها الأكراد حين يتكلمون العربية، لكن عيونه الزرقاء ظلت تلاحق أمه المربية سنوات إلى أن باحت له بالحقيقة بعد خمسة وعشرين عاما، فعاد إلى أهله الأولين. ومن أهله، لا يشبع المرء عن سماع حكايات ذلك الشاب العربي ذي العيون الزرقاء الذي أكتشف بعد ربع قرن أخوته الكرد، وكيف عاش معهم بلغة وعادات أخرى . لكن ما لا ينسى البتة، هو “الندبة” العربية التي عقدتها أمه وخالاته العربيات حين وفاته بحادث أليم، بعيد عودته بوقت قصير. وكيف أن أمه الكردية كانت تطلب من أمه العربية أن تصبر على مصابها.

في تلك القرية، وفي كل مكان من ذلك التماس الديموغرافي بين الكرد والعرب، قد تجد حكايات شبيهة بتلك . حيث قد ترى كردا مثل غسان لم يكونوا قبل جيل واحد كذلك، أو عربا بالرضاعة والحياة مثل محمد سعيد، حيث لم ير أهله أفضل من مرضعة ومربية عربية له . لكنها في الراهن تبقى تلك حكايات من الماضي ليس إلا. لأن حزب البعث وأمثاله حين سيسوا العروبة بعد ذلك، أساءوا لها، فحولوها إلى آلة تريد تلوين المكان بلون واحد، فغيروا أسم القرية إلى “القحطانية” وإن يكن في القرية كلها شخص واحد ينتسب إلى قحطان. ومنعوا عن أهلها الكلام والغناء والتفكير بغير ما تشتهي أيديولوجياتهم الجافة، وفي مرحلة لاحقة سحبوا الجنسية “العربية السورية” من بعض أهلها، بدعوى أنهم مهاجرون حديثون، ثم أخذوا الأرض من كردها ووزعها على عرب استقدموهم من مكان غير قريب، داخلين لعبة التغير الديموغرافي، صانعين من لاشيء أحقادا لا تحصى، أحقادا تنزل بها التفاعلات والفاعليات الاجتماعية السياسية درجة الصفر المطلق، وتلك غاية من يريد المكان صامتا كالقبور. وبذا أصبح عرب المكان عربا لأن غيرهم كرد وكرد المكان باتوا كردا لأن غيرهم عرب، بعد أن كانوا قبل ذلك كردا وعربا بغير ولغير ذلك.

لا تتوقف الحكايات عند أشخاص أو عائلات بعينها. بل تتعداها إلى جماعات بأسرها لا تعرف لنفسها تحديدا قوميا. فـ”المحلميون” الذين يسكنون الشمال الشرقي من سورية مثلا، يتواترون بين الشعور القومي الكردي والشعور القومي العربي. فقد ترى في عائلة واحدة منهم من يدعي أنه كردي وآخر يدعي أنه عربي. وكذلك هم “التات” الذين يسكنون الشمال الغربي من سورية. بالمجمل، كان البشر هنا قبل صعود الإيدلوجيات القومية بشكلها السياسي، نتاج تفاعلات إنسانية أقل ذرائعية في التعامل مع التاريخ مما نفعله اليوم، أو ما نظن أننا نفعله. حيث جيء بالناس إلى الوعي القومي، ولم يذهبوا إليه، أو لم يكتشفوه بأنفسهم، فلوث براءتهم في وعي الإنسان، الإنسان ككائن ليس له أي معطى قبلي ثابت، فأُريد للقومية أن تكون في جغرافيتنا أحد تلك المعطيات القبلية، أحد تلك الأوهام!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This