عش في خطر وِشيّدْ منزلك في الربع الخالي!

هنا. عند مفترق جبل “حفيت” الحالك، بين أرض نجد والحجاز وإمارات الساحل المتصالح وعُمان، توقّف بنا السير. شبح مخيف مريع من السواد يقعي على الجانب الغربيّ ليفتح على ممرّ ضيّق أو على شعبة تفضي إلى الطريق الدوليّ بين “عِبريّ” و”البريمي”.

من الجانب المقابل تنفتح بوّابة من كثبان الرمال لتغرق في السراب الممتدّ كثعبان خرافيّ.

ناديت الصحراء: يا منزلا للغريب!
كأنّها خدر أو سبات. بل ضجر يلفُّ العزلة الهامدة.الصحراء:الهوى والذكرى والفضائل والآثام والأفكار.

ليس لي في العيافة وتتبّع أثر القدم والخفّ من علم، لا ولا في الرّيافة واقتفاء مواطن الماء حظّ معرفة، ولكنّ لي، والعُهدة على أهلي البُداة، بعضُ فراسةٍ بالأَمارات بإلحاق الولد بأبيه والأخ بأخيه وردّ الأشباه إلى النظائر والفروع إلى الأصول!

مع الصحراء، ليس لي من عون إلا فيض من وجد واشتياق إلى مرابع البدو القدامى من شعراء العربية، وحبٌّ يكاد يكون خصوصيًّا َللبيد بن ربيعة العامريّ. أَوَ لَمْ تكن تدرى “نَـوَارُ”؟!

{{على كتف الربع الخالي}}

ليست غريبة عنّى. ولست الغريب، هنا، في الصحراء. وطني ليس مساحة أو جغرافيا، فحسب، وليس شعورا سياسيًّا أبدّله في كلّ حين. وطني هو اللّغة العربيّة أيضا. أحملها على ظهري كالحلزون. وعلى الرمال وفوق صخور الُسهوب أظلّ أخطّ وأمحو وأرقب بلا حيلة كذي الرّمَّة:

– عشيَّةَ مالي حيلة غير أنّني* *بلقط الحصى والخطّ في التُّرب مولع

– أخطُّ وأمحو الخطَّ ثُمَّ أعيده * *بكفِّي والغربان بالدّار وُقَّــــعُ

ليست غريبة عنّي. ولست الغريب هنا… في الصحراء. هنا على كتف الربع الخالي، من هذا القفر الموحش أتألّم لمجرّد التفكير في اقتفاء خطى حنبعّــل، ولا أرى في ملاحم يوغرطة ما يثير كبير حماستي رغم أنّ مرابع صباي كانت عند سفوح طاولته الشهيرة. لا ولا أجد مهجتي في بطولة علِّيسةِ قرطاج أو ديار جرجير سبيطلة. ولا أذكر من أهلي البرابرة غير أمّي بحجـــلها ووشمها وحزامها المعصفر ولحافها “حَبّ الرمّان”. وحين ماتت، وأنا في سِنِيِّ الحداثة، تقطَعت بيني وبين الكاهنة الأسباب.

وفي مقابل هذا تراني أتحسّس التراب الذي مشى فوقه أدباء العربيّة في كلّ حاضرة زرتها، وأتشمّم الطّيوب ومسك الغزال على الثّرى الذي وطئته جباه الشعراء الحالمين دومًا بالخضرة والشَّهوة في القيروان وتونس المحروسة وفاس وبغداد والشام وهنا على الرمال العربيّة.

صفحةٌ أخرى من سطوة النصوص على النفوس. وحالةٌ جديدة من عبق التذكار. وصورة فانيةٌ باقيةٌ من مشاهد الظعْن وثقافة الحلّ والترحال.

وتظلّ الصّحراء علّة العلل، وسبب كلّ الأسباب، ومبتدأ كلّ حبّ.
الجزء الأكبر من صحاري شبه الجزيرة العربيّة قفرٌ مَهْمَهٌ من الرمال. صحراءُ داخل صحراء واسعة موحشة، حتّى أنّ من أطلق، من العرب، على هذا الجيب الذي أقف على كتفه الآن اسم: الربع الخالي! لم يكنْ إلاّ دقيقًا مرهفا واسع الخيال. فكّرت أنه لا توجد استمراريّة في هذا العالم كما يحدث في الصحراء العربيّة. وصدق الرحّالة “لورانس” حين وصف حياة البدو الرحّل في الصحراء بأنّها الدورة التي احتفظت بالنشاط في الجسم السامي. لابدّ أنّ بدوا قدامى يشبهون البدو الذين أراهم اليوم ، هنا أو هناك، قد ساقوا مواشيهم وحَدوا لإبلهم بين شعاب هذه الجبال السوداء وصعّدوا بين كثُب هذه الرمال قبل بناء الأهرامات وقبل شقّ الأفلاج وهندسة الريّ، وقبل نزول الأديان وبعثة الأنبياء. على حافة الصحراء قامت حضارات وتهاوت حضارات كَرَغْوة فاضت ثمّ اضمحلّت: السبئيّون، الحميريّون، فراعنة مصر، السومريُون والبابليّون، الأشوريّون والعبرانيّون، الفينيقيّون واليونان، الرومان والفرس، العرب المسلمون والترك العثمانيّون. نشأت أديانٌ ونفقت، وقامت أفكار وتيارات ثم اختفت. تغيّرت الدنيا وتغيّر الناس. ولكنّ بدو القبائل واصلوا حياتهم عبر هذه الفترة الهائلة من الزمن دون أن يغيّروا من نمط معاشهم إلاّ قليلا.ثمّ، وفي أربعين عاما أو أقلّ، تبدّل كلّ شيء أو كاد. وتفكّكت، منذ اكتشاف النفط، عُرى الحياة القديمة. وزحفت، أكثر، جموع البدو نحو الحواضر الواقفة على حافة الصحراء! وإنْ ينس الإنسان، فالإبل ما برحت تتذكّر.

{{سقْيًا لتلك النوق!}}

سئل أبو عبيد الكلابيّ، على ما روى الجاحظ،:أبيْن الإبل وبينكم قرابة؟قال: نعم. خؤولة! فقيل له: مسخك الله بعيرا. فقال: الله لا يمسخ الإنسان على صورة كريم وإنّما يمسخه على صورة لئيم!

الناقة. تلك الموصولة بعالم الروح، وحدها تقف في العراء شاهدة على حيوات ولّت الأدبار وارتحــالات منذورة إلى الفناء. الحبّ الأوّل للبدويّ جمله. يهتز قلبه لأقلّ تنهدة يطلقها. يقوم، فيوازن السرج. ثمّ يفحص البطن والخفّ، ويجمع ما يمكن جمعه من عشب جافّ ويطعمه. فى المساء، يفكّ الحمولة، فيغطّي الجِمال ببطانيٌات من الصوف، ثم يمدٌ على الأرض قطعة من القماش وبعناية فائقة ينقي الأقذار من طعامها، فإذا أتمّ اضطجع في العراء! تعجَبُ لهذا البدوي المترحّل دوما، لا يحتفر بئرا ليجاورها، ولا يجد نهرا ليغترف من مائه، ولكنّه قانع بارتوائه متى شاء، ترافقه قطعان إبله أينما سار، فلا تخلو ناقة من حَوارٍ صغير يتبعها، تختصّه باثنتين من أخلافها وتدع الأخرييْن طوع يديه ليشرب العابر والضيف والصغير والعليل. ويدهشك صبر الناقة على حلاّبها ومكوثها راضية مادام حوارها يؤنسها وحلاُبها يهدهدها :”بس .. بس” مع كل مرٌة يعتصر أخلافها تماما كما يقول المثل هنا: “الأنساس قبل الأبساس”، قصد إلى الأنس والاستئناس قبل اعتصار الأخلاف. ومن المعيب للرجل أن تحتلب زوجه الناقة بدلا منه، فذاك من عمل الرجال على غير عادة أهل القرى. ويلذّ له القيام به غير بعيد عن خيمته حيث ضيوفه في الانتظار ليعود إليهم خفيفا بصلبه النحيف : “اصطبح” يقولها البدوي لضيفه في الصباح، فإذا أظلم الليل فـ”اغتبق”، تخرج من فيه دعوة رشيقة لا تُردٌ وبالمجّان.

أفليس الصّبوح والغَبُوق عند الشَّرْب وندامى الكأس من جنس هذا “الصريح الصافي” الذي لا تهدأ رغوته؟ وهل كثيرٌ ما قاله الأعشى في الإبل تمنح من لحمها ولبنها ووبرها؟

– ضمنت لنا أعجازُهُن قدورَنَا * * وضُروعُهُن لنا الصريحَ الصافي

سقْيا لتلك النوق التي “إنْ حَملت أثقلت، وإن مَشَت أبعدت، وإن نُحرت أشبعت، وإن حُلبت أروَت”، ولا فُضٌ فوها أمٌ هاشم السلوليٌة! أبيضُ طباشيريٌّ هو حليب النٌوق. في طعمه بعضٌ من حلاوة وبعضٌ من حموضة. والأمر بحَسَب المرعى، فحليبُ النٌاقة التي تغتَذِي على نبتِ الصٌحراء غيرُهُ حليبُ التي تَطعَمُ أعلافا. أوّل أمره “لِبَأ” وآخره “صريح” ذهبت رُغوته. قارصٌ حينا وحامض حينا وحلو حينا آخر! تُحلب الناقة مرٌتين في الفجر وفي الغروب وتدرّ ٌ”الصفوف” منها “أى الغزيرة اللّبن” من تسعةٍ إلى ثمانيةَ عشرةَ شهرًا، فكيف لسيٌد الصٌحراء أن يظمأ وهو يسحب في كلٌ آن من قِربة الجلد التي يحضنها بكلتا يديه الزٌبدة و يَذر “الكامئ” لِغَد و”الخوا” لأشهر السنة الباقيات؟!

وعلى حبّه إياها يعمد البدويّ إلى بعض المخاتلة مع الناقة فهو يذبح حَوَارَها، فإذا افتقدته فلم تمنح صار يأتي بشبيه للحَوار الذبيح ويقرّبه منها فتُدر من لبنها لعين الصغير، ثم صار إلى الحوار فيأكل لحمه ويدبغ جلده ليُحشى من ثَـمَّ بالتبن ويُعلٌق قريبا فلا تخال حوارها إلاّ حيٌا يُرزق فتُدِرٌ من أخلافها. ولو كانت تدري درٌت الدٌمعَ بدل اللبن!

” في الصيف، ضيّعت اللبن! ” ذلك أنٌ لبن النوق ممٌا يُدمن من الشراب، كما يعتقد هنا أهل الصحراء. وهل ثأرٌ أجلٌُّ من حَبسِ شَربَةٍ على من أدمَنَ الصريحَ الصافي؟!

{{أجمل كوابيس الأدب}}

لقد اعتقد عرب البادية أنّ منْ أغفى في هدأة الصحراء بعد شرب الرائب فرأى فيما يرى النائم أنّه يشرب من لِبَان النوق، أفاق من غفوته وقد صار من زمرة الشعراء بقدر ما شرب في المنام!

على أنّ الروائي “خورخي لويس بورخس” يعرض في حديثه عن الكوابيس لكابوس أثبته الشاعر الإنكليزي “وورد سورث ” فانتزع إعجابه: يخبرنا “ووردسورث ” أنّه كان يَقـيل في مغارة قبالة البحر وكان الوقت ظهرا وأنّه كان منصرفا إلى قراءة “دون كيخوته” أحد كتبه الأثيرة التي تروي مغامرات الفارس الجوّال. يقول: نحّيت الكتاب جانبا، واستغرقت في التفكير بإمعان في مسألة العلوم والفنون المهدّدة بالزوال، ثم أزفت الساعة ساعة الظهيرة والقيظ و إذا بـ”ووردسورث” الجالس في المغارة قبالة البحر يتذكّر ما جرى له: ” غلبني النعاس فغفوت وراودني حلم “.

غرق في سبات عميق في مغارته، قبالة البحر، ومِن حوله رمالُ الشاطئ الذهبية مترامية. في حلمه أحاطت به الرمال، صحراء من رمال سوداء. لا مياه هناك ولا أمواج بحر. إنّه وسط صحراء وفي الصحراء لا يكون المرء، أينما كان، إلاّ في الوسط.

يتساءل، في سرّه، فزعا: ما السبيل إلى النجاة؟ وإذا به ينتبه فجأة إلى وجود شخص مّا بقربه. أمر غريب. إنّه عربيّ من قبيلة بدوية، يمتطي جمله. بيده اليمنى رمح وتحت ذراعه يحتفظ بحجر وفي يده اليسرى صَدَفَة. خاطبه العربيّ أنّه موكَّل بإنقاذ الفنون والعلوم. أدنى الصَّدَفَةََ من أذنه، فبدت آية في الجمال. يقول “ووردسورث ” إنّه سمع النبوءة في لغة لا يعرفها لكنّه فهمها. كانت النبوءة نوعا من النشيد الحماسيّ الذي ينبئ أنّ الأرض منذورة إلى دمار وشيك وطوفان يعمّ الكون من سخط الله. يريه الحجر فيتّضح على نحو غريب أنّ هذا الحجر هو كتاب الهندسة لـ”إقليدس” ويمدّ بالصدفة فإذا هي الكتاب الذي تـَنَبّأ بالخراب: شعر العالم بأسره!

يقول البدوي: يجب أن أنقذ الحجر والصَّدَفَة. يجب أن أنقذ هذين الكتابين!

يلتـفت “ووردسورث “، ورعبٌ هائلٌ يطفح على وجه البدويّ، فيرى ضياء ساطعا يغشى الصحراء: إنّها السيول القادمة!

يبتعد البدويّ ويدرك “ووردسورث” أنّه ليس إلاّ “دون كيخوته” وأنّ هذا الجمل حصانُه المعروف. وكما أنّ الحجر والصدفة كتابان، فما الذي يمنع أن يكون هو الفارس الجوّال؟

عندئذ، يفيق “ووردسورث” مجفلا صارخا لأنّ المياه… مياه البحر، قد أدركته!
ويحسب “بورخس” أن هذا الكابوس هو أحد أجمل كوابيس الأدب.

{{قبرٌ وحيدٌ}}

هذه هي الصحراء. من على كتف الربع الخالي، أراها بعيون عربيّ قادم من إفريقيّة موطنَ المهابة والغيلان والكوابيس الغريبة والشعر وعزيف الجان.

شريدا كذئب. مأخوذا باقتفاء أثر لبيد بن ربيعة مضيتُ. شغلتني كوابيس الرّمال عن التفكير في خَراج الجزيرة. قرأت أسماء النخيل. وبكيت قرب وَتَدٍ مهجور. ورأيت أيّامي المُلَـفّقة المُضَاعة عند قبر وحيد في الرّبع الخالي.

لماذا عندما تاهت سفـائنهم نسوني مُعَفّرًا في الرّمل؟

سوف يقال حين تمرّ قوافلهم في بعض طريق الحاجّ:
غريبٌ أغفى في هدأة الصحراء‍ أو فارسٌ جاور نخلة الله ونـام!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق