عصر العمّارين / سمير عطاالله

في اليوم الذي عاد إلينا الأخ ابو موسى، يذكّر بأيام الخراب، كنا نودّع باحترام وصمت يليقان، بشيخ العمّارين الفلسطينيين وعميد العمّارين العرب، حسيب الصباغ. ومعه طويت الحقبة الكبرى. حقبة البناء الحقيقي واقامة السدود للفلاحين واعمار الصحراء وتسخير المال للعمل الوطني بدل الشهوة السياسية. غاب حسيب الصباغ، ابن صفد، في فترة متقاربة مع كمال الشاعر. كلاهما تخرّج من أهم جامعة في الشرق وعلى ضفة المتوسط. وكلاهما انتقل من الاطار المحلي والاقليمي الى الاطار العالمي. الشاعر في حقل الدراسات، ومنها وسط بيروت الحضاري، والصبّاغ في الحجر وعلم الزوايا. ويوم قرأت نعي الصباغ في “النيويورك تايمس” كان العنوان انه الرجل الذي بنى جزءاً من مطار ريغان!

كان ثمة رائد استثنائي لهذا الجيل الذي انصرف الى الهندسة منتصف القرن الماضي، فيما كانت الموجة العارمة هي الطب والمحاماة والأدب والتاريخ، وبقية العلوم الانسانية، لكن اميل مرشد البستاني اختار ان يشق طريقاً آخر. تطلع حوله فرأى منطقة خارجة الى الاستقلال، وفي طريقها الى العمران، فقرر ان يدرس الهندسة. ومن المصادفات انه اسس “الكات” في فلسطين، مثلما أسس حسيب الصباغ وسعيد خوري وكامل عبد الرحمن السي سي سي. ومن ثم انتقلت كلتاهما الى بيروت. وكان ذلك في زمن ظهور النفط في الخليج، فاتجه العقل الباهر يبني في القفاري المنازل والمستشفيات والفنادق والطرقات. وعندما ذهبت الى ابو ظبي منتصف الستينات، كان فيها فندق واحد هو “البستان” تيمناً باسم ابن الدبية وحفظه لإرث عائلته الصغيرة المتواضعة. اما عائلته الكبرى البساتنة، فذهبوا جميعاً الى الآداب والتاريخ واللغة، فيما قرر هو ان يصقل الرمال وان يقتحم المستقبل.

ذلك هو المثال الذي اتبعه حسيب الصبّاغ. ولم يكن الطالب يتخرج من الجامعة الاميركية بشهادة علمية فقط، بل كان يتخرج خصوصاً بشهادة سياسية. وفي هذا الصف الطويل وقف رجال في قامة عبد المحسن القطان وجورج حبش وهشام شرابي. وهنا في هذا الحرم العلمي، يقول فؤاد عجمي، في كتابه “قصر الحلم العربي”، جاء انطون سعادة يبحث عن تلامذته وحواريه. اذ كان يدرك ان الصراع البادئ مع الصهيونية، سوف يكون صراع علم وتقدم ونمو، والا ظلّت الامة في اغلال الجهل وعبوديته.

عندما احتاج جمال عبد الناصر الى مبعوث الى حكومة لندن العمالية، لم يرسل وزير خارجيته الى الوزير جورج براون، دعا اميل البستاني الى القاهرة وكلفه المهمة في بريطانيا. حسيب الصباغ كان اقل حظاً مع مهندس “بكتل” جورج شولتز، الذي اصبح وزير خارجية اميركا. فعندما اتصل بصديقه القديم مهنئاً، معتقداً ان معه سوف يتغيّر الموقف من القضية الفلسطينية، رد الصديق السابق ببرود: “حسيب، بعد الآن يجب ان تطلبني من طريق مكتبي. لم يعد ممكناً أن أفصل بين شخصي ومنصبي”.

لم تكن تلك الخيبة الوحيدة في حياة حسيب الصباغ أو في حياة الناجحين الفلسطينيين الذين بنوا حركة النضال طوال أربعين عاماً. وكانت الخيبة الكبرى طبعاً، في بيروت. ليس فقط في خروج المقاومة ثم انهيال القصف “الوطني” على المخيمات بلا هوادة، بل في الأثر الذي تركه فريق من الفلسطينيين في بيروت وفي الجنوب وحتى في الشمال.

بدل ان تظل بيروت مقر فلسطين الاجتماعية، حمل ذلك المناخ القائم رجالاً أمثال حسيب الصباغ وعبد المحسن القطان وسعيد خوري ونايف المصري وعبد الحميد شومان وعبد العزيز الشخاشير وابراهيم ابو لغد، على اقامة “مؤسسة التعاون” في جنيف، وهي مؤسسة تعلّم وتقيم المدارس وتطوّر المستشفيات وتخصص المنح، في الضفة وغزة. ولا علاقة لها بالصراع بينهما ولا بمن تسلّط. هي تعمل مباشرة مع الناس وابناء البلد. ولا ضرورة للقول انها أرقى وأعمق من أي عمل سياسي.

جمع بين اميل البستاني وحسيب الصباغ، اليتم المبكر. كذلك كان كمال الشاعر القادم من السلط بالكوفية والعقال، متواضع النشأة. وبعد سنوات سوف تضم مؤسسات الثلاثة، عشرات الآلاف من العمال والموظفين. في كل قارة وقطر. وكافأ الأردن كمال الشاعر بأن جعله عضواً في مجلس الاعيان، وهو ما نحلم بأن يصبح ذات يوم مجلس الشيوخ في لبنان، لكي يضم تلك الطبقة الراقية من الناس، التي يرفضها باستمرار، ناخب نزق وسيئ الذاكرة وأحياناً قليل الذوق.

ضمت “الكات” أيام اميل البستاني 20 ألف موظّف وعامل. وسكن مهندسو اميل البستاني في مخيمات معدة على عجل كي يعملوا في مشاريع، مثل مستشفى الصباح، في الكويت. او قطر. أو دبي. أو أبو ظبي. ولا يزال يذكر اسمه في كل هذه البلدان بين “المؤسسين”. ولم يتطلع أحد الى البستاني أو الصباغ او القطان او خوري، على ما جنوا من مال في المنطقة بل على ما بنوا واقاموا. فقد رافقت اعمالهم ومسيراتهم اخلاقية حجبت عن اذهان الآخرين مستويات النجاح المالي، مهما بلغ او راوح. وفي اي حال فقد زكّوا بقدر ما جنوا. وعلّموا، بصمت ومن دون تمنين، أكثر مما علّمت الدول والمؤسسات. وكانوا جميعاً من المهندسين، الا الجامعي الاستاذ عبد المحسن القطان، الذي جاء الى الاعمال الانشائية من التعليم. ويبدو ان كلاً منهم مرّ بتجربة حزبية او حركية ما، بفعل المناخ الوطني الذي كان قائماً في الخمسينات: فلسطين، الجزائر، السويس، وسواها.

يومها لم يكن ثمة فرق بين المال والوطن. بل كان هناك تواطؤ إلزامي، بين العَلم والثروة. ولم يكن مسموحاً، او مقبولاً، ان يكون صاحب المال مجرد تاجر يقيس حركة القبّان، نزولاً وطلوعاً. لذلك كان للمال، في عهدة الوطنيين – مع الاعتذار عن استخدام هذا النعت، بعد كل ما حصل له – رسالة، ليست عادة للمال، وكان له دور، ليس عادة للثروة. بل كان المال شريكاً ايضاً في الفكر وفي اعلاء الشأن الوطني وخصوصاً في رفع مستوى النقاش والجدل القومي.

أقول ذلك وفي خاطري عبد المحسن القطان، الذي كان رفاقه أهل الفكر لا أهل المال. من احمد بهاء الدين الى ادوارد سعيد. تلك هي مرحلة الرجال الذين تجاوزوا تعقيدات الامة واشواكها وسمومها، الى رؤية وحيدة جلية للمصير. قلت مرة لحسيب الصبّاغ، وكان رجلاً صموتاً قليل الكلام، “ان المسيحيين العرب يفخرون بما تقوم به”. وتململ في صمته، وبدت على صدره علامات الضيق، وقال: “يا فلان، هذه اساءة لا مديح. العروبة سابقة لا لاحقة. اسم لا نعت. اذا قلت عربياً انتفت الحاجة الى التفصيل. هذه مهنة دائرة النفوس ومحاكم الطلاق”.

كانت فلسطين تبدو مختلفة في حياة حسيب الصباغ. الآدمي الذي كان يرفع سماعة التلفون على ابو عمار، ولو انه لم يكن يرفع صوته على احد. وكان في صمته مثل بطريرك يحمل تحت ابطه سر الاعتراف. لكننا جميعاً كنا نعرف، منذ زمن طويل، ان “أبا سهيل”، ترك الإدارة والمال والمشاريع، من أجل شيء واحد هو فلسطين، وقد ظلمه نعاته الرسميون حين قالوا ان لبنان هو بلده الثاني، تبريراً لنقل الرفات، الحقيقة ان الذين مثل حسيب الصباغ لا بلد ثانياً لهم. هؤلاء اهل جيل ولد في عصر المطلق. ورأوا الحق في الحق لا في القوة. ورأوا الأرض في الأهل وفي ترابهم، لا في من ينكسر ومن يربح. الفوز لا يعني الحق. وطالما كرر الذئب على الحمل حكاية المسيو دو لافونتين. كان عميد العمارين العرب، حسيب الصباغ.

عن جريدة النهار 27/1/2010

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق