عرب الأرض وعرب الفضاء / مأمون فندي

مشلكة العرب اليوم هي ليست الفجوة بين الشعوب والحكومات، التي يتحدث عنها البعض، الفجوة الأخطر هي التي نراها اليوم بين عرب الأرض وعرب الفضاء، عرب الواقع المعاش وعرب الفضائيات العربية… عرب الفضائيات ينسجون حولهم عالما وهميا من بطولات خلت، يستحضرون خالد بن الوليد وصلاح الدين، ويدخلون في حروب وهمية مع أعداء بأحجام وهمية أيضا، ومتى ما تركوا أضواء الأستوديوهات، وركب بعضهم سيارته الخاصة، ودخل في اختناق مروري، أو مشى أحدهم من الأستوديو إلى بيته، غرقت قدماه في مياه الشوارع القذرة في مدننا… لا نستطيع إصلاح ماسورة مجاري في الشارع، ونريد أن ندخل حروبا وهمية مع دول عظمى، ويفضل بعضنا البقاء في وهم الشاشة وأضوائها المبهرة على أن يواجه حياته الحقيقية.

وهم الفضائيات يجعلنا نتعلق بالقضايا الكبرى، بصراع الحضارات وبكلام وهمي كبير، بينما واقع الحياة يفرض علينا التعامل مع البطالة والقروض من البنوك لسداد فواتير الحياة اليومية… على أرض الواقع علينا ديون لابد من سدادها، أما على الشاشات، فلا ديون ولا يحزنون، فكلنا أبطال، كاملون مكملون.

حالة الفصام بين عرب الفضاء وعرب الأرض، بين الوهم والحقيقية، تتجلى بوضوح في مصر أكثر من غيرها من الدول العربية، ولهذا أسباب كثيرة يطول شرحها: لدينا اليوم مصران، مصر الفضائية ومصر الأرضية، مصر الأرضية يديرها الرئيس حسني مبارك، أما مصر الفضائية فلها مئة رئيس… كثير من المصريين من مدمني الفضائيات، وهم أشبه بمدمني المخدرات، يحتاجون إلى علاج نفسي، ما إن أعطيت أحدهم ميكروفوناً إلا تحدث باسم الأمة، وفي تلك اللحظة ترتسم على وجهه ملامح الزعامة والقيادة والريادة، ليصبح صاحبنا، أو صاحبتنا، ضيفا كان أو مذيعا أو مذيعة، هو رئيس مصر الفضائية وصانع سياساتها، ولو في برنامج لمدة ساعة أو «تسعون دقيقة»… والغريب أن رئيس مصر الفضائية يصدق نفسه على الهواء، والأغرب أن المذيعة تصدقه وتصدق نفسها أيضا.

شيء ما فينا، اسمه مرض ما، يجعلنا غير راضين بأماكننا ومواقعنا التي نحن فيها، نريد أن نكون شيئا أكبر مما نحن فيه، وهذا المرض رغم تمكنه من فئات كثيرة من الشعب، فإنه أكثر وضوحا في حالة المذيعين والمحللين الفضائيين.

لقد شاهدت المؤتمر الختامي الذي عقده الأمين العام للجامعة العربية بعد قمة الدوحة، واستمعت إلى خطب الصحافيين… فالصحافيون عندنا من جنس آخر غير صحافيي العالم، يخطبون ولا يسألون، وتحدث عراقي عما يجب أن يفعله رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، وما يجب أن تفعله قطر، وتحدثت صحافية مصرية عن رؤيتها لمستقبل العرب، خطب لا أسئلة… أمر مثير للشفقة وللضحك معا، المرء يبدو جادا ومحل احترام عندما يلبس ثوبه ويؤدي دوره بحجمه الطبيعي، أما تضخيم الذات ففيه مبالغة، يتحول فيها الشخص من الحجم العادي إلى حجم مضاعف، ومتى ما تضاعف حجم الإنسان انتقلنا من حالة الحديث عن إنسان طبيعي إلى الحديث عن صورة كاركاتيرية لإنسان، غالبا ما تكون مادة للضحك أكثر من كونها مدعاة للاحترام.

الفضائيات شوهتنا ونقلتنا من حالة الواقع إلى حالة وهمية، من الحجم الطبيعي إلى الحجم الكريكاتيري، وازدادت الفجوة بين عرب الفضاء وعرب الواقع، وكلما زادت الفجوة بين الحقيقة والوهم، كنا نتحدث عن أناس مرضى بالانفصام الشخصي.

في الفضاء وفي الفضائيات نتحدث عن العالم العربي، وعن الجامعة العربية، أما على الأرض، فهي جامعة دول عربية، أي أنها مكان للقاء قادة الدول لا قادة الحركات السياسية، وفي جامعة الدول مثلا هنا مقعد واحد لدولة اسمها لبنان، يحتل هذا المقعد رئيس الجمهورية اللبنانية، أو رئيس الوزراء، أما في الفضائيات فيحتل حسن نصرالله مقعد لبنان، فالواقع شيء والفضائيات شيء آخر.

في الفضائيات كل العرب ضد إسرائيل ومع المقاومة وضد أميركا، وفي الواقع لدى بعض الدول العربية معاهدات سلام، وعلاقات خاصة ومفاوضات غير مباشرة ومكاتب تجارية وتبادل خبرات أمنية وقواعد عسكرية مع أميركا وإسرائيل… نقاوم في عالم الوهم، لكن الواقع يفرض علينا أموراً أخرى، فأنا هنا لا أدين لا المقاومين، ولا المسالمين، كل ما أريد قوله هو أنه لابد لنا، وكي نعيش في مجتمع صحي، أن نضيق الفجوة بين عالم الوهم وعالم الواقع، بين عرب الفضاء وعرب الأرض، إن كنا نريد الشفاء من مرض انفضام الشخصية الذي نعانية، الذي ظهر بصورة أكثر وضوحاً مع ظهور الفضائيات.

المصالحة العربية التي يجب أن نسعى إليها هي مصالحة مع النفس في المقام الأول، لا مصالحة مع الآخر، والخلاف بين الدول العربية ليس مشكلة طالما أن هناك حداً أدنى من التنسيق في السياسات، وليس ضرورياً أن يتحول القادة العرب إلى أصدقاء حتى يمكنهم تحقيق الأهداف، فالمطلوب منهم هو التنسيق والعمل، لا الصداقة، وهذا الخلاف العربي، وهذه الفجوة والجفوة والقطيعة، ليسا هما المشكلة الكبرى، إنما المرض الحقيقي الذي ينخر في جسد الأمة اليوم هو ذلك الفصام في الشخصية، الفجوة بين عرب الفضاء وعرب الواقع، بين عرب يريدون التعامل مع الواقع كما هو على الأرض، وبين عرب يصنعون مشاكل وهمية كبيرة، يناضلون من أجلها في الفضائيات، ضاربين بالواقع عرض الحائط، والأغرب أنه بيننا من المجانين من يصفق لهذا النضال الوهمي.

عن جريدة الجريدة

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق