عزلة الفعل الثقافيّ العربيّ

في وسائل الإعلام المختلفة كما في أغلب مجالات الإبداع والمعرفة بشكل عامّ، نجد المثقفين وغير المثقفين العرب ينتقدون مجتمعاتهم ويحلـّلون أوضاعها، حتى أصبح كلّ شيء معلوما: أنظمة استبدادية وغير وطنية، شعوب خاضعة مغلولة بالحديد والنار والخوف من الآخرة، غياب شبه كلـّيّ للدّيمقراطية وحقوق الإنسان والحرّيات، عقلية محنّطة عاجزة عن النظر إلى الأمام، تعصّب وعنف وتخلّف وجهل… عجز كلـّيّ عن التغيير ومواكبة الزمن… وأمام هذا الواقع “الرّديء” يمارس الجميع النقد والفضح والتشهير والتحليل، أملا في التغيير والإصلاح، فتضيع الجهود سدى. وتبقى الأسئلة معلـّقة: لماذا كلّ هذا العجز والجمود مادام الجميع يعرفون العلل وأسبابها؟ لماذا يبرع الناس في تشخيص مشاكلهم ويعجزون عن حلـّها؟.. النقد الذاتيّ والموضوعية في مواجهة الذات بعيوبها أوّل خطوة على درب التغيير، فلماذا تبقى هذه الشعوب عند تلك النقطة، حتى أنّ نقد الذات يصبح ضربا من التـّصعيد يمارسه الجميع ليكفـّروا عن ذنوبهم في حقّ شعوبهم وأوطانهم وأنفسهم. ثم ينقلب الواحد “فرحا مسرورا”، ولسان حاله يقول: قد أدّيت واجبي.. هناك فساد وأنا انتقدته فأدّيت رسالتي وانتهى أمري؟… لماذا يتحوّل نقد الذات ضربا من العقاب الجماعيّ يعمّق الشـّعور بالإحباط والهزيمة، ويرسّخ في الضمير الجمعي للشعوب العربية أنّ هذه حالنا وهكذا علينا أن نعيش إلى أن يأتي صاحب الحاجة فيأخذ حاجته؟

ننظر الآن إلى الواقع العربيّ فنجد الدّار على حالها على الأقلّ منذ بدايات النهضة إلى الآن، رغم كثرة الأدبيات والدراسات والحركات التي حاولت وتحاول التغيير دون أن تحدث فرقا واضحا إلى حدّ الآن. فما طرحه الطاهر الحداد وقاسم أمين مثلا حول المرأة ما زال مطروحا إلى اليوم، وما زالت الأقلام تسيل حبرها حول حرية المرأة والمساواة والسفور… دون أن تجد القضية حلا على أرض الواقع. وها نحن في السنوات الأخيرة نسمع ضجيج من ينادون بإعادة المرأة إلى بيتها وأطفالها كأنّ التاريخ عندنا يعيد نفسه حقـّا!! وما طرحه نجيب محفوظ وسعد الله ونوس حول علاقة المثقف بالسلطة وبالمجتمع ما زال مطروحا وكأنّ “الحال لا راحت ولا جاءت”… ولنوسّع دائرة النظر قليلا لنلاحظ أنّ ما انتقده المعرّي قبل أكثر من ألف سنة حول الدين والدنيا ما زال يسود حياتنا اليوم. فعلى سبيل المثال يتخيّل الكاتب مشهدا قصصيا يدور في الجنـّة بين جمع من الشعراء، فينشأ نقاش حول الشعر ويتحوّل الاختلاف حول عبارة شعرية إلى عراك وشتائم وتضارب بين النابغة والأعشى (رسالة الغفران لأبي العلاء المعري – تحقيق وشرح الدكتورة بنت الشاطئ – ط 7 – دار المعارف بمصر. ص 226 وما بعدها). ولننظر الآن إلى حياتنا، في البيت وفي الشارع وفي العمل كما في شاشات التلفزة والقمم السياسية… فما إن نختلف حتى نتشاتم ونتعارك، وكأنه لا مجال للحوار والنقاش الحرّ بيننا. وأحيل القارئ على رسالة الغفران كلـّها ليقرأ وينظر بنفسه إن كانت حياتنا قد تغيّرت.

ومثل هذا ما أورده التوحيدي في الليلة الرابعة والثلاثين من الإمتاع والمؤانسة ( ط دار الكتب العلمية بيروت – ج 3 – ص 343 ) ” وقال الوزير في بعض الليالي: قد والله ضاق صدري بالغيظ لما يبلغني عن العامّة من خوضها في حديثنا وذكرها أمورنا، وتتبّعها لأسرارنا، وتنقيرها عن مكنون أحوالنا ومكتوم شأننا. وما أدري ما أصنع بها. وإني لأهمّ في الوقت بعد الوقت بقطع ألسنة وأيد وأرجل وتنكيل شديد، لعلّ ذلك يطرح الهيبة ويحسم المادّة ويقطع هذه العادة. لحاهم الله، مالهم لا يقبلون على شؤونهم المهمّة، ومعايشهم النافعة، وفرائضهم الواجبة؟ ولمَ ينقبون عمّا ليس لهم، ويُرجفون بما لا يجدي عليهم؟…” ولنتأمّل الآن طريقة هذا السائس في سياسة الرّعية، وفكره السياسي الاستبداديّ، فكأن الحكم ملكية خاصّة له كما بيته وماله، ولا دخل للرعية فيه. فإن تدخـّل أحد بمجرّد الكلام والتعبير عن الرّأي صُبّ عليه القمع والتنكيل الشديد.. ولنقارن هذا السائس بساستنا اليوم لنرى ما فعلته بنا ألف سنة من الزمان. إن ساستنا اليوم يلزمون الناس بالدّعاء لهم في المساجد كما كان قبل ما يقارب الألفية ونصف. بل لقد عادوا بالانتخاب إلى ذلك التاريخ السحيق فجعلوه مبايعة، فينصّب السلطان نفسه أو يرث عن أبيه، ويفرض على الناس انتخابه – مبايعته.

بل إنه من المثير للعجب أنّ تصنيف الفئات الاجتماعية في البلاد العربية الإسلامية ما زال هو نفسه منذ ذلك التاريخ: خاصّة وعامّة وفئة ثالثة بين بين. فالخاصّة هم أصحاب النفوذ السياسي والمالي أي الملوك والأمراء والأثرياء. والعامّة هم العمّال والحرفيون والفقراء والعاطلون… أمّا الفئة الثالثة فهي فئة المثقفين التي تتأرجح بين الفئتين، فمن أرضى ذوي السلطان ومدحهم وتملـّقهم رُفع إلى الخاصّة ومن أغضبهم أو أعرض عنهم أو انتقدهم هُمّش وأبعِد إلى العامّة، وربما نـُكـِّل به فسُجن أو صُلب أو عُذِّب، وهذا يعيد إلى ذهني ما أطلقه الشيخ الأزهري فرحات المنجي، أحد ذوي السلطان الدّيني قبل أيام من “فتوى” تبيح التنكيل بالمخرجة المصرية إيناس الدغيدي وتدعو إلى قطع يديها ورجليها من خلاف !!! ( [موقع الأوان – ركن خارج الإطار – 30 / 10 / 2009->http://www.alawan.org/%D8%AF%D8%B9%D9%88%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%91%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89.html] ).

وماذا نجد اليوم في مجتمعاتنا العربية؟ خاصّة وعامّة وفئة مثقفة متأرجحة بين الإثنين بحسب ميولاتها وولاءاتها وحساباتها، حتى أنه على المثقف العربي أن يختار بين أن يكون مثقف السّلطة أو مثقف الشعب، وليعرف مسبقا نتائج هذا الاختيار.

إنّ هذه الأمثلة لتفضي بنا إلى نتيجة مؤلمة ومحيّرة، وهي أن هذه الشعوب عاجزة عن تغيير حياتها ومواكبة التاريخ. وكأنها تعيش خارج الزمن فلا يفعل فيها فعله في سائر الأشياء. وسأحوّل عبارة المعري عن سياقها لأصفَ هذه الحالة: “لا يزال كذلك أبدا سرمدا، ناعما في الوقت المتطاول منعّما، لا تجد الغِيَرُ فيه مزعما”. (رسالة الغفران المصدر نفسه صص 379 .

{{ لماذا نعجز عن تغيير أنفسنا؟}}

إنّ الإجابة عن هذا السؤال تقتضي بحثا ينطلق من طرح كلّ الفرضيات التي تخطر في البال والتفكير حولها علّ ذلك يسعفنا ببعض من الجواب. وسأفترض الآن أنّ الثقافة لم تفعل في الشعوب العربية فعلها. لأنـّه من البديهي ربما أنّ الناس يتطوّرون بتطوّر الفكر البشريّ والثقافة الإنسانية. والمثقف هو المسؤول عبر التاريخ عن تغيير حياة الناس، لأنـّه هو من ينتج المعرفة التي تؤثر في حياة الناس، وأقصد بالمعرفة مختلف إنتاج الفكر البشري في مختلف المجالات العلمية والتقنية والفلسفية والفنية، التي تجعل الناس يعيدون النظر إلى أنفسهم وإلى أنماط سلوكهم وأنساق تفكيرهم وأذواقهم، ومن ثـَمّ رؤيتهم لذواتهم وللعالم.

وإذا كانت الثقافة العربية الإسلامية على تنوّع مجالاتها منذ القديم إلى اليوم لم تغيّر نمط الحياة العربية، ولم تجعل العربيّ مواكبا لحركة التاريخ، فإنّ ذلك يعود في نظري إلى عزلة المثقف والمنتج للمعرفة عن الشعوب العريضة. إذ ظلت النخب المثقفة معزولة عن الناس، وظلّ المثقفون العرب قديما وحديثا يتثاقفون في ما بينهم فينتج بعضهم الثقافة لبعض. وظلت الشعوب العريضة بعيدة، تنشئ ثقافتها ومعارفها هي الأخرى وتعيشها. وأسباب هذه العزلة كثيرة سأحاول في ما يلي النظر في أهمها، من وجهة نظري طبعا.

أوّل تلك الأسباب إصرار السلطة السياسية العربية، منذ نشأتها بشكل “منظم” مع مجيء الإسلام، إلى يومنا هذا على وضع يدها على الثقافة والمثقفين. فقد كانت السلطة حريصة على مصالحها المتمثلة أساسا في إبقاء الرّعايا خاضعين راضخين، ودوام السؤدد على رؤوس الناس بينما تلهج الألسنة بالحمد والثناء على أولياء نعمهم أو شقائهم وبؤسهم. ولتحقيق ذلك عملت تلك السلطة في القديم كما في الحديث على التحكـّم في الإنتاج الفكريّ والإبداعي للمثقف العربي. فتساهلت في نشر ما يلائم سياستها ويكرّس مصالحها، بل دعّمته وغذته، ومن ذلك ما يُدفع لشعراء البلاط قديما وحديثا، وما يُعرف عن تقريب المثقفين الموالين وتدليلهم ومجازاتهم بأنفس الجوائز. ومقابل هذا الدّعم لمثقفي السلطة يمارس الحكام شتى أشكال العزل والإقصاء لكلّ إنتاج فكريّ وإبداعيّ لا يخدم مصالحهم. ومن أشكال المنع ما يتعرض له المثقفون والمبدعون قديما وحديثا من قتل وسجن وتنكيل وتشريد… أو من تهميش وإقصاء وتجويع. وفي بلاد لا توجد فيها سوق للثقافة والفكر إذا أرادت السلطة السياسية قتل مبدع منعت عنه الدّعم والرّعاية فتضوّر جوعا. وأذكر الآن ما خطه التوحيدي في رسالة ذيّل بها كتاب الإمتاع والمؤانسة الذي وجّهه إلى صديقه أبي الوفاء المهندس الذي توسّط له للوصول إلى الوزير عبد الله الحسين بن سعدان، أحد وزراء صمصام الدولة البويهي، ومن مسامراته للوزير تكوّنت المادّة الأولى للكتاب. يقول التوحيدي في تلك الرسالة مخاطبا أبا الوفاء المهندس: “خلـّصني أيها الرّجل من التكفـّف، أنقذني من لـُبس الفقر، أطلقني من قيد الضـّرّ، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، استعمل لساني بفنون المدح، اكفني مؤونة الغداء والعشاء… إلى متى الكسيرة اليابسة والبقيلة الذاوية والقميص الرقع وباقلي درب الحاجب وسذاب درب الرّواسين؟… إلى متى التـّأدّم بالخبز والزيتون؟ قد والله بحّ الحلق، وتغيّر الخلـُق. الله الله في أمري، اسقني فإنني صدٍ، أغثني فإنني ملهوف، شهّرني فإنني غـُفلٌ، حلـّني فإنني عاطل.

قد أذلـّني السّفر من بلد إلى بلد، وخذلني الوقوف على باب باب… ذكـّرْ الوزيرَ بأمري، وكرّر على أذنه ذكري، وأمل عليه سورة من شكري، وابعثه على الإحسان إليّ… أنفقْ جاهك فإنه بحمد الله عريض، وإذا جدتَ بالمال فجد بالجاه أيضا فإنهما أخوان… دعْ هذا وادعُ لي بألف درهم فإنني أتـّخذ رأس مال، وأشارك بقـّالَ المحلـّة في درب الحاجب، ولا أقلّ من ذا، تقدّم إلى كسجٍ البقالِ حتى يستعين بي لأبيع الدفاترَ…” ( الإمتاع والمؤانسة. المصدر نفسه صص 424 – 425 ). إنّ هذا الشاهد يكشف لنا عمق السقوط الذي يتهدّد المثقف إذا أهمِل وجُوّع. ففي النهاية هو إنسان له متطلبات وغرائز ورغبات. وليس هو بالملاك الذي يمكنه أن يتخلـّص من شقـّه الإنسانيّ، ولا هو بالنبيّ الذي ينزل الموائد من السماء. ويمكننا هنا أن نتساءل عن الضـُّرّ الذي يبلغ بمفكـّر مثل التوحيدي أن يُلحف في سؤال صديقه حتى يتوسط له عند وزير أو ممدوح أو حتى بقـّال يستخدمه في بيع الدفاتر. وإذا كانت مأساة التوحيدي قد غبرت في الزمان فإنها تتكرّر إلى حدّ الآن مع تواصل السياسة ذاتها التي ينتهجها ساستنا مع مثقفينا. فيد تمدّ الجزرة ويد تلوّح بالعصا لكلّ من تسوّل له نفسه التوقف عن ضرب الطبل للسلطان الجائر. فهو التهميش والإقصاء والتجاهل والتجويع لكلّ مثقف لا يظهر حسن النوايا ولا يتواطأ مع الظلام. أما إذا نطق ولو سهوا بما يُغضب فإن العصا تسارع إلى القرع على رأسه بوحشية، سجنا وتعذيبا وتنكيلا شديدا… ولذلك نلاحظ اليوم أنه لكلّ سائس عربي “مثقفون” في كلّ فنّ يلهجون بذكره، رغم أنّ قبائحهم جميعا معلومة عند القاصي والدّاني. وفي المقابل نجد الكثير من المثقفين المغضوب عليهم يُشرّدون في كلّ بقاع الأرض أو يُنكـَّلُ بهم أو يجوّعون فيضطرّ أغلبهم إلى ممارسة مهن تستنزف جهودهم حتى يحصلوا على رزقهم. فإذا استطاع الواحد منهم أن يبدع شيئا فإنه يسرقه من نومه وجسده ومعاناته اليومية.

وفي بلاد لا توجد فيها سوق للثقافة، في الحديث والمعاصر كما في القديم التالد، خارج فيء السلطان، ويُمنع فيها تقريبا نشر الفعل الثقافي المستقلّ لا يجد المثقف خلاصا. فإن لم يسقط في أحابيل السلطان، ولم يبع ضميره وذمّته وعقله وحرّيته وقريحته، سقط في مطبّ اليوميّ الذي يقوده إلى أشكال أخرى من السقوط المرّ حتى يظلّ يتنفـّس، فمن السّمسرة إلى التمسّح بالأقدام إلى التلاشي إلى الغرق في مختلف أشكال الإدمان… وإذا كان التمسّك بالفعل الثقافي المستقلّ وبالتالي الناجع والإيجابي في الزمان العربي الممتدّ كالقبض على الجمر، فما كلّ إنسان يقدر أن يقبض.

ومن المعلوم أن السلطة السياسية شقيقة السلطة الدّينية في البلاد العربية. فقد نشآ معا، وتمدّدا معا، وملكا العقول والقلوب والأجساد معا حتى يخيّل إلى الناظر أنهما توأمان أبديان لا حياة لأحدهما إلا بالثاني. ورغم أن العلاقة بين الإثنين عرفت على مرّ العصور تجاذبا وتدافعا، ففتر التلاحم في بعض الفترات بشكل ظرفيّ سرعان ما امّحى، فإنهما قد تحالفتا منذ البدء إلى يوم الناس هذا على محاصرة المثقف وتسييجه، لأنـّه مثل مصدر خطر عليهما دائما. إذ ظلـّتا تخشيان العقول الحرّة وتقمعانها وتعزلانها عن الجماهير حتى لا تفعل فعلها. لأنّ العقل إذا أُطلِق له العنان قوّض السلطتين معا. ولذلك كان لا بدّ لهما من إحكام السيطرة على الفعل الثقافي حتى يستمرّ الظلام مطبقا. والتاريخ يشهد على حملات التكفير واتـّهام المثقفين قديما وحديثا بالزندقة. بل يشهد التاريخ أيضا على فتاوى القتل وإباحة الدماء والتنكيل الشديد. فمن قصة غيلان الدمشقي القدريّ الذي دعا له الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك بالفقيه والقاضي ميمون بن مهران الرّقـّي ليناظره في القضاء والقدر، ثم أمر بقطع يديه ورجليه (تاريخ الطبري ط. مؤسسة عز الدين للطباعة والنشر بيروت 1985 – ج 7. ص. 106). إلى قصّة سلمان رشدي وعبد الرحمان منيف قبل سنوات، إلى قصّة إيناس الدّغيدي والشيخ الأزهري قبل أيام قليلة. وغير هؤلاء كثير. على أننا نلاحظ في تاريخ السلطتين صفحات دامية انقلبت فيها إحداهما على الأخرى. ومن ذلك مثلا ما تعرّض له المتصوفة والمعتزلة على يد العباسيين، أو ما تعرضت له المدارس الدينية في الباكستان قبل نحو عام، أو ما فعله الأصوليون في الجزائر في التسعينات، أو ما تفعله الآن بعض الجماعات الإسلامية هنا وهناك في بلاد الإسلام وفي العالم. وقد تعلـّم الطرفان الدّرس جيّدا. فالسياسيون يدركون جيّدا أهميّة الدّين في بسط نفوذهم، فيهادنون رجال الدين ويتملـّقونهم. ورجال الدين يعرفون خطر السياسيين عليهم إذا أغضبوهم، لذلك يُفتون في كلّ شيء إلا في أمر الساسة الجائرين. أما المثقف فهو العدو المشترك الذي تعمل السلطتان على تدجينه وإحاطته بالممنوعات والتابوهات. وقد تعلـّم هو الآخر الدّرس. تعلـّم التقية والترميز وإخفاء الأفكار تحت تهويمات الخيال وطلاسم اللغة، أو القفز على حفر الممنوعات، أو التعسّف على الأفكار حتى تتناسب مع القوالب المسطورة. وهذا ما جعل مشاكل كثيرة لا تجد لها حلاّ رغم أنها استمرّت في سَجن العرب والمسلمين وتعذيبهم لأكثر من ألف سنة. ومن تلك المشاكل التعصّب والجنس والعنف والخوف و”الرضا بالمكتوب والصّبر على المكاره إلى أبد الآبدين”… ذلك أنّها من المواضيع المحظورة التي لم يخض المثقف فيها إلا بما لا يغضب أسياد الدين والسّياسة، أو لأنـّه خاض فيها بشكل موغل في التـّخفي فبقيت أفكاره معزولة متعالية لا يقربها إلاّ خاصّة الخاصّة من المتضلـّعين في الفهم. أمّا العامة فلها أن تتسلـّى بما عرّب ابن المقفـّع على ألسنة الحيوانات (رغم أنّ تقيّته لم تشفع له)، أو بما كتب المعرّي عن عالم الآخرة. كما لها اليوم أن تتسلـّى بالفنّ الهابط الذي يضجّ من كلّ فجّ عميق، أو أن تتخدّر بتعاويذ شيوخ العلم الذين “يقودون الناس إلى السلاسل بالجنـّة”. وكأنـّه مكتوب على العامة أن تـُقمع وتتسلـّى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

من الأساليب التي ابتدعها الساسة لعزل العامّة عن الفعل الثقافيّ إلهاء النـّاس بالأثقال اليومية حتى لا ينظروا إلى أبعد من معاناتهم. وذلك من خلال التجويع في بعض البلاد الإسلامية، أومن خلال غلاء الأسعار وإجحاف الضرائب، وإغماض الأعين عن الفساد حتى يعشّش ويستشريَ، فتفسد المصالح الحكومية وتنتشر الرشاوي والوسائط وتسوء الخدمات الصّحّية والاجتماعية، وينهار التعليم، ويُصاب النقل العموميّ بالشـّلل النصفيّ… فإذا الإنسان العربيّ المسلم يكدح ويُعذّب تحت سياط اليوميّ، همّه أن يرابط في طوابير المستشفيات العمومية ليُدفـَن حيّا في ويلات مرضه، وأن يُمضيَ الساعات الطوال في زحام وسائل النقل فيصل عمله منهكا ويعود منه منهكا، وأن ” يُعطي للذلّ كـَارَهُ” حتى يجمع القروش فيدفع الضرائب والرشاوي ويبني قبر الحياة، وأن يعيش حياته غارقا في الوسخ والزبالة ومستنقعات مياه التصريف، محروما من رؤية شارع نظيف أو حديقة عمومية مهذّبة، وخائفا على نفسه وأهله وأملاكه وعمله من جور الحكـّام وكيد الكائدين وسطوة اللصوص والمجرمين أمام فساد القضاء وغياب سلطة القانون وحقوق المواطنة. وأمام تكرّر هذا البؤس صباحا مساء تألفه الأعين والأنفسُ حتى يرسخ في الوعي وفي اللاوعي أن الحياة هكذا. ومع كلّ هذا يمعن القامعون في القمع وإخماد العقول والأرواح والأجساد بالخوف والحديد والنار، فيتحوّل الإنسان العربي المسلم إلى إنسان مريض مأزوم، خامل وعنيف وعصبيّ في بيته وفي عمله وفي حياته كلـّها، ديدنه أن يغالب أيامه، وأن يسرق من الحكومة والأملاك العمومية أو الخاصّة ما به ينتقم لكلّ العذاب الذي يعيشه. ولا بأس مع كلّ هذا من مسلسل هابط يدفن فيه الناس بؤسهم ويجنحون بالخيال إلى الزمن الغابر، أو شيخ ملتحٍ يهوّم بالأرواح في عبير الجنة، فيقنع الناس، من حيث يدري أولا يدري، بالصبر على بؤسهم لأنّ “الحياة هي في مكان آخر”، أو موسيقى رخيصة تسلـّي الناس وتحملهم إلى عنفوان غرائزهم دون أن تنقـّيَ أرواحهم، أو فضائيات العالم تعرض على العرب والمسلمين حروبهم وتفجيراتهم وجثثهم المكدّسة والمحروقة ومخيمات لاجئيهم وحوادث قطاراتهم وانهيار جبالهم على مساكن مساكينهم… ولنقرأ ما كتبه التوحيدي في إمتاعه لنرى إن كانت الحال قد تغيّرت: “كلّ ما كنا فيه كان غريبا بديعا عجيبا شنيعا. حصل لنا من العيّارين قـُوادٌ وأشهرهم ابن كبرويه وأبو الدّود وأبو الذباب وأسود الزبد وأبو الأرضة وأبو النوابح. وشـُنـّت الغارة واتـّصل النـّهب، وتوالى الحريق حتى لم يصل إلينا الماء من دجلة أعني الكرخ…” ( الإمتاع – المصدر نفسه ج 3 – ص 387 ). والعيارون هم عصابات اللصوص التي انتشرت في بغداد في القرن 4 هـ ، وامتهنت النهب والسرقة، واستفحل أمرها حتى أصبح لها قواد معروفون وملابس خاصّة. وتذكر بعض المصادر أنّ السّياسيين كانوا يستعينون بتلك العصابات لمعاقبة خصومهم.. ولنقرأ قوله: “وغلا السّعر، وأخيفت السّبل، وكثر الإرجاف، وساءت الظنون، وضجت العامّة، والتبس الرّأي، وانقطع الأمل، ونبح كلبٌ كلِبٌ من كلّ زاوية، وزأر كلّ أسد من كلّ أجمة، وضبح كلّ ثعلب من كلّ تلعة…” ( الإمتاع – المصدر نفسه ج 3 ص 346). ولنقارن الحال بالحال لنرى إن كانت ألف سنة من الزمان قد غيّرت…

في النهاية تصبح الحياة الدّنيا كما الآخرة مقسومة بين الجنة والجحيم، جحيم الواقع اليوميّ حيث المساكين تـُصَبّ عليهم صنوف العذاب، وجنة المال والجاه يتنعّم بها الأثرياء والمقرّبون فيتبذخون في متع الحياة. ويتبادل الجميع النظر، فيرى أهل الجنـّة عذاب أهل الجحيم فيهنـّئون أنفسهم ويسارعون إلى إشباع نهمهم وتعزيز مواقعهم بكلّ السبل حتى لا يسقطوا في العذاب. ويرى المعذبون نعيم إخوانهم فيدركون أنّ السبيل إلى الجنة هي المال والرشوة وشراء “الأكتاف” فيكدحون ويكدحون، ويبذلون كلّ نفيس في سبيل الحصول على جنة الدنيا دون أن يكون بلوغها قريبا. وإذا المال والجاه وحدهما مفتاح السعادة والهناء، فلا مجال لمعرفة، ولا لفكر ولا لحريات ولا لحقوق إنسان ولا لقراءة ولا لفنّ مثمر… ومن ثمّ يبقى المثقـّف معزولا فيسقط هو الآخر في حمّى الجنـّة والنار باذلا كلّ نفيس، أو يمعن في عزل نفسه في تهويمات ثقافته المتعالية التي لا يشاركه فيها إلا أمثاله من “النخبة” أو يقتل نفسه بالحياة. ومعروفة قصص عزلة المثقفين وإتلافهم مؤلفاتهم واعتزالهم الفعل الثقافي قديما وحديثا. أمّا إن زلـّت قدم المثقف وتطاول على المحظور فمصيره كما أسلفت معلوم.

ومن حيل عزل الثقافة الفاعلة وإقصائها تغذية “ثقافة الوهم” وتشجيعها ودعمها، ولذلك تغزو وسائل الإعلام العربية الرسمية وغير الرسمية عقول الناس وأذواقهم ومشاعرهم بالبرامج الدينية التي تريدهم أن يعيشوا كما عاش الأجداد الأوائل قبل عشرات القرون، وبالفنّ الهابط كالفيديو كليب ومسلسلات المائة حلقة والرّياضة وتمجيد أرباب النـّعم وشموس الزمان. بينما لا يُتاح المجال للبرامج المفيدة والضرورية إلا القليل القليل من باب ذرّ الرّماد على الأعين. ولنا أن نتساءل: ما حظ الرّواية العربية اليوم من وسائل الإعلام؟ أو ما حظ الشـّعر أو الفكر بصفة عامّة؟ وما حظّ المسرح والموسيقى الجيّدة والفنّ التشكيليّ وغيرها من الفنون والعلوم؟ بل ما حظّ الحرّيات وحقوق الإنسان وقضايا العنف العائليّ وحقوق المرأة وحقوق الطفل من المشهد الإعلاميّ العربيّ؟ ما حظّ الفساد الإداري الذي يقتل الإنسان العربيّ “عِرقا بعد عِرقٍ” في المستشفيات والمحاكم والمؤسسات العمومية بشكل عامّ؟ فكأنّ الإنسان العربيّ قد تخلـّص من كلّ مشاكله ولم يبق له إلا أن يستمتع بالكليبات المجنونة ومسلسلات المائة حلقة والنقاشات الرّياضية المعمّقة !!!

أنا لست ضدّ الرياضة ولا ضدّ البرامج الرياضية أو الدّينية أو الفنية المتنوّعة. ولكن لمَ لا تكون وسائل الإعلام عادلة في تعاملها مع الإنسان العربيّ الذي يعطيها الكثير من وقته ومن ماله؟ لمَ لا يكون هناك تعدّدية في المشهد الإعلامي؟ لمَ لا نجد إزاء هذه البرامج اهتماما بالفكر والكتابة والعلوم والفنون المختلفة على تعدّد أشكالها واتـّجاهاتها؟ فمن المعلوم أنّ هناك الكثير غير المثقفين المدلـّلين. هناك مسرح آخر وموسيقى أخرى وفكر آخر. هناك إبداع آخر تـُغلق دونه الأبواب حتى يظلّ معزولا، لأنّ أرباب السّلطتين يخافون منه على مناصبهم وامتيازاتهم المتوارثة جيلا بعد جيل.

قبل سنتين تقريبا سمعنا عن قمّة عربية حول الإعلام، وتحدّثوا وقتها عن حماية الأجواء العربية من فضائيات ضارّة، ونلاحظ الآن جنون الفضائيات الدينية والفنية، بل نلاحظ أنّ بعض الفضائيات التي كانت رائدة تتـّجه خفية إلى تغيير نهجها للانضمام إلى السرب، ومن ذلك مثلا قناة الجزيرة. فهل كلّ هذا من نتائج تلك القمّة؟

الأنترنات تمثـّل بوابة جيّدة لنشر ثقافة بديلة في الوطن العربي، وليلجها من المثقفين من يُعزلون خلف الأسوار العالية. ولكن هل بقيت الأنترنات نقية من حرّاس القطيع رغم محدودية انتشارها في الوطن العربي؟ فالجميع يعرف أنّ من يسهرون على سلامتنا من كلّ عقل قد أطلقوا جواسيسهم وفِرقهم المدرّبة عبر أدغال هذه الشبكة لإغلاق هذا الموقع، أو مراقبة بريد هذا المستعمل أو مصادرة منشورات هذا الصّديق في الفايسبوك… فهل يستطيع هؤلاء المتضلـّعون في القمع أن يُحكموا قبضاتهم على الشبكة التي انفلتت من أيدي صانعيها؟

السبب الثاني الذي ساهم في عزل الفعل الثقافي العربي عن الجماهير هو معضلة التعليم. فمن المعروف أن الشعوب العربية بقيت ترزح تحت ظلام الأمية إلى وقت غير بعيد. وعندما أخذ التعليم في الانتشار بعيد الاستعمار ارتبط في الأذهان بالشهادة العلمية التي تقود إلى الوظيفة وأكل الخبز، ولمَ لا العسل. ولذلك بقي التعليم معزولا في البراغماتية الضـّيّقة. فيتعلـّم الناس ويتوظفون دون أن يتثقـّفوا لأنـّهم لم يفكـّروا يوما في علاقتهم بالمعرفة وبالثقافة بوجه عامّ. كلّ ما همّهم هو علاقتهم بالشهادة والوظيفة والمال الذي يرفعهم عن جحيم الأشقياء إلى نعيم المتنعّمين بجنة الأرض. ولذلك نجد اليوم في الوطن العربي ارتفاعا في نسب المتعلمين تفوق 90% في بعض الأقطار. لكن العقلية تبقى نفسها شبه جاهلية. فالقبلية بقيت على حالها أو تحوّلت إلى عروشية أو جهوية في بعض الأقطار. والناس سجناء في خرافاتهم وخوفهم وحياتهم اليومية التي تسيّرها غرائزهم ونزعاتهم وعاداتهم المتوارثة أكثر ممّا تسيّرها عقولهم. فالاختلاف مرفوض حتى أنّ الناس يخافون من الاختلاف حتى في اللباس والمظهر الاجتماعي، والحوار مرفوض، والعنف مسيطر على العلاقات العائلية والمهنية والاجتماعية بوجه عامّ، والطفل خاضع للتربية التقليدية ذاتها فلم يرتقِ بعدُ إلى مرتبة الإنسان الذي يتمتـّع بحقوق في البيت وفي الشارع وفي المدرسة، ومازال الناس يرهبون السّاسة ويتفانون في الخضوع لهم حتى يفوزوا برضاهم وبركاتهم كما كانوا يفعلون منذ ألف وخمسمائة سنة. والجميع تقريبا متعلـّمون، وأغلبهم من حاملي الشهائد. والغريب في الأمر أننا نجد اليوم الطبيب العربيّ والمحامي والأستاذ والمهندس لا يقرأ كتابا خارج اختصاصه، ولا يعرف شيئا عن الرواية والشعر والفنّ التشكيلي والمسرح. وأنا أتساءل كيف درس هؤلاء الأدب والتاريخ والفلسفة في مدارسهم؟ ألم يبق في أذهانهم شيء مما حفظوه لنيل شهائدهم؟

التعليم ينير العقول ويعيد بناء الإنسان العقلانيّ الحرّ على الأقلّ في تفكيره ونظره إلى الأشياء، لأن البرامج التعليمية تتيح للمتعلـّمين أن يطلعوا على شيء من الفنون المتنوّعة وعلى التاريخ وما فيه من تغيّرات ونضالات وأحرار، وعلى الفلسفة باعتبارها محطة حاسمة في حياة المتعلـّم وشخصيته لأنـّّها تعيد النظر في كلّ المسلـّمات والبديهيات، وتدفع إلى التساؤل والحيرة. فكيف يتخرّج إنسان من التعليم إلى الوظيفة ليسارع إلى بناء بيت كبير ولا يضع فيه من الكتب غير مجلـّدات الزينة والتـّبرّك وطرد العيون الحاسدة والشياطين؟ وكيف يطمر حامل الشهادة حديقته بالإسمنت خوفا من النـّمل والخنافس؟

نعلم جميعا أنّ التعليم قد ساهم في بعض الأقطار العربية في تنوير العقول وتخريج نخبة عقلانية هي الآن مشرّدة في كلّ بقاع الأرض. وما إن اكتـُشِفت هذه الثمار حتى سارع الذين تحمّسوا للعلم إلى طرح الأسئلة: لماذا نعلـّم الشـّعوب؟ لماذا نغرس الأشجار التي تقتلعنا؟… ومن ثمّ ابتكرت كلّ الحيل الجهنمية لضرب التـّعليم وطمس كلّ بارقة فيه حتى يخرج إطارات لا تفقه غير وظائفها، بل لعلها لا تفقهها. واضمحلال دور التعليم اليوم وتهميشه ومساهمته في تجهيل الناس في الأقطار العربية لا يخفى على أحد.

السبب الثالث الذي ساهم في عزل الفعل الثقافيّ عن الجماهير العربية هو معضلة اللغة. فالشعوب تتكلـّم لهجاتها المعروفة، بينما تستحوذ الفصحى على الفعل الثقافي والمعرفي، بل لعلّ اللغات الأجنبية تأخذ منه نصيبا وافرا. والسؤال المطروح هنا هو: لمن يتوجّه هذا الإنتاج الثقافيّ والمعرفيّ؟ أهو مقتصر على النخبة أم أنـّه يستهدف المجتمع ويعمل على تطويره؟ ومن يقدر على تلقـِّي ذلك الفعل؟ وإذا سلـّمنا بأن نسبة مرتفعة من الشعوب العربية اليوم تعرف الفصحى على الأقلّ، فهل تكفي معرفة القراءة والكتابة لتحقيق التـّلقـّي الجيّد الذي يقتضي التفاعل مع عالم اللغة في بنائها الصوتيّ والصرفيّ والمعجميّ والبلاغيّ والمصطلحي، وفي مرجعياتها الحضارية والقيمية والجمالية، وفي العلاقة النفسية والوجدانية التي تنشأ بين المتلقـّي والرّسالة الفنية أو الإبداعية أو الفكرية أو العلمية؟ إنّ التـّلقـّي الجيّد هو الذي يمكـّن المتلقـّي من التغلغل في عالم اللغة الفسيح والمعقـّد، ويمكـّن في الوقت نفسه من تغلغل الرّسالة في العالم الذهنيّ والنـّفسيّ والوجدانيّ للمتلقـّي، فتتحقـّق تلك المحاورة العميقة بين الرّسالة ومتلقـّيها. ممّا يسمح لذلك المتلقـّي بطرح الأسئلة والتفكير العميق لبناء وعيه بذاته وبالعالم، ولإعادة ذلك البناء مع كلّ تلقٍّ جديد. إنّ التـّلقـّي الجيّد هو وحده الكفيل بتحقيق عملية البناء وإعادة البناء، وذلك يعني خلق الحراك الذهنيّ والنـّفسيّ والوجدانيّ للخروج بالذات من حالة الجمود والرّكود والوصول بها إلى مستوى محاورة المعرفة والفنّ، بل محاورة ذاتها ومجتمعها وعالمها وحياتها، لأنّ المعرفة اليوم هي الذات والمجتمع والعالم والحياة. فمن يقدر اليوم في هذه الشعوب العربية على قراءة الشعر كما يجب أن يُقرأ؟ أو قراءة الرواية، فضلا عن المقالة الفلسفية أو النقدية؟ أهي النخبة المثقـّفة؟ ومن هذه النخبة المثقـّفة؟ أهي الكوادر المتعلـّمة التي لم تر في العلم غير تحصيل الوظيفة؟ أم هي الكوادر التي تجهل اللغات كلها خارج مجال اختصاصها؟ أم هي النـُّخبُ المتوالدةُ بتوالد الولاءات والتـّحزّبات والمصالح؟ أم هي النخبة التي استطاعت أن تتمكـّن من لغة ما فتقرأ فيها قراءة جيّدة؟

معضلة اللغة إذن تبقي الجماهير معزولة عن الثقافة والفكر المكتوب، فتـُعزل آليا عن الموسيقى والمسرح والسينما والفنّ التشكيلي والعلوم التطبيقية… لأنّ عقل الإنسان العربيّ الجامد والمعزول هو نفسه الذي يتعامل، إن تعامل، مع هذه المجالات جميعا. وإلا كيف يكون الطبيب عندنا لاعقلانيا؟ والمهندس لاعقلانيا؟ والمدرّس لاعقلانيا؟… فالعلم عندنا لأكل الخبز أو العسل، والفنّ عندنا للتـّسلية أو للتباهي… أما حياتنا فلتمضي على مهل حسب الأصول أو العادة والسنـّة، و”الله لا يَقـْطْعِلـْنا عادهْ”. وأتحدّث هنا عن الشعوب العريضة، لأنّ النخبة حسب رأيي تظلّ، ما لم تجد سبلا لتمرير ثقافتها إلى الجماهير، أقلـّية ضئيلة غير فاعلة في المجتمع مهما ازدهرت ثقافتها وفكرها، بل لعلّ ازدهار فكرها وثقافتها يزيدها عزلة عن مجتمعاتها فتزداد غربتها ويضعف تأثيرها ويتعمّق لديها الشعور بالإحباط والقهر الذي نراه يخيّم على الكتابات العربية المقروءة اليوم.

أما الجماهير فلها لغتها التي تختزل حياتها وفكرها وقيمها… ويكفي أن نتابع “طُرْحْ كـَارْتـَه”(لعب الورق) في أحد المقاهي التونسية مثلا، ونفحص الحوار المرتجل المرافق للـّعب لنعرف ما يعيشه الناس من ألفة مع عاميتهم، وما تزخر به من طاقات تعبيرية وجمالية وتأثيرية، لكنها تبقى في اللعب فلا تمتدّ إلى الفكر والمعرفة والإبداع. أو يكفي أن نحلل الملفوظ الجنسي في العامية التونسية لنقف على ما فيه من صور وتجريد وخيال وموسيقى… لعلـّها جمالية الملفوظ الجنسي الغريبة تفتن التونسيّ محاميا كان أو مدرّسا أو طبيبا أو فلاحا أو عاطلا… حتى أن ذلك الملفوظ أصبح في بعض المناطق جزءا هاما من التخاطب اليوميّ لا تعارض فيه مع الذوق ولا الأخلاق ولا القيم، إذ تسمعه في العائلات كما في المقهى والشارع… لكنّ السؤال المطروح هنا هو: ما سرّ ذلك الافتتان؟ أهو المكبوت؟ أم الوعي الجنسي أو الذكوريّ بالعالم؟ أم هو التمرّد باعتباره خصيصة إنسانية عميقة تبحث لها دائما عن تجلّ ما حتى يظلّ الإنسان إنسانا؟

السبب الرابع لعزلة الفعل الثقافيّ هو افتتان العرب بالزعامات. ففي كلّ عصر وفي كلّ مجال هناك شموس تحجب بصيص النجوم. فتتمدّد الأسماء الكبيرة حتى تبتلع الصّغار. وليست الثقافة بمنأى. فللمسرح زعماؤه، وللسينما كما للشعر والنـّقد والفكر… وتتعدّد الزعامات في الفنّ الواحد حسب الأذواق والانتماءات والإيديولوجيات والتمتـّع بكرم الأسياد. بل إننا لا نزال نصنـّف مبدعينا، كما كنا نفعل مع الشعراء والفقهاء والنحويين ورواة الحديث قديما، إلى طبقات. فكأننا ننشدّ إلى الأسماء فلا نحفل إلاّ بها… محمود درويش ونزار قباني ومرسال خليفة وفيروز والشيخ إمام وحنا مينا وعبد الرحمان منيف ومحمّد أركون وهشام جعيط وصلاح الدين الشريف والطاهر الحداد وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري ويوسف شاهين وسليّم عمّار والقائمة تطول… جعلناهم جميعا زعماء وافتتنـّا بهم. لكن هل غيّروا في حياتنا كثيرا أو قليلا؟ كأننا نتعلـّق بأسمائهم الكبيرة. أما ما أبدعوه فهو أشبه بوحي بعيد موغل في القداسة نخشع أمامه وتتصاغر إلينا أنفسنا، دون أن نحاوره لنتعلـّم منه. فيأتي هؤلاء ويمرّون وحالنا هي حالنا. والمشكلة ليست فيهم ولا في ما أبدعوا، بل هي فينا، في هوسنا بالزعماء الذي انتبه إليه من يمتصّون حياتنا، فصاروا يصنعون لنا الزعماء حتى نتلهّى بهم، فشيوخ علم وفنـّانون وسياسيون ومجاهدون ومفكـّرون ورياضيون ومستثمرون يوظفون أموالهم في المشاريع الخيرية ومنشـّطون… ونحن نهلـّل وكلّ يعبد صنمه. وهذا يذكرني مرّة أخرى بما كتبه التوحيدي: “فمن غريب ما جرى أنّ أسود الزّبد كان عبدا يأوي إلى قنطرة الزبد ويلتقط النـّوى ويستطعم من حضر ذلك المكان بلهو ولعب، وهو عريان لا يتوارى إلا بخرقة، ولا يُؤبَهُ له، ولا يُبالـَى به. ومضى على هذا دهرٌ. فلما حلـّت النـّفرة أعني الفتنة، وفشا الهرج والمرج، ورأى هذا الأسود من هو أضعف منه قد أخذ السّيف وأعمله، طلب سيفا وشحذه، ونهب، وأغار وسلب، وظهر منه شيطان في مسك إنسان، وصَبُحَ وجهُه، وعذبَ لفظهُ، وحسُن جسمُه، وعُشِقَ وعَشِقَ، والأيام تأتي بالغرائب والعجائب…” ( الإمتاع – المصدر نفسه – ج 3 – ص 387 ).

هذه حالنا إذن.. ركود من دونه ركود. وكما في كلّ عصورنا تزدهر ثقافتنا عندما تسوء حياتنا، وكأنـّه لا علاقة بين فننا وعلمنا وبين حياتنا. ولدينا فئتان وثقافتان، خاصّة لها سلطتها ونعيمها وثقافتها… وعامّة لها لغتها وفنها ومعارفها وقيمها وزعماؤها… والكلّ يحلم بأن يغنم مالا أوجاها يرفعه إلى جنة الخاصّة. وبين الفئتين تقبع السلطتان الأعتى والأضعف في الآن نفسه، تتبادلان الخبرات في فنون صناعة الأسيجة وأكل الكتف، ومثقف مضطرب بين الفئتين ينزل إلى الجماهير حينا فيعبّر عن همومها فتعبده دون أن تستمع إليه، ويتعالى حينا آخر إلى قمم فكره الجامح وخياله الخلاق، وبين النزول والصعود تكثر خنادق الإغراءات والمحظورات، فتتشظى النخبة المثقفة إلى نُخب وولاءات وإيديولوجيات وشراد في مشارق الأرض ومغاربها. ويضيع مفهوم الثقافة والمثقف. ويصبح مهمّش الأمس مدلـّل اليوم. والأسياد يعبثون بالمثقف مرّة يقرّبون ويرفعون، ومرّة يسقطون وينكـّلون ويكفـّرون كما كان قبل مئات السنين. ومثقف اليوم كشاعر الأمس يمدح من يطعمه ويهجو من يسيء إليه بعد أن يمعن في الفرار. و”يا سادَه ويا مادَه، ويْدِلـْنا ويْدِلـْكـُم للشـْهادَه، وألله لا تـَقـْطْعِلـْنا عادَه…”

هل علينا أن نبدأ الطريق من أوّلها؟.. هل نحتاج فلسفة وضعية عربية تتغلغل عميقا في دواخلنا؟ هل نحتاج فلسفة أنوار ترشدنا إلى المواطنة والدّولة وحقوق الإنسان؟ هل نحتاج “فرويدا” عربيّا يفكّ مغاليق عقدنا النفسية الجماعية؟ هل نحتاج مارتن لوثر يترجم ثقافتنا إلى لغاتنا التي تفهمها شعوبنا؟…أو هل سأواجه -لهذه الأسئلة- تهم الانسلاخ والعمالة للغرب والإساءة إلى المقدّسات؟

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق